الاتحاد

دنيا

جزيرة مرّوح·· تبوح بأسرار إنسان العصر الحجري

اعتدنا أن نربط الجزر بالأفلام الكرتونية التي يشاهدها الأطفال ونطلق عليها أسماءً، كجزيرة الأحلام وغيره، وكأنها ضرب من الخيال لا يعيش إلا في مخيلتنا فقط، ولكن في الحقيقة هناك جزر تحتل مساحات في تاريخنا لتربط بوجودها بين الماضي والحاضر وبين الحقيقة والخيال، ومن بين هذه الجزيرة''جزيرة المروح'' وهي إحدى الجزر المنخفضة في خور البزم جنوبي الخليج العربي، حيث تبعد عن أبوظبي بنحو 100 كلم غرباً، وتتكون من مسطحات بلستوسينية كلسية تعود الى العصر الحجري الحديث وترتبط بها رواسب رملية ساحلية ومسطحات ملحية أحدث زمناً· وهي تحتضن أشجار الغاف الممتدة على طول السواحل والخلجان، حيث تعتبر من المناطق القليلة في الإمارات العربية المتحدة التي تنمو فيها أشجار الغاف طبيعياً· كما تشكل مأوى لأنواع متنوعة من النبات والحيوانات، ومحطا عالميا هاما للطيور المهاجرة شتاء وخصوصا طائر ''الدرّيجة الكبيرة'' الذي يتكاثر فقط في أقصى ''سيبيريا'' الشرقية ويقضي شتاءه بشكل حصري تقريبا في آسيا الجنوبية·
وتعتبر الجزيرة وجهة محبذة لصيادي الأسماك الموسميين، وهي تحتوي على آثار تدّل على أنها كانت آهلة بالسكان منذ زمن بعيد· وقد ساهمت المساكن المكتشفة والتي شيّدها الإنسان قديما في الخليج، وكذلك بقايا الإنسان المكتشفة حديثا في دولة الإمارات، بتسليط الضوء على نمط حياة سكانها القدامى· ؟تركزت معظم الأبحاث الأثرية على الأرض الرأسية الصخرية الكلسية لجبل بلشريس الذي يضم أهم المواقع التي تعود إلى العصر الحجري الحديث، أي ما يناهز 7500 سنة خلت·
؟وقد أدّت الحفريات العلمية الهامة التي بدأت في أوائل التسعينيات على الحافة الغربية للهضبة الصخرية الوسطى للجزيرة إلى اكتشاف مجموعة من المواقع التي تشمل مبان وقبور وبيوت وأنظمة لتجميع المياه، كما توّصلت الأبحاث الأخيرة إلى توسيع دائرة فهم وتفسير الاكتشافات السابقة· فالآثار التي ساد الاعتقاد في البداية بأنها ركام لمقابر تمتد إلى العصر الجاهلي ''فترة ما قبل الاسلام''، ثم تم تعريفها لاحقا بأنها مجمع ديني، تم التأكد الآن بأنها بقايا لأساسات ثلاث مستعمرات سكنية تعود إلى العصر الحجري الحديث أي قبل ما يناهز 7500 عام، أي قبل عصر الفراعنة المصريين الأول· وهذه المباني تشكل أفضل وأكمل الهياكل المنزلية في الخليج خلال تلك الفترة· فالحفريات التي جرت على المنازل كشفت جدرانا تمتد على طول متر واحد تقريبا وسُمك نصف متر، وهي جدران مزدوجة الأسطح داخلية وخارجية مبنية بحجارة عريضة، وجوفها بمواد بناء أصغر حجما· وهذا أول مثال معروف محليا من الجدران المزدوجة الأسطح تعود إلى هذه الفترة· ويتألف المنزل من أربع غرف على الأقل تم العثور في إحداها على هيكل عظمي لرجل يتراوح عمره بين 20 و 40 عاما - وهو أقدم إنسان معروف حتى اليوم في تاريخ الإمارات - وكان متمددا على منصة حجرية على جانبه الأيسر، في وضع الجنين، ورأسه يقابل الجانب الشمالي الشرقي·
وتضم جزيرة مرّوح كميات هائلة من الأدوات الحجرية، تتمثل معظمها في الصّوان والعديد من الرماح والسهام المصنوعة بمهارة، والتي تمثل نموذجا عربيا محليا للصناعة المعروفة في العصر الحجري الحديث، ويدّل اكتشاف أكثر من مائة قفل ثياب عبارة عن خرزات ومحارات لؤلؤ، على أن السكان القدامى كانوا مهتمين بأغراض الزينة الشخصية والمظهر اللائق، ومن المرّجح أن تكون تجارة اللؤلؤ جنوبي الخليج قد بدأت في حدود هذه الفترة·
يبدو أن سكان الجزيرة كانوا يعيشون في مجتمع مستقر حسب آثار وبقايا المنازل المكتشفة، كما كانوا يعتمدون على اقتصاد متنوع، ومن بقايا العظام، نرى بأن صيد أنواع مثل الدلافين وأبقار البحر ـ الأطوم، والسلاحف والمحار كان نشاطا هاما آنذاك· أما مصادر اللحوم الأخرى فكانت تأتي من الخراف والماعز، إلى جانب الصيد البري بالرماح والسهام، حيث كان السكان يصطادون الطيور والحيوانات البرية وتحديدا الغزلان·
كما تضم بعض المواقع بجزيرة مرّوح، والتي تعود الى العصر الحجري الحديث، مشغولات فخارية تعود إلى عصر العبيد مصنوعة في جنوب بلاد الرافدين ''العراق''، مما يشير إلى ممارسة التجارة البحرية في هذه العصور الغابرة·
وتشكل جزيرة مرّوح مصدرا أثريا هاما وواسعا لتراث الإمارات العربية المتحدة، وهي تقدم تسلسلا كاملا للحياة البشرية في الإمارات بدءا من العصر الحجري الحديث وحتى الأزمنة الحديثة، ومن المرّجح أن تكشف الحفريات والأبحاث المتواصلة تفاصيل أكثر عن أوجه الحياة في العصر الحجري الحديث، والأزمنة اللاحقة له في جنوب الخليج العربي·

اقرأ أيضا