الاتحاد

تقارير

بولندا.. تحول الماضي إلى سلاح!

مرر مجلس الشيوخ البولندي، يوم الخميس الماضي، إجراءً من شأنه أن يجعل من اتهام البولنديين بالتواطؤ في المحرقة اليهودية، أو أي جرائم أخرى مرتبطة بالعهد النازي، عملاً يضع القائم به تحت طائلة القانون. ويمكن للمخالفين لهذا القانون الجديد أن يجدوا أنفسهم مسجونين لمدة ثلاث سنوات، وذلك بمجرد دخوله إلى حيز التنفيذ، بعد توقيع الرئيس البولندي عليه.
ولا تزال الأسئلة المتعلقة بدور بولندا في فظائع الحرب العالمية الثانية تثير حساسية عميقة في هذا البلد، الذي كان يعيش فيه نحو 3 ملايين يهودي قبل بدء الحرب العالمية الثانية. فالعديد من البولنديين يشعرون بالغضب، عندما يتم الربط بينهم وبين الفظائع التي ارتكبها النازيون، ويشيرون إلى أن البولنديين غير اليهود قد عانوا هم أيضاً على أيدي النازيين، والسوفييت. وحول هذه النقطة قالت نائبة رئيس الوزراء «بيتا سيدلو» يوم الأربعاء الماضي: «نحن البولنديين كنا أيضاً ضحايا، كما كانوا ضحايا، ومن الواجب على كل بولندي أن يدافع عن سمعة بلاده».
وينظر المسؤولون في الحكومة القومية اليمينية في بولندا إلى مشروع القانون الجديد، باعتباره وسيلة للدفاع عن الكرامة الوطنية. ففي هذا السياق، قال نائب وزير العدل البولندي «باتريك جاكي» أمام البرلمان، إن هذا القانون: «سيرسل إشارة واضحة للعالم بأننا لن نسمح لأحد بالاستمرار في إهانة بولندا».
إلا أن وزارة الخارجية الأميركية ردت على ما أعلنه المسؤولون البولنديون بدعوة الحكومة البولندية إلى «إعادة تقييم التشريع»؛ لأنه سيضر بحرية التعبير، ويؤدي لتعقيدات في علاقة واشنطن مع وارسو، كما قالت. ولكن أقوى رد فعل - وهو ما لم يكن مستغرباً- جاء من إسرائيل، التي تشرع الآن في سحب سفيرها من وارسو، وتنظر في تمرير قانونها الخاص، الذي يجرم أي إنكار لجرائم المتعاونين مع النازيين.
وفي هذا السياق، قالت أجنيسكا ماركويتز، مديرة مكتب أوروبا الوسطى التابع لللجنة اليهودية - الأميركية، لزميلي ريك نواك: «إننا نواجه أكبر أزمة في العلاقات البولندية اليهودية منذ عام 1989». فالشعب البولندي، وإن كان لا يتحمل المسؤولية عن المحرقة، إلا أن بولندا -كدولة- شأنها في ذلك شأن دول أخرى، يجب أن تتحمل المسؤولية عن سلوك أو مواقف البعض من مواطنيها».
وهناك حد لما يمكن أن تذهب إليه بولندا في مجال الاحتجاج على الاتهامات الموجهة إليها. فقد جاء في افتتاحية لصحيفة «واشنطن بوست» أن «المعاداة للسامية كانت منتشرة في بولندا قبل الحرب، وبعضها برعاية الحكومة». وأضافت الافتتاحية «على رغم أن العديد من البولنديين قاتلوا الاحتلال النازي، وحاولوا إنقاذ اليهود، إلا أن البعض الآخر أيضاً ساعد في القبض عليهم، وسرقة ممتلكاتهم، وشارك في المذابح التي تعرضوا لها. وبالإضافة إلى حظر مصطلح ’معسكرات الموت‘، يجرّم التشريع البولندي أيضاً أي تلميح إلى أن ’الأمة البولندية‘ أو ’الدولة البولندية‘ كانت ’مسؤولة أو متواطئة في الجرائم النازية‘».
ولكن جزءاً من إحساس بولندا بالغبن من الاتهامات التي توجه لها يرجع لاستيائها الدائم من حقيقة أنه لا ألمانيا ولا روسيا قد كفرتا على نحو كافٍ عن حملتيهما المدمرتين عليها قبل سبعة عقود.
وبولندا ليست هي الدولة الوحيدة التي تبذل جهوداً لتجريم مناقشة تفاصيل من الماضي. فعلى رغم أن لدى العديد من الدول الأوروبية حظراً على إنكار المحرقة، إلا أن دولاً أخرى، كانت سابقاً ضمن الكتلة السوفييتية، لجأت إلى تبييض أفعال أبطالها القوميين، مثلما فعلت أوكرانيا وليتوانيا، على سبيل المثال.
ومن ناحية أخرى، يمكن النظر إلى القوانين التي تصدر بشأن الذاكرة الوطنية، باعتبارها تمثل الميراث الوحشي لحرب كارثية وبشعة، أصابت أوروبا بصدمة مروعة.
وحول هذه النقطة كتب ليونيد بيرشيدسكي من بلومبيرج يقول: «إن الحرب العالمية الثانية، والقوى التي أطلقتها، هي التي شكلت الهويات الوطنية للدول التي شهدت مذابح دموية، أكثر مما شكلها أي حدث تاريخي آخر». وأضاف أنه: «من غير المجدي أن نطلب من البولنديين، والأوكرانيين، وسكان دول البلطيق، والروس، التوقف عن إعادة توظيف جراح الحرب التي انتهت منذ أكثر من سبعة عقود. فقد يكون من السهل استخدام الذاكرة كسلاح، إلا أنه يصعب للغاية إعادة ضبطها على الوضع الاستبطاني».
وهناك أيضاً تطور أكثر قتامة يظهر في الوقت الراهن، يتمثل في أن الحكومة البولندية، بتحريض من السياسي الديماغوجي غير الليبرالي «جاروسلاو كاتشينسكي»، عملت على تشجيع اليمين المتطرف في البلاد، وعززت مناخ كره الأجانب السائد فيها، الأمر الذي نتجت عنه شيطنة المهاجرين والمسلمين على نحو شرس. وفي العام الماضي حذر المؤتمر اليهودي الأوروبي، من جانبه، من ارتفاع نبرة معاداة السامية وانتشار «الشعارات الفاشية» في بولندا.
وقالت افتتاحية «واشنطن بوست» المشار إليها، إن «الحاجة إلى القانون الجديد كوسيلة للدفاع عن الشرف البولندي، أقل من الحاجة إليه كإشارة تنبيه لأكثر العناصر تطرفاً في قاعدة كاتشينسكي». وأضافت الافتتاحية «والأمر المرجح هو أن القانون، وبدلًا من أن يؤدي لمنع المناقشات حول دور بولندا في المحرقة، سيؤدي إلى المزيد منها. أما قضية حرية التعبير، فقد تلهم عدداً قليلًا فحسب من الاستخدامات الأخرى لاتهامات» معسكرات الموت في بولندا، «سواء أكانت هذه الاتهامات دقيقة أم لا».

* كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا