صحيفة الاتحاد

الإمارات

إطلالات شامخة لـ زايد في أحداث الوطن العربي

بقلم الإعلامي د. محمد سعيد القدسي

تعتبر مسيرة العمل الوطني للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، مثالاً يحتذى في العمل السياسي لزعيم أمضى قرابة 58 عاماً من خلال توليه مناصب قيادية، أكسبته خبرة عميقة وشاملة في نواحي الحكم والقيادة وبناء الدولة والاهتمام بمجريات الأحداث المهمة التي شهدها الوطن العربي على امتداد أرضه، من منطلق إيمانه بوحدة الهدف والمصير.

إطلالة أخوية وقيام مجلس التعاون
على نسق مسيرة الشيخ زايد، رحمه الله، في إقامة الصرح الوحدوي الشامخ الذي استغرقت مسيرته 1384 يوماً، منذ اللقاء الأول الذي جمعه بأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، في دبي يوم 17 فبراير 1968، وانتهاء بإعلان قيام الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971، فقد بذل جهوداً مماثلة، نظراً للأخطار التي كانت تحيط بمنطقة الخليج العربي، ولتشابك المصالح والسعي لوحدة العمل العربