الاتحاد

الملحق الثقافي

ما فيش يا سِتْ!

مع صعودها إلى ''الباص'' اكتمل عدد الذاهبين لزيارة سجن نفحة الصحراوي، فأخذ السائق مكانه ليقود ''باص'' الصليب الأحمر إلى حيث الهموم تتربع، وتعيده من كل رحلة من رحلاته محاطاً بالوجع والنقمة على هذا العمل الذي قدرته له المقادير بقليل من الرحمة وكثير من الرغبة في تعذيبه·
بسمَلَ وحوْقلَ، ثم ذكَّر الركاب بالوثائق المطلوبة: التصاريح والهويّات يا إخوان، من دونها لا يمكن لأيًّ منكم الدخول·
خرقت الكلمات أذني أم باسل فقالت: ليس معي تصريح يا حاج، لكنني عرفت أن ابني في نفحة·
ـ لن يسمحوا لك بالدخول، قالها بصوت حاسم ارتعدت له شعيرات رأسها الذي شاب على أبواب المعتقلات·
- تعوَّذ بالله يا حاج، تفاءلوا بالخير تجدوه، قلبي يحدثني أنني سأراه اليوم·
ـ يا أختي لن يسمحوا لك، ستجرّينَ علينا الشتائم ووجع القلب·
- توكِّلْ على الله، لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا·
ـ هه··· أنت حرة، قالها بنفاذ صبر وشتم الزمن والظلم والمعتقلات، ثم أدار محرك ''الباص'' مفتتحاً نهاراً من العذاب والانتظار·
تمتمت في سرها: أذهبُ وأمري إلى الله· ليست المرة الأولى· ذهبت إلى سجون البلاد كلها: رام الله، أريحا، الخليل، الفارعة، نابلس وجنين ولن تضيرني رحلة أخرى·
منذ شهور وأم باسل تدور في المدن والمعتقلات· تتشمم الأخبار، وكلما قيل لها إن ولدها في سجن ذهبت وفي قلبها أمل اللقاء· جابت طرقات لم تكن تعرفها· سارت في شوارع كانت تسمع عنها فقط· قطعت دروباً لم يكن لها وجود من قبل إلا في نشرات الأخبار· عرفت ضباطاً وجنوداً بعدد شعر رأسها، ولم تسمع سوى إجابة واحدة: ابنك ليس هنا·
وتعود، تجر لوعتها وخيبتها ودموعها وهي تحلف أغلظ الأيمان بأنها لن تصدق أحداً، ولن تخرج من بيتها حتى يرسل لها الحبيب يخبرها بمكانه، لكن قلبها سرعان ما يتَّقد لهفة ويشتعل شوقاً ويجرُّها من جديد إلى زيارة جديدة·
أخرجها صوت السيدة التي تشاركها في المقعد من صمتها، وقطع ما اتصل من حبل أفكارها: هل تزورين لأول مرة؟
- نعم، هذه أول زيارة إلى نفحة، بالأمس قالوا لي إن ولدي هناك·
ـ لعل الله يجمعك به وتجدينه·
ساد صمت لا يحتمله الذاهبون إلى زيارة المعتقلين في العادة، فيحاولون كسره بحديث ما، غالباً ما يكون حول السجين ومعاناة رؤيته، ولا يعدم المتحدث في مثل هذا الموقف نصيحة يوجهها لمن يأتي أول مرة، أو كلمة مواساة تخفف من ألمه· هكذا، خيل للسيدة أن بوسعها التنفيس عما يعتمل في صدرها، ورغبة في جرِّ أم باسل إلى الحديث·
لكن أم باسل كانت في مكان آخر، لم تتابع كل ما قالت السيدة، ولم تسمعها إلا عندما قالت: ابني أيضاً هناك· أخذوه منذ كان في السابعة عشرة· عشر سنوات وأنا آتي في مطلع كل شهر لزيارته· حفظت كل شجرة في هذا الطريق، كل منحدر وكل شارع، لو سألتِ عنّي الطريق لعَرفتْني· عشر سنوات وأنا على هذه الحال، من سجن إلى سجن، ومن بلد إلى بلد· يرحل فأرحل وراءه، أحياناً أحظى به وأحياناً لا أجده، وإن وجدته لا تكفي ساعة لإطفاء شوقي إليه، نقطع كل هذه المسافة من أجل ساعة فقط·
