الاتحاد

الاقتصادي

البنوك الإسلامية في مصر تتعثر


القاهرة - علاء العربي:
طالب خبراء الاقتصاد في مصر بتعديل قانون البنوك الموحد ليتضمن تنظيم عمل البنوك الإسلامية التي يتعامل البنك المركزي المصري معها بنفس المعايير الخاصة بالبنوك التجارية· وأكد الخبراء خلال ندوة بالقاهرة أن لجنة بازل التي وضعت معايير لكفاءة المؤسسات المصرفية ومنها زيادة رأسمالها إلى 500 مليون جنيه تمثل تحديا كبيرا أمام استمرار عمل البنوك الإسلامية المصرية لعدم قدرتها على زيادة رأسمالها بحلول منتصف العام القادم وهو الموعد الذي حدده البنك المركزي المصري لالتزام جميع البنوك المصرية بالمعايير المطلوبة·
وأشار الخبراء إلى ان تجاهل قانون البنوك الموحد للبنوك الإسلامية جعل بعضها ينحرف عن العمل الذي ينبغي أن يتوافق وأحكام الشريعة الإسلامية فيما يخص الادخار والفائدة والإقراض فقد بدأ بعض هذه البنوك في تلقي أموال المدخرين بأسعار فائدة محددة سلفا رغم مخالفة ذلك لأحكام الشريعة التي تجعل البنك مجرد وسيط مالي يقوم بضخ الأموال في المشروعات المختلفة ويحصل على ريعها وإذا لم تكن هناك أرباح فلن يحصل البنك أو العميل على أي عائد فالمبدأ في التعامل مع المستثمرين هو المشاركة وليس الإقراض·
وأكد الخبراء أن انحراف بعض البنوك يتطلب وجود مدقق شرعي من الأزهر لمراجعة جميع العمليات المصرفية وإعادتها إلى مسارها الصحيح بالإضافة إلى ابتداع وسائل جديدة لجذب المدخرين أهمها الصكوك ومحافظ الأوراق المالية والتي من الممكن استخدامها في المضاربة بالبورصة المصرية لجني عوائد مالية ملائمة·
وأشارت إحصاءات البنك المركزي المصري حول البنوك الإسلامية المصرية عام 2003 إلى أن نصيب هذه البنوك من حجم الودائع المصرفية بلغ 7 مليارات جنيه ولم تتعد مساهمتها بالإقراض في الاستثمارات المحلية 6 في المئة فقط وساهمت باستثمارات مباشرة من خلال الشركات التابعة لها بنسبة ·1 5 في المئة بالمقارنة مع استثمارات جميع البنوك العامة في مصر· وانحصرت تجربة البنوك الإسلامية في مصر في أربعة بنوك هي ناصر الاجتماعي وفيصل والمصرفي الإسلامي الدولي والتمويل المصري السعودي· ويعتبر بنك ناصر الاجتماعي أصغر البنوك الإسلامية رغم كونه أول بنك إسلامي تم إنشاؤه بقانون خاص عام 72 ويعود صغر البنك إلى تبعيته لوزارة الشؤون الاجتماعية التي حصرت أعماله في القروض الحسنة وإقامة معارض للسلع المعمرة·
أما بنك فيصل الإسلامي الدولي فقد تم إنشاؤه بقانون خاص عام 79 واستطاع طوال سنوات عمله أن يقدم خدمات مصرفية متنوعة حتى تعثر قليلا بسبب مشاركته في بنك الاعتماد والتجارة الدولي الذي تمت تصفيته مما أدى إلى مشاكل مالية للبنك كان على إثرها قرار البنك المركزي المصري بإلزامه بعدم توزيع الأرباح على المدخرين منذ عام 91 حتى 98 إلا انه استطاع تجاوز الأزمة ليحتل مكانة متقدمة بين البنوك المحلية فقد جاء في المرتبة الثامنة بين أفضل البنوك العاملة في مصر·
وقام المصرف الإسلامي الدولي عام 86 بالمضاربة في الأسواق العالمية للنقد الأجنبي مما عرضه لخسائر كبيرة وتزامن ذلك مع قيام الحكومة المصرية بوقف نشاط شركات توظيف الأموال ونتيجة لان احد أعضاء مجلس إدارة البنك كان يمتلك شركة لتوظيف الأموال حدث ربط بين خسائر البنك والقرارات الحكومية ضد هذه الشركات مما جعل المودعين يتوافدون على البنك لاسترداد أموالهم فتعرض للاهتزاز المالي وزادت خسائره واستمرت أوضاع البنك السيئة حتى الآن وهناك مفاوضات لدمجه في بنك فيصل الإسلامي الدولي برعاية المركزي المصري·
