الاتحاد

عربي ودولي

قطـر في القائمة السوداء للمصارف والشركات ونزيف الاحتياطيات يتفاقم

دينا محمود (لندن)

ثمانية شهور كاملة خضع خلالها النظام القطري لمقاطعة يتسع نطاقها يوماً بعد يوم، بدأت بالدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، قبل أن تمتد إلى بلدان أخرى، انضوت تحت لواء «الرباعي» في حملته الرامية لإجبار نظام تميم بن حمد، على التخلي عن سياساته الداعمة للإرهاب بالمال والإعلام، والكف عن توفير الملاذ لقيادات تنظيماته، والتخلي عن نهجه القائم على مد الجسور مع قوى إقليمية تشكل تهديداً للمنظومتين الخليجية والعربية، مثل نظام إيران.
ورغم حملات التضليل الواسعة التي أطلقها نظام الدوحة منذ فُرِضت عليه المقاطعة في يونيو العام الماضي، في محاولة يائسة للتقليل من حجم الخسائر الفادحة التي يتكبدها سياسياً واقتصادياً، فإن ذلك لم يحل دون أن يجمع خبراء سياسيون واقتصاديون تحدثت إليهم «الاتحاد» في لندن، على عمق الأزمة التي تواجهها قطر على مختلف الصعد. واستعرض المحلل السياسي محمد قواص، قائمة بالخسائر السياسية والاقتصادية التي يتكبدها النظام القطري، بفعل تشبثه بموقفه المتعنت والمُكابر على مدار الشهور الثمانية الماضية، وأشار إلى أن الدوحة رفضت حتى الآن العودة إلى البيت الخليجي للوصول إلى تسوية، وما زالت تطرق أبواب العواصم البعيدة، أو تحاول جلب دعم عسكري مثل ما حصل مع تركيا.

خسائر متنامية
واستطرد قواص بالقول: «خسارة قطر الأولى هي أنها فقدت هذا الوعاء الخليجي الضامن»، مُضيفاً أن الدوحة عرّضت نفسها لظروف تُعتبر قاسية بالنسبة لطموحاتها في المستقبل، وبالنسبة حتى لإمكانية تنظيمها بطولة كأس العالم لكرة القدم المقررة عام 2022، التي تثور شكوك حتى الآن من هذه العاصمة أو تلك بشأن مدى الجدارة باستضافتها. وشدد على أنه كان من الأجدر بقطر أن تعيد علاقاتها مع الجار الخليجي أو الجار العربي، قبل أن تحاول الحصول على موقف دولي أو عسكري مؤيد لها. وأشار إلى أنه بوسع النظام القطري أن يُجنّب منطقة الخليج والعالم العربي بأسره، أن تضطلع قوى غربية مثل الولايات المتحدة بمهمة الوساطة في الأزمة الحالية، قائلاً إن باستطاعة الدوحة أن تتجاوز ذلك من خلال العودة إلى البيت الخليجي، والتمسك بالوساطة الكويتية، وإعلان براءتها من كل الاتهامات الموجهة إليها، وأضاف أن ذلك يعني أن تتفق قطر مع قوانين دول الخليج، وأن تعلن نهائياً عدم علاقتها بكل ما له صلة بالإرهاب وتمويله.
وشدد قواص على أن المقاطعة الحالية أدت إلى تعرض الاقتصاد القطري لضغوط شديدة، وقال إن قطر أصبحت تريد أن تتأقلم مع الوضع الجديد، على الرغم من أن هذا الوضع يُسبب ضغوطاً اقتصادية ومالية، بحسب ما تعترف به الجهات الاقتصادية القطرية. وانتقد إصرار النظام القطري على أن يعيش اقتصاد المقاطعة، بدلاً من أن يعيش اقتصاد التسوية والمصالحة. وسلّط كذلك الضوء على عامل آخر يزيد من حرج موقف حكام الدوحة اقتصادياً بعدما باتوا لا يستطيعون التعامل بحرية من الناحية الاقتصادية حتى مع الدول العربية التي لم تقطع علاقاتها مع الدوحة، وذلك في ضوء أن أي تعامل اقتصادي مع قطر سيُحسب لمصلحتها، وبالتالي أصبحت الدوحة تعتبر حتى علاقاتها الاقتصادية مع الدول العربية (غير المُقاطعة لها) علاقات سياسية وليست علاقات بالمعنى الاقتصادي المعروف. وأشار إلى أن ذلك يجعل الموقف العربي من التعامل الاقتصادي مع الدوحة مُجمداً، وهذا يربك الاقتصاد ويربك شركات القطاع الخاص وعلاقاتها ومشاريعها في قطر.
وعلى الصعيد الدولي، أشار قواص في تصريحاته لـ «الاتحاد» إلى عزوف المستثمرين الأجانب عن ضخ أموالهم في قطر في ظل أزمتها المتفاقمة مع محيطها الخليجي والعربي، قائلاً «الاقتصاد القطري يعتمد على الطاقة والغاز والاستثمارات الأجنبية، واليوم تحسب هذه الاستثمارات ألف حساب قبل أن تذهب إلى هناك». ويفاقم من ذلك المأزق الذي لا تبدو له نهاية في الأفق، ما أشار إليه المحلل من انهماك هذا البلد المعزول خليجياً وعربياً في ما وصف بـ «شراء» المواقف السياسية لدول العالم الكبرى في محاولات محمومة للخروج من أزمته، وقال «إن قطر باتت مضطرةً لأن تُبرم عقوداً اقتصادية لها بعد سياسي، مثل ما يحدث عندما تقوم بشراء أسلحة من هنا أو هناك، أو تعطي تسهيلات لهذه الدولة أو تلك، رغم عدم حاجتها حالياً لهذا». وأشار إلى أن تلك الصفقات والتسهيلات تعني شراء النظام الحاكم في الدوحة لـ «هذه الدولة أو تلك عبر عقود واستثمارات، ومن خلال مبالغة وإفراط في هذا الشأن، فعندما تتجه قطر نحو فرنسا لاجتذاب استثمارات أو لشراء أسلحة - وهو ما ينطبق أيضاً على الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا - فإن ذلك يشكل على نحو واضح استثمارات سياسية لشراء موقف سياسي».
ولم يغفل قواص الإشارة إلى أن تبديد الأموال على هذا النحو المجنون «يكلف الخزينة القطرية خسائر غير محسوبة، ويؤدي إلى ضغوط مبالغ فيها على هذه الخزينة، وهو ما يعني أن الخسائر السياسية لهذه الدولة، يُدفع ثمنها مالياً من خلال الخزينة الحكومية». كما تحدث عما لحق بسمعة قطر من تشوه وتراجع على المستوى الدولي، على النحو الذي جعل من الشركات العالمية كافة تعيد حساباتها في نسج علاقاتها معها دون أن يسبب لها ذلك إحراجاً.

