صحيفة الاتحاد

الإمارات

"شاهندة".. الرواية الناقصة

الشارقة ـ إبراهيم الملا:

هي أول رواية في الإمارات، والنص الروائي اليتيم لمؤلفها ''راشد عبدالله النعيمي''، وهي أيضا الرواية الناقصة بحكم أن الجدل المحيط بها لم ينته بعد، و ما زال محفوفاً بالأسئلة، وبالغرابة المحلقة على أجوائها وشخوصها ومناخاتها، رواية مكتملة شكلاً وتكنيكاً ولكنه الاكتمال الموهوم والمتخيل، تقف ''شاهندة'' وتنتصب كتجربة عالية في المشهد الأدبي المحلي، ولكنه الوقوف المترنح أيضا والمتمايل على أكثر من سند نقدي وفني وتاريخي، هي رواية شبيهة ببطلتها من دون شك، لأنها قادمة من أرض غريبة ولم يؤسس لها أحد، إنها ابنة الضباب، والموجة الغامضة والسرية التي ورّثت الساحل كل هذا الجنون المزهر وكل هذه اللوثة المبدعة، وكل هذا الانتقام الجليل من الصمت الروائي في المكان، أضرمت ''شاهندة'' النار في بحر الكلام وفي صحراء السرد فتناسل الضوء وتباهى وتورّد، وتكاثر على إثره الرواة والشعراء والقاصون ونساك الكلمة ومريدوها، وهاج غبار كثير في أفق الكتابة، غبار من ذهب، وغبار من فضة، وغبار خفيف ورخيص أخذته الريح في هباتها ولم تعد، ولم يعد يذكرها أحد، وبقت ''شاهندة'' وحدها في عزلة ظليلة ونسيان بارد، وكلما أهملها الزمن نفضت الرماد عن ردائها الملكي الطويل، وخرجت للعلن مثل شهقة بتول، ومثل حكاية عذراء في فم الفجر·
يحمل اسم ''شاهندة'' جرْساً غريباً ومتضاداً يجمع بين السمو والخنوع، وبين الفضيلة والعهر، وبين النقاء والإثم، ولعل هذا التضاد المتداخل مرهون لحالة قصوى من التمزق الإثني والشتات العرقي، ولعله أيضا سليل لعنة روحية موغلة في المكان، لعنة هويات وأطر ومرجعيات، لم يخترها أحد ولكنها نبتت من أمطار سوداء وعرّشت على الهاوية !
(الريادة الروائية)
وفي معرض الكتاب المقام حالياً بالشارقة حضرت ''شاهندة'' مجدداً من خلال ندوة خصصت لإحياء النقاش حولها وضمت لفيفاً من الأدباء والمهتمين، وكان للمحاضر الدكتور ''سمر روحي الفيصل'' دوراً في إذكاء نار الجدل حول هذه الرواية الحية والحاضرة على الدوام· بدأ الفيصل حديثه بالقول إن رواية ''شاهندة'' التي صدرت في العام 1971 تستحق صفة الريادة الروائية لجمعها بين أمرين: أمر لا علاقة للروائي راشد عبدالله به، وأمر اخر هو الجهد الفني لراشد عبدالله الذي جعل هذا النص الروائي يبقى حيّاً بعد خمسة وثلاثين عاماً على طباعته أول مرة·
أما السبق الزمني فليس ميزة لأحد لسبب بسيط هو أنه معيار غير متماسك، فقد قيل كلام كثير عن أن رواية (زينب) للدكتور محمد حسين هيكل التي صدرت عام 1914 هي أول رواية عربية، وهذا الكلام ــ كما يقول الدكتور فيصل ــ غير دقيق، فهناك قبلها، في مصر وغيرها، روايات عربية مطبوعة لا يقل مستواها عن مستوى (زينب)، ويضيف الدكتور (الفيصل) إن الأسبقية الزمنية لرواية ''شاهندة'' في المنجز الروائي الإماراتي أمر لا يدعو إلى مدحها أو قدحها، لأن السبق الزمني وصف وليس حكم قيمة، ولا يجب أن يكون حكم قيمة على أي نص روائي أو غير روائي، وهذا الأمر يدفعنا إلى التشبث بمعيار فني آخر يدل على القدرة الحقيقية لراشد عبدالله وغيره من الروائيين·هذا المعيار هو قدرة الروائي على بناء نص فني ماتع وقادر على الاستمرار في الحياة، مقنع لقارئه سواء أكان هذا الروائي ابن القرن التاسع عشر أم ابن القرن الحادي والعشرين، فالنص الفني لا زمن يبدأ فيه وينتهي عنده، لأنه نص يخترق الزمن ليبقى مع الروائع إذا سما في عالم الفن·