- ''احمدي الله يا أختي''، أنت ترينَهُ على الأقل، أما أنا فمنذ سنين لا أعرف شيئاً عن ولدي· لا عنوان له ولا مكان· أخبار متناقضة أركض وراءها مثل المجانين وأعود خائبة· لا أحد يبلُّ ريقي بخبر صحيح، هل هو حيّ فأعيش على أمل لقائه، أم ميت فأعرف له قبراً وأبكيه· أدور وأدور ولا أسمع منهم إلا إجابة واحدة: ابنك ليس هنا، و··· همَتْ دموعها حارقة على وجنتيها· غزيرة كانت دموعها كأنما تبكي للمرة الأولى·
ألقى الصمت ثقله على المرأتين· غرقت كل منهما في أحزانها، بينما تردَّدَ صوت المقرئ يغسل القلوب، ويشيع في برودة الحافلة رحمة ''يس''، وعلت أصوات الركاب بين متشهِّدٍ ومحَوْقِلْ·
أطلِّ وجهَهُ من ذاكرتها، حجب عنها الناس والطريق، همست تخاطبه: سوف أراك· نعم، سأراك، قلبي يحدثني بذلك· سأراك وأضمَّكَ إلى صدري· أتنشَّق رائحتك الحلوة، وأحكي لك عن مجْدْ وتسنيم· كبرت كثيراً في غيابك يا حبيبي· أخذوك قبل أن تصل إلينا· لم يمهلوك لترى أحداً· أصدقاؤك بخير يبلغونك السلام، لماذا طالت لحيتكَ هكذا؟ ماذا فعلوا بك؟
تحسست وجهه، قبَّلتْهُ في جبينه وعينه· ضمَّتهُ إلى صدرها بشوق السنين الطويلة· هل رأيت ابن جارتنا أم محمد يا بنيّ؟ أمُّهُ المسكينة تجوب الشوارع والحارات، ليلاً نهاراً، تسأل عنه المارة، تصفه لهم وتقول إنها رأته في العشر الأواخر من رمضان في غابة من النور· يقول الناس إنها جُنَّتْ، لكني أعلم أنها لم تجنّ وأن قلبها يكاد ينفطر، أخبرني عنه يا ولدي لأطمئن قلبها، هل هو معكم؟
هدر صوت السائق: وصلْنا، أخرجوا التصاريح والهويّات· نزل الركاب من ''الباص''· دقق الجندي في الوجوه والتصاريح، لم يبق غيرها، زعق فيها: أين تصريحك؟
- ليس معي تصريح، لكنهم قالوا لي إن ولدي هنا·
ـ ممنوع يا سِتْ·
- كيف ممنوع؟! ابني هنا وأريد أن أراه·
ـ قلت لك ممنوع، ممنوع، ألا تفهمين؟
- ''مَنَعَكْ قِرْدْ''، صرختْ في وجهه ثم اندفعت إلى خارج ''الباص'' وهي تُوَلْوِلْ: ولَدي يا ناس، ولَدي، أريد أن أرى ولَدي، هذا حرام، وربّ الكعبة هذا حرام·
تجمهر الجنود حولها· تربعت في منتصف الساحة الممتدة أمام السجن· عقدت شاشها الأبيض خلف رأسها، ثم قالت وهي تصوب نظراتها الغاضبة إليهم: لن أتَزَحْزَحَ من هنا قبل أن أرى ولَدي، أريد ولَدي·
تقدّم الضابط منها وسألها عن اسم ولَدها·
- باسل فرحان·
كتب الاسم ثم أمرها بالانتظار بعيداً ريثما يفرغون من تعداد أسماء الزائرين·
بدأ الجندي ينادي على أسماء المعتقلين، خمسة، عشرة، عشرون، ثم باسل··· واندفعت إليه، فأكمل: باسل عبدالمجيد· رجعت إلى مكانها وهي تهمس: ليس هو·
باسل··· واندفعت، أكمل الجندي باسل الصابر، رجعت، ليس هو·
باسل··· واندفعت ورجعت، واندفعت ورجعت، وانتهى الجندي، وانتصبت وحدها قامة بيضاء في عراء الصحراء، وحيدة، مرهقة، يأكلها الشوق والانتظار·
تقدِّمت من الضابط وسألته: أليس لكم أمهات؟ أليس في قلوبكم رحمة؟ أين ولَدي؟
نظر الجندي في دفتر ممدَّدٍ على الطاولة، تسمّرت نظراتها فوق الأصابع الزاحفة فوق الأسماء· علا وجيب قلبها، يبست شفاهها وتحلَّبَ ريقها، وسربلها العرق من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، قال: باسل سعيد· لا··· ليس هُوَ· باسل حسين، لا··· لا··· ليس هُوَ· باسل عبدالسميع، لا··· ليس هُوَ··· وتعلِّقتْ عيناها بشفتيه·
قال ببرود هائل: ''ما فيش يا سِتْ''·

اقرأ أيضا