وكان بنك التمويل المصري السعودي يسمى 'بنك الاهرام' وعندما تعثر اشترى الشيخ صالح كامل نسبة 40 في المئة من رأسماله وتم تعديل اسمه عام 88 ليصبح احد البنوك الإسلامية·
إحصاءات
وقال ممدوح الولي-الباحث الاقتصادي- إن إحصاءات ودراسات البنك المركزي المصري لا تعبر عن الواقع خاصة وان التجربة الإسلامية لم تنحصر في البنوك الإسلامية وإنما امتدت إلى البنوك التجارية العادية التي افتتحت فروعا للمعاملات الإسلامية بلغ عددها 70 فرعا منها 31 لبنك مصر و18 للبنك الوطني للتنمية و6 فروع للبنك المصري المتحد وفرعان لعدد من البنوك منها بنك النيل والتجاريين والاستثمار العربي· وهذا يعني أن هناك نشاطا وتوسعا كبيرا لعمل البنوك حسب المعاملات الإسلامية وحققت من ورائه جذب العديد من المدخرين ويصل حجم الودائع المصرفية في فروع بنك مصر للمعاملات الإسلامية إلى مليار و70 مليون جنيه كما أن 80 في المئة من الودائع ببنك فيصل الدولي لمدخرات تقل عن 20 ألف جنيه مما يعني أن البنوك الإسلامية استطاعت جذب صغار المدخرين وهو الأمر الذي فشلت فيه البنوك التجارية الأخرى·
وأكد أن الانتشار للتجربة لا يعني أن المناخ الحالي ملائم لها حيث تعاني هذه البنوك أو التي تمتلك فروعا للمعاملات الإسلامية تجاهل قانون البنوك الموحد لها ويتعامل معها بنفس القواعد المطبقة على البنوك التجارية ويلزم البنك المركزي المصري هذه البنوك بأسعار الفائدة المعلنة مع أن عملها لا يقوم على الفائدة ولكن على المشاركة والمرابحة وهذا جعل الكثير منها ينحرف عن أسلوب عمله الشرعي·
وقال محمد جمال عبدالحميد -المشرف العام على فروع بنك مصر للمعاملات الإسلامية- إن تفكير بنك مصر منتصف الثمانينات في إنشاء فروع للمعاملات الاسلامية جاء بهدف جذب المدخرات التي كانت بشركات توظيف الأموال وإعادة توظيفها وكانت البداية بفرع واحد بالقاهرة ثم سرعان ما انتشرت الفروع لتغطي جميع انحاء مصر وتعمل في جميع الخدمات المصرفية حسب الشريعة الاسلامية حيث اشتركت لجنة من الأزهر مع إدارة البنك في وضع القواعد والتعليمات الخاصة بكافة الفروع· وساهم البنك بشكل كبير في الاستثمارات المحلية والتي تقوم على المشاركة حيث يتم استيراد وتوفير المواد الخام للمنشآت الصناعية سلعا يتم تسويقها والحصول على نسبة من الأرباح حسب الاتفاق مع العميل· · وقد شهدت هذه الاستثمارات خلال السنوات الخمس الماضية بعض التراجع لظروف السوق المتمثلة في الكساد والركود مما جعل معظم خدمات البنك تتحول إلى المرابحات بنسبة 98 في المئة مثل شركات السلع المعمرة وتوريدها للعملاء أو إقامة المعارض أو الإقراض لأغراض الزواج وتأثيث الشقق·
وأشار إلى ان السنوات الماضية تؤكد صعود وتطور البنوك الاسلامية وزيادة دورها في مصر حيث ارتفع منحنى الودائع المصرفية ببنك مصر للمعاملات الإسلامية منذ عام 94 حتى 2003 بنسبة تعدت المئة في المئة·
