الاتحاد

تقارير

المعارضة الكورية الشمالية.. ضغط أميركي على بيونج يانج

اجتمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع معارضين من كوريا الشمالية في المكتب البيضاوي يوم الجمعة الماضي، فيما يبدو أنه عمل يُراد به إلقاء الضوء على حجم الانتهاكات التي تتم ممارستها ضد حقوق الإنسان في كوريا الشمالية، مما قد يثير القلق بدرجة أو بأخرى في بيونج يانج. واستقبل ترامب ثمانية معارضين، ستة منهم يعيشون في كوريا الجنوبية واثنان يعيشان في الولايات المتحدة، بعد يومين من إلقاء خطاب حالة الاتحاد الذي أشاد فيه الرئيس بالمعارض الكوري الشمالي «جي سونج هو» الذي كان حاضراً خلال إلقاء الخطاب في الكونجرس. وكان «جي» من بين المجموعة التي استقبلها ترامب في البيت الأبيض يوم الجمعة. وفي تعليقات مقتضبة للصحفيين، أعلن ترامب الذي كان يجلس بجوار «جي»، أن بعض المعارضين ظلوا في غرفة أخرى بعيداً عن كاميرات التلفزيون بسبب خوفهم على أمنهم الشخصي وأمن عائلاتهم في كوريا الشمالية، وأضاف قائلاً: «إن وجودهم هنا يملؤهم رعباً. إنها مسألة صعبة للغاية».
وانتقد ترامب، كما فعل من قبل، الإدارات الأميركية السابقة لتقاعسها عن التحرك بقوة أكبر ضد كوريا الشمالية، لكنه لم يحدد ما إذا كان يقصد التصدي للبرنامج النووي أو التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان أم كليهما. وصرح ترامب قائلاً: «إدارات كثيرة كان يجب أن تتحرك في هذا الشأن قبل وقت طويل للغاية حين لم نكن في مثل هذا الوضع. كان من الممكن القيام بهذا قبل 12 أو 20 عاماً. وسنرى ما سيحدث. سنمضي عبر دورة الألعاب الأولمبية وربما تتمخض عن شيء جيد».
ووافقت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية على وقف المناورات العسكرية المشتركة في شبه الجزيرة إلى حين الانتهاء من دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي تستمر أسبوعين وتبدأ يوم التاسع من فبراير في مدينة بيونجتشانج. ووافق الشمال على إرسال وفد من الرياضيين والمسؤولين ينضمون إلى الجنوب في مسيرة تقليدية في مراسم الافتتاح. لكن خبراء يعتقدون أن استعراض الوئام هذا لن يدوم على الأرجح. وزيارة المعارضين توفر لترامب فرصة لأن يلقي الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في كوريا الشمالية، وعلى الكلفة التي يتكبدها البشر نتيجة نظام كيم جونج أون السلطوي. وأعلن ترامب في خطاب الاتحاد السنوي يوم الثلاثاء الماضي أمام الكونجرس قائلاً: «لم يقمع نظام مواطنيه بشكل شمولي ووحشي مثلما فعلت الديكتاتورية الوحشية في كوريا الشمالية. مسعى كوريا الشمالية المتهور لإنتاج صواريخ نووية قد يهدد قريباً بلادنا».
وحذر خبراء في السياسة الخارجية من خطورة تقارب ترامب مع المعارضين. فقد حاولت الولايات المتحدة على مدار سنوات إقناع أسرة كيم بأن توافق على التخلي عن برنامجها للأسلحة النووية في مقابل التفاوض لرفع العقوبات الاقتصادية واحتمال إصلاح العلاقات الدبلوماسية. وكجزء من هذا المسعى، أكدت إدارات أميركية سابقة لكوريا الشمالية أن هدفها هو نزع الأسلحة وليس تغيير النظام الحاكم. وأعلنت إدارة ترامب اتباعها النهج السياسي ذاته. لكن خطاب ترامب بما تضمنه من التهديد باستخدام القوة العسكرية لتدمير كوريا الشمالية تماما وانتقاداته الشخصية لكيم، فاقم التوترات في شبه الجزيرة. ويعتقد خبراء أن دعم ترامب للمعارضين قد ترى فيه بيونج يانج تهديداً مباشراً.
وصرح خبير في السياسة الخارجية متخصص في شؤون شرق آسيا أن «الاجتماع مع المعارضين في المكتب البيضاوي يثير أسئلة حول إذا ما كانت الاستراتيجية الأميركية تستهدف تغيير النظام الحاكم. ومن شأن ذلك أن يقلص الحوافز على التفاوض وقد يعرقل جهود التعاون مع الصين. والسؤال الواقعي الآن هو: هل تتغير استراتيجية كوريا الشمالية؟».
ولم يكشف البيت الأبيض سلفاً عن حضور «جي» خطاب الاتحاد. وكان «جي» قد فقد ساقاً وذراعاً بعد أن صدمه قطار وهو صبي يبحث عن الطعام أثناء مجاعة عمت البلاد. وفر في نهاية المطاف إلى كوريا الجنوبية. وقال ترامب في خطاب الاتحاد، إن «جي يعيش اليوم في سيؤول، حيث ينقذ المعارضين الآخرين وينشر في كوريا الشمالية أكثر ما يخشاه النظام الحاكم هناك، ألا وهو الحقيقة. واليوم لديه ساق جديدة، لكني أتفهم أنه مازال يحتفظ بهذين العكازين كذكرى للطريق الطويل الذي قطعه. تضحيتك العظيمة تمثل إلهاما لنا جميعا». ورفع «جي» عكازيه، بينما صفق المشرعون والضيوف بحماس.
ومن بين المعارضين الثمانية الذين حضروا اجتماع البيت الأبيض «لي هايون سيو» الناشطة البارزة في مجال حقوق الإنسان التي سردت قصتها الأليمة في مذكرات بعنوان «فتاة بسبعة أسماء». وكانت لي وسط الحضور في برلمان كوريا الشمالية حين ألقى ترامب كلمة في نوفمبر الماضي. وصرحت قبيل الاجتماع بأنها تعتزم حث ترامب على أن يمنع الصين من إعادة الكوريين الشماليين ممن يُقبض عليهم أثناء فرارهم. وأعلنت «لي» أنها ستخبر ترامب بأن ممارسات التعذيب والسجن شائعة، وأن بعض الكوريين الشماليين أُعدموا علناً.
وكتبت «لي» في تعليقات أعدتها سلفاً لتقدمها للرئيس وأطلعت عليها «واشنطن بوست» تقول: «هذا هو ما يجعل كثيراً من المعارضين يحملون حتى اليوم السم معهم تحسباً لاعتقالهم في الصين. إنهم يفضلون الموت على ترحيلهم إلى كوريا الشمالية والتعرض لعقاب مروع بقية حياتهم». ولا يتذكر معاونون سابقون لباراك أوباما أن الرئيس السابق اجتمع مع معارضين كوريين شماليين. وبعض كبار مساعديه، ومن بينهم وزير الخارجية السابق جون كيري، لم يدينوا سجل كوريا الشمالية في حقوق الإنسان بعد تقرير الأمم المتحدة لعام 2014. وكان بوش الابن قد اجتمع مع معارضين كوريين شماليين في البيت الأبيض عام 2006 أثناء محادثات سداسية الأطراف ضمت الكوريتين والصين واليابان وروسيا وأميركا. وأعلن بوش حينها أن «العالم يحتاج إلى شجاعة لمواجهة من لا يحترمون حقوق الإنسان».

*صحفي متخصص في شؤون البيت الأبيض
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا