الاتحاد

دنيا

الثقافة الجنسية لا تعني الخوض في المسكوت عنه!

الثقافة السائدة تنظر إلى الجنس على أنه أمر معيب، أو حرام، وهذا خطا

الثقافة السائدة تنظر إلى الجنس على أنه أمر معيب، أو حرام، وهذا خطا

علينا أن نقر أولاً أن الغريزة الجنسية فطرة طبيعية يحتاجها الإنسان كحاجته الى الهواء والطعام والماء، ولا يمكن أن يتخلى عنها بأى شكل من الأشكال لاستمرار الحياة، لكن لعوامل كثيرة متراكمة ، اصطدم تناول أمر الجنس والثقافة الجنسية أو مناقشتها بموانع وحواجز ومخاوف لاحصر لها، وكثير ما ثار الجدل والخلاف حول أهمية مناقشتها وتعلمها وتدريسها في المدارس والجامعات بين مؤيد ومعارض، ولكل فريق حجته·
فياترى·· هل نوافق على إدخال التربية الجنسية ضمن مناهج التعليم المختلفة؟ أم نظل أسرى نظرية''دفن الرؤوس في الرمال''؟ وهل أصبحت الثقافة الجنسية ضرورة؟ وهل يتعارض ذلك مع الأصول والآداب والقيم والتقاليد؟ وما الذى يجعل موضوع الجنس من الممنوعات أو المحرمات ؟