وقالت الدكتورة ماجدة شاهين -أستاذ الاقتصاد بجامعة المنصورة- إن تجربة البنوك الإسلامية في مصر غير مكتملة على مستوى التشريعات أو الخدمات في حين هناك تطور دائم لعمل هذه البنوك في الخارج مثل النجاح الكبير لبنك دبي للمعاملات الإسلامية منذ إنشائه عام 1975 وما قام به سيتي بنك الاميركي من افتتاح فرع للمعاملات الإسلامية بالبحرين برأسمال قدره مليار دولار وإعلان بنك HSBC البريطاني بدء تقديم خدمات وفق المعاملات الإسلامية في عدد من فروعه بالعالم وهناك بنوك فرنسية وايطالية تسير في نفس الاتجاه·
وأضافت: تميزت التجربة المصرية بتجاهل البنك المركزي المصري لهذه البنوك إضافة إلى صغر حجمها بالمقارنة مع البنوك التجارية المصرية وهي سمة البنوك الإسلامية حول العالم فلم تتضمن قائمة أفضل مئة مؤسسة مصرفية في العالم ايا من البنوك الاسلامية رغم انتشارها في 48 دولة·
وقالت إن الخدمات التي تقدمها هذه البنوك غير متطورة رغم أن هناك حركة مستمرة لأشكال التمويل والإقراض المصرفي على مستوى العالم·
ودعت إلى تشجيع حالات الاندماج بين البنوك الاسلامية بهدف تقوية مراكزها المالية بما يجعلها قادرة على تقديم خدمات أكثر تطورا وإنشاء رابطة أو اتحاد عام لمناقشة قضاياها والبحث عن العلاج اللازم لها·
التفهم·· أهم
وأكد الدكتور اشرف دوابة -أستاذ التمويل بجامعة الإسكندرية- أن المشكلة ليست في التشريعات أو تجاهل البنك المركزي المصري لهذه البنوك قدر عدم تفهم الإدارة المصرفية لطبيعة عمل البنوك الإسلامية فإذا كان عمل هذه البنوك يقوم على المشاركة في الأرباح في حالة إقراض المستثمرين فكيف لحقت ظاهرة المتعثرين ببعض عملائها؟! وهذا يعني أنها تحولت إلى بنوك ربوية تحدد قيمة الفائدة وتلزم العميل المقترض حتى ولو لحقت به الخسائر بأن يقوم بسدادها والعوائد المستحقة عليها· ولابد من الاستعانة بمدقق شرعي من جامعة الأزهر يراجع عمل هذه البنوك والتي لم تتقدم خطوة منذ إنشائها لتحول إدارة البحوث بها إلى 'جراج' تتم من خلاله معاقبة العاملين المقصرين في أداء واجباتهم الوظيفية رغم كونها أهم الإدارات المصرفية·
وأشار الدكتور عبدالحميد الغزالي -أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة- إلى ان تجربة البنوك الاسلامية لا يزيد عمرها على الثلاثين عاما بينما عمر البنوك التجارية يزيد على 300 عام مما يجعل هذه التجربة غير مكتملة ومن الظلم مقارنتها بالبنوك التجارية الأقدم والأكثر تقدما·
وقال: في الحالة المصرية نجحت هذه البنوك في الاستمرار بشكل مستقر وحققت نموا سنويا حددته الإحصاءات الرسمية بالبنك المركزي المصري بنسبة ·3 5 في المئة وهي نسبة لا تحققها البنوك التجارية رغم تاريخها الطويل وهذا يؤكد أن هناك نجاحا متزايدا لها· وعليها أن تستغل التطور الحالي في الأدوات المالية لتحقيق عوائد مرتفعة ولعل ما قام به بنك فيصل الإسلامي من إنشاء صندوق خاص للاستثمار برأسمال مليار جنيه يمثل بداية الطريق أمام دفع عجلة التطور لخدمات وأدوات وآلية عمل هذه البنوك·
ودعا الدكتور محمد عبدالحليم عمر -مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي- هذه البنوك إلى تطوير آليات الإقراض المطبقة بها وتقديم تمويل يكفي لإنشاء استثمارات حقيقية تتولد عنها فرص عمل جديدة تدفع عجلة الاستقرار الاجتماعي إلى الأمام لان اقتصار عملها على تمويل شراء المواد الخام يمثل مساهمة متواضعة لدفع الاستثمارات·

اقرأ أيضا

النفط يرتفع ووكالة الطاقة تخفض توقعاتها للطلب