تعثر اقتصادي عالمي
والرأي نفسه تبناه الدكتور مصطفى البزركان، الخبير في الشؤون المالية والطاقة والمقيم في لندن، والذي شدد في تصريحات لـ «الاتحاد» على أن قطر باتت الآن موضوعة على ما يشبه القائمة السوداء للمصارف والشركات العالمية، وهو ما يزيد من صعوبة إبرامها أي اتفاق أو صفقة مع مثل هذه المؤسسات. وقال في هذا الشأن «إن هذا البلد أصبح من بين الدول التي تخضع لعقوبات، ولذلك تُحوّل المصارف والمؤسسات المالية والشركات كافة أي عقد تشكل قطر طرفاً فيه، إلى أقسام بعينها بداخل هذه المؤسسات للتأكد من صلاحية العقد وإمكانية إتمامه».
وأبرز البزركان تقارير تفيد بأن النظام القطري أعاد النظر في عقود مشروعات كان يعتزم القيام بها في مناطق مختلفة من العالم، وذلك بسبب التراجع الحاد في احتياطياته المالية بفعل المقاطعة والعزلة. وأشار في هذا الشأن إلى التراجع الكبير في الاحتياطي النقدي لمصرف قطر المركزي، مُبرزاً في الوقت نفسه إقدام السلطات القطرية على بيع بعض ممتلكاتها في الخارج، في إشارة إلى اضطرار صناديق الثروة السيادية التابعة لهذا البلد إلى التخلي عن حصص لا يستهان بها في مؤسسات مثل مصرف «كريدي سويس» السويسري وشركة «تيفاني» للمجوهرات وشركة «روسنفت» الروسية للنفط. وأكد أيضاً أن المقاطعة وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية مع النظام القطري، زادت من معدلات التضخم، بعدما ارتفعت تكاليف الاستيراد، بفعل اضطرار الدوحة إلى أن تجلب وارداتها من مناطق أخرى أبعد من تلك التي كانت تستوردها منها، قبل أن يفرض «الرباعي» إجراءاته الصارمة حيالها في يونيو الماضي.

اقرأ أيضا

البرلمان الأوروبي يصوت على تعيين فون دير لايين رئيسة للمفوضية