يرى ياسر الشامسي''الموظف بإحدى شركات النفط'' أن التربية الجنسية مهمة للغاية، ولا يمانع من إدخالها ضمن المناهج الدراسية، ويقول: ''قدلا يكون من المناسب أن نعلم الطفل في المرحلة الابتدائية شيئاً عن الحياة الجنسية، لأنه لا يستوعب المقصود منها، لكن من الممكن أن نبدأ ذلك بالنسبة لطلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية، وهي الفترة التي تشهد مرحلة ما قبل البلوغ، والأمر المهم هنا كيفية الطرح والتناول، فالثقافة السائدة تنظر إلى الجنس على أنه أمر معيب، أو حرام، وهذا خطأ، وعلينا أن نبدأ مع الجيل الجديد بالمدخل الإسلامي والشرعي إلى جانب المدخل العلمي والفسيولوجي، وأن يتناول المنهج الإطار الإسلامي للعلاقة بين الذكر والأنثى وهو الزواج، ومن ثم يتناول تشريح الجسم البشري، إلى جانب بعض الجوانب التربوية والثقافية، والتركيز على الجوانب التي تصاحب مرحلة البلوغ عند الأنثى والذكر، وما يطرأ عليهما من تغيرات جسمية وعاطفية ووجدانية''·
ويضيف ياسر:''إن جيل اليوم أكثر ثقافة وإطلاعاً من الأجيال السابقة،، حيث أنه يتصل بالعالم من حوله بشكل مباشر بفعل الانترنت وثقافة السموات المفتوحة والفضائيات، ولم يعد العالم غامضاً أمامه كما كان في السابق، وبالتالي علينا مواكبة هذه المتغيرات الثقافية من حولنا''·
كما يؤيده الرأي حسن الحوسني ''موظف'' ويقول: ''إن تعليم وتثقيف الجيل الجديد جنسياً، وإدخال التربية الجنسية في المدارس أمر مهم - من وجهة نظري - حتى لا نترك الطفل أو المراهق يحصل على المعلومة الخاطئة من أقرانه، وبالتالي يصعب تعديلها بعد ذلك، ومن المفروض أن يتعلم من خلال مفاهيم علمية صحيحة في البداية، وحتى تصبح هذه الثقافة هي مرجعيته التي يمكن من خلالها معرفة الخطأ والصواب، ولا أعرف لماذا لا تتقبل ثقافتنا الحديث عن الجنس، إن لم يكن مخلاً بالآداب والقيم؟! إنه علم مثل كل العلوم، ولن يمكن إخفاء حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة على الطفل أو المراهق طيلة حياته، فالحياة الجنسية جانب مهم من حياة الناس، إما اقترانها بالحرام والسلوكيات الخاطئة، هو الذي جعل منها شيئاً أشبه بالمحرمات''·
ويضيف الحوسني ''أعتقد أن ثقافة المجتمع وقيمه وتقاليده لا تسمح بتناول هذه الثقافة إلا من خلال الدين والشريعة، وإن أردنا أن ندخللها في مدارسنا فيجب أن تكون من خلال ذلك، وبتدرج ومنهجية علمية دون أن تستعجل النتائج، كما أن هذه الثقافة ستضيف بعداً آخر وهو التوعية الصحية ضد مخاطر كثيرة يمكن أن يقع فيها الفرد دون علم، أو يجد نفسه في متاهات سببها الجهل بالثقافة الجنسية''·
كما يضيف أحمد الحوسني ''أعمال حرة'' قائلاً: ''علينا أن نتساءل أولاً لماذا يجب إدخال الثقافة الجنسية ضمن المناهج الدراسية؟ وما هي السلبيات التي نلمسها نتيجة عدم وجودها ضمن المقررات الدراسية؟ وهل هناك حاجة ماسة إلى ذلك؟ ومن ثم علينا أن نطرح الحلول والخطوات المنهجية وفق إطار علمي دقيق حتى لا يخل بالهدف الذي نسعى إليه''·
ويقول أيضاً: ''إن الموضوع قد يبدو حساساً جداً، وتناوله سيثير نقداً واعتراضات عديدة، لكن يجب أن نواجه الحقيقة بعلمية وموضوعية دون المساس بإطار الأخلاق والقيم السائدة، فنحن كآباء نقف في موقف لا نُحسد عليه عندما نفاجأ بتساؤلات أطفالنا في هذا الموضوع، أو غيره من المعارف الإنسانية الأخرى، إنني أوافق على إدخال التربية الجنسية للأطفال، لكن ليس في مرحلة مبكرة، ويمكن البدء بالمراحل التالية وربط هذه المناهج بالقيم الدينية والمجتمعية، وبكيفية تقوية الوازع الديني عند الأبناء، إلى جانب تبني برامج توعوية وتثقيفية في أكثر من اتجاه، فلماذا لا يتبنى مشروع صندوق الزواج هذه الفكرة وينظم حملات ودورات تثقيفية للمقبلين على الزواج من الجنسين، إلى جانب دورات أخرى في فن التعامل مع الحياة، وكيفية إدارة المؤسسة الزوجية، وادارة ميزانية الأسرة وتدبير الموارد وغيرها من شؤون الحياة؟''·
سهيل المزروعي ''موظف'' يؤكد موافقته على إدخال التربية الجنسية في المدارس· والتوعية بها في وسائل الإعلام ويقول: ''إن تعليم االأطفال والصبية والمراهقين الثقافة الجنسية السليمة والصحيحة منذ وقت مبكر من شأنه أن يجنبهم الوقوع في الخطأ، وأن يتعرفوا على المفاهيم الصحيحة من المدرسة والبيت، بشرط ألا يتم ذلك بصورة تتضمن إباحية أو إخلال بالهدف الذي نسعى إليه، فالعالم من حولنا يشهد تطوراً في كافة الميادين والمجالات وشتى أنواع المعارف الإنسانية، ولا يجب أن نقف أمام هذا التقدم موقف المتفرجين، وإنما يمكن أن نأخذ بأحدث الوسائل العلمية والتربوية، ونطبقها في مدارسنا وجامعاتنا، كما يمكن لوسائل الإعلام أن نقدم وجبات ثقافية جيدة عن الحياة الجنسية بشكل علمي ومحترم بعيداً عن السطحية أو الابتذال''·
الجهل الجنسي