وعن التقنيات الفنية في رواية ''شاهندة'' يقول ''الفيصل'': إنها تستند إلى الراوي العالم بكل شيء، وهو راوِ ما زال مشهوراً في الرواية العربية على الرغم من مزاحمة الراوي الممثّل بإحدى الشخصيات الروائية، ويستطيع أي مدقق في (شاهندة) ملاحظة أبرز إيجابياتها، وهو حياد الراوي العالم، في حين أخفق كثير من الروائيين حتى يومنا في ضبط معرفة هذا الراوي العالم·
ويرى ''الفيصل'' أن راشد عبدالله خاض مغامرة حساسة عندما استحضر فتاة من الساحل الآخر الذي لا يصفه، في حين يصف ساحله بالساحل العربي، ويروح يجعلها فاتنة شهوانية لا قيمة لشيء عندها غير المتعة الجسدية، وقد غطى رغبتها في متعة الجسد بقيمة إيجابية هي الحب، وأخرى سلبية وهي الانتقام، ثم راح طوال النص الروائي يتابع خيانات شاهندة كما هي، سواء أكان عملها مقنعا أم لم يكن، ولم يكتف (الراوي العالم) بالحياد في هذا الموضوع الجنسي الحساس في الوسط الشرقي، بل راح يطرح على نحو حيادي أيضاً موضوع النخاسة والعبودية، فهو يتحدث عن الفقر ويعرّي سلوكياته في قرية ''الحيرة'' وخصوصاً النخاسة والعبودية، وقدمهما على أنهما من طبائع المرحلة التاريخية وحاجاتها، من دون أن تبدر منه إشارة لغوية تشي بموقفه السلبي أو الإيجابي منهما، وقد استطاع بوساطة هذا الحياد إبراز سمات محلية لا تزال أنوارها تسطع في الرواية الإماراتية، هي المزج بين البحر والصحراء وطبيعة الحياة الإماراتية، وهو مزج كان ''راشد عبدالله'' أول من استثمره، وأول من نجح في تقديمه فنياً بوساطة هذا الراوي العالم الحيادي·
( التمرد على الاستلاب )
ويورد ''الناقد'' بعض الملاحظات الفنية حول التكوين الروائي للنص حيث يشير إلى أن راشد عبدالله اضطر إلى القفز الزمني وراح يبالغ فيه عندما انتقل بين قرية الحيرة والقرية الثانية التي لم يسمها ثم إلى المدينة كي يوزع الحكاية توزيعاً مشهدياً أشبه بالسيناريو، ليتمكن من متابعة حياة شاهندة في بؤسها ونعيمها، وكان هذا المدخل مغامرة غير مأمونة العواقب، إذ رافق حياة شاهندة من بداية غرق مركب أبيها (شهداد) إلى نهاية إقامتها في قرية الحيرة، وهذا القفز الزمني لا شك في أنه أصاب السرد بالخلل، لأنه جعل الراوي يسرّع حركة القص كثيراً من دون أن يغطي الحوادث التي جرت في الزمن الذي قفز فوقه·
ويرى الدكتور ''الفيصل'' أن الراوي لجأ أيضاً إلى الكثير من المبالغة، وخصوصا عند حديثه عن الاندفاع الجنسي عند شاهندة، وإقبال الرجال عليها وليست المبالغة مذمومة دائماً لأن بعضها ضروري لإحكام الصورة الروائية لشاهندة، ولكن المشكلة السردية التي نبعت من المبالغة هي التناقض الذي يلمسه القارئ أكثر من مرة، خصوصاً في سلوكيات شاهندة وفي تدوين العمر والاسم للشخصيات الأخرى في الرواية·
ولكن بعض المبالغات التي وردت في الرواية كان هدفها تنفير المتلقي من تجارة الرقيق من خلال تصوير الآلام التي لحقت بشاهندة وما جرّته هذه الآلام على شخصيتها من تناقض، فحكايتها الروائية هي تجسيد لتمردها على هذا المصير، مصير العبد ورغبتها في العودة إلى حريتها، وهذا الطرح الدقيق أبقى رواية شاهندة حية إلى يومنا هذا، وإن زالت تجارة الرقيق وانتهى عصرها، ومسوغ هذا الرأي هو أن التمرد على العبودية تمرد على كل استلاب لإرادة الإنسان، وهذا الاستلاب زاد في أيامنا هذه وتجلى بأشكال كثيرة· وفي ختام مداخلته أشار الدكتور ''الفيصل'' أن راشد عبدالله في رواية شاهندة لم يقدم نظرة أحادية للإنسان، بل سعى إلى تكامل النظرة إليه في تلك الفترة التاريخية، فقد جعل الجوع يدفع الشخصيات إلى سلوك غير إنساني، ويحولهم من الحرية إلى العبودية، ويحفزهم إلى اختراق المحرمات كلها، كسرقة الأكفان واقتناص اللذة المحرمة !