يرى الدكتور تامر فلفلة، إستشاري المسالك البولية في أبوظبي أن نسبة الطلاق مرتفعة فى مجتمعنا لكثير من الأسباب منها غير المعلن وهو الجانب الجنسي بمعنى أن المرأة لا تستطيع أن تحمل علاقة غير متوازنة جنسيا فتطلب الطلاق من غير أن تعلن عن دوافعها الحقيقية · إن الجهل الجنسى يحفز الفرد للحصول على المعرفة من مصادر خفية أو فى الأفلام الاباحية وتكون النتيجة الحصول على المعلومات الخاطئة والوقوع فى التجريب أو الخبرات التى تؤدى الى الشعور بالاشمئزاز أو الاحساس بالاثم والخطيئة والخوف والقلق والاستغراق فى أحلام اليقظة والانحراف الجنسى والاضطراب النفسى أن أهداف التربية الجنسية يجب أن تشمل تزويد الفرد بالمعلومات الصحيحة اللازمة عن ماهية النشاط الجنسى وتعليمه الالفاظ المتصلة بأعضاء التناسل والسلوك الجنسي واكسابه التعاليم الدينية والمعايير الاجتماعية والقيم الاخلاقية الخاصة بالسلوك الجنسي''·
كذلك تبدي شيلا أوكسيليان ''موظفة خدمة العملاء'' موافقتها على إدراج الثقافة الجنسية ضمن مناهج التربية والتعليم منذ بداية المرحلة الإعدادية حتى يستوعب الطالب ما يقدم له من خلال المفاهيم والمقررات العلمية المدروسة والمختارة بعناية، لأن وصول المعلومة للطفل قبل موعدها، أو استقباله لها بشكلل مشوه، من شأنه أن يوقع الطفل في مشاكل عديدة، أو يقع فريسة العقد النفسية والمخاوف الوهمية التي تؤثر على حياته في المستقبل''·
وتؤكد ناهد سالم ''معدة البرامج في تليفزيون أبوظبي''تأييدها لفتح آفاق جديدة للتربية الجنسية الصحيحة في المدارس بالقول: ''هناك خلط كبير بين الكثير من المفاهيم، والكثير من القيم، وكثيراً ما يختلط الحابل بالنابل تحت ستار العيب والحرام حتى في أدق تفصيلات حياتنا، وكثيراً ما ندفن رؤوسنا في الرمال حتى لا نواجه الحقيقة· إن الحياة الجنسية جزء مهم في حياة الناس، فلماذا لا يتعلمونه بشكل سليم لا يتعارض مع الدين ولا مع القيم الأخلاقية المعروفة؟
وتجيب ناهد سالم: ''إن تعمد الإخفاء، أو التهرب من مواجهة الواقع، قد يتسبب في وجود مشاكل لا حصر لها، فالجهل لا يمكن أن يعلم أحداً، ولا يفيده، والهروب غير المنطقي وغير المبرر يزيد ويضاعف المشاكل، وهناك كثير من المشاكل السلوكية الخاطئة التي تسود بين الشباب والمراهقين أساسها الفهم الخاطئ للحياة الجنسية، وغالباً ما يصطدم الطفل بالحقيقة بعد أن يكون قد تعلم الخطأ ولا يستطيع الفكاك منه، فعلى الأقل إن تعلم الحياة الجنسية بشكل علمي صحيح، سيستطيع تجنب الكثير من المشامل الصحية أو السلوكية التي يقع فيها، والآن لا يمكن حجب المعرفة عن الأطفال القادرين على اختراق الحواجز، والاتصال بالعالم عبر الانترنت والسينما والتليفزيون، ومن الطبيعي أنهم يكتشفون معارف جديدة، وعلينا أن نتيح أمامهم الطريق الصحيح لهذه المعرفة، وأن نساعدهم على اكتشاف المجهول على أسس علمية وتربوية سليمة، إنما أؤكد هنا على كيفية التناول، وطبيعة المادة التي نقدم، وحسب كل عمر، وأن تتمشى مع القيم السائدة، وفي إطار ومنهج علمي وتربوي، دون إهمال تأثير وسائل الإعلام الأخرى للقيام بنفس الدور، وفي نفس الوقت''·
أمر محفوف بالمخاطر
خالد البوسعيدي''موظف'' يرفض تدريس مادة الثقافة الجنسية، ويراها جزءا من الثقافة الإسلامية الأسرية، وهي ضرورية جداً لشبابنا وفتياتنا، لأن شبابنا على جهل فاضح بأسس تكوين الأسرة والعلاقات الأسرية وأسس العلاقة بين الذكر والأنثى والحقوق والواجبات، وهذا ليس فقط لدى العامة من الناس بل لدى الصفوة المثقفة، وخريجي وخريجات الجامعة، وينتج عن هذا الجهل نسبة كبيرة من الأطفال الجانحين·
ومن ثم فإن مصطلح الثقافة الأسرية أنسب من مصطلح الثقافة الجنسية، والتربية الأسرية توحي بجو الأسرة، وتهيئة الجنسين لهذه الحياة الأسرية بما فيها العلاقة الجنسية بين الزوجين· وأحكام الزواج وأحكام الخلوة وحدود العلاقة مع أهل الزوج وحقوق الأولاد، وحقوق الجار وصلات الارحام، والعلاقات الاجتماعية والإنسانية في إطار الحدود والضوابط والآداب الإسلامية·
من جانب آخر لا يوافق محمد البدوي ''مسؤول مبيعات'' في إحدى الشركات التجارية، ويقول: ''لا أحبذ تعليم الأطفال والمراهقين ذلك لأنه أمر محفوف بالمخاطر، وربما يؤدي ذلك إلى انحرافات أخلاقية وسلوكية عديدة، وأرى أن تثقيف الطفل جنسياً إنما يتم عبر الأسرة، وبصورة متدرجة تتناسب مع عمر الطفل أو الطفلة''·
كما ترفض سوزان العبدلي ''معلمة'' فكرة أو مقترح إدخال التربية الجنسية في المدارس قائلة: ''إن عادات وتقاليد المجتمع ترفض هذا الاتجاه، ولا يمكن أن يكون المنهج المدرسي مفيد للأطفال أو المراهقين إذا تضمن موضوعات عن الحياة الجنسية، فإن الأمر سيتحول إلى شيء آخر، وربما فوضى، وسيفتح أعين وأذهان الأطفال لأشياء وموضوعات لم يحن الوقت لمناقشتها معهم، لكن يمكن أن يكون ذلك خلال الدراسة الجامعية، ويمكن لوسائل الإعلام تناوله بشكل لائق يتفق مع طبيعة المجتمع وثقافته''·

الإسلام والجنس

يؤكد الدكتور أحمد النجار، من علماء الأزهر الشريف أن الإسلام لم يهمل هذا الجانب من جوانب الحياة، الذي قد يحسبه بعض الناس أبعد ما يكون عن الدين واهتماماته، بل قد يتوهم بعض الناس أنه ينظر إلى''الجنس'' وما يتصل به على أنه ''رجس من عمل الشيطان'' وأن نظرة الإسلام إلى الجنس كنظرة الرهبانية إليه·
والواقع أن الإسلام قد عني بهذا الجانب الفطري من حياة الإنسان، ووضع فيه من القواعد والأحكام والتوجيهات ما يضمن أداءه لوظيفته، في غير غلو ولا كبت ولا انحراف· وحسبنا ما جاء في سورة البقرة حول هذا الموضوع في قوله تعالى: (يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين· نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين)· (البقرة: ،222 223)·
وقد حفلت كتب التفسير والحديث والفقه والآداب وغيرها بالكثير مما يتصل بهذا الجانب، ولم ير علماء المسلمين أي بأس في الحديث عن هذا الموضوع ما دام في إطار العلم والتعليم، وقد شاع بين المسلمين كافة هذا القول: لا حياء في الدين، أي في تعلمه وتعليمه، أيًا كان موضوعه·
والإسلام قد جاء لكل الأجناس، ولكل الطبقات، ولكل البيئات، ولكل العصور ولكل الأحوال، فلا ينبغي أن تتحكم في فقهه وفتاويه وتوجيه أحكامه أذواق أو تقاليد أقوام معينين، في بيئة معينة، كبيئة المسلمين العرب أو الشرقيين، فنحجر بذلك ما وسع الله، ونعسر ما يسر الدين، ونمنع الناس مما لم يمنعهم الشرع منه، بنصوصه الثوابت المحكمات·

لماذا الخجل أو الهروب؟

حامد المعشني المذيع بتلفزيون الإمارات - أبوظبي يبدي موافقته وتحمسه نحو أهمية إدخال الثقافة الجنسية ضمن مناهج التربية والتعليم، وأهمية التربية الجنسية للأطفال قائلاً: ''لا أحداً ينكر أهمية التوعية المبكرة في مجال من مجالات الحياة، وإذا كان المجتمع الإماراتي له خصوصيته وثقافته وقيمه وعاداته وتقاليده، فإن ذلك لا يمنع من تعليم الأطفال الحياة الجنسية بشكل سليم، وعلينا أن نبدأ بالأسرة، ومن ثم يأتي دور الأب والأم، ويفترض أن يلما بالمفاهيم التربوية الصحيحة عن العلاقة الجنسية، فالجنس غريزة فطرية، إنما يفترض أن يكون هناك وعي مجتمعي، ووعي ذاتي لدى الأفراد، فالجنس ليس مجرد علاقة ميكانيكية بين الذكر والأنثى، وإنما هو ''ثقافة''، وهذه الثقافة تحتاج إلى فهم صحيح، فالطفل لديه نوافذ عديدة للمعرفة، ويخشى أن يتناولها ويتعاطاها بشكل سلبي، ومن ثم فإن التوعية تصبح مسؤولية أسرية واجتماعية، دون أن نعمل مؤسسات المجتمع الأخرى كالإعلام والجامعات والمساجد وغيرها، ولابد أن يكون هذا التعاطي وفق منهج محدد، وبطريقة غير مخلة لمنظومة القيم والأخلاق السائدة·

اقرأ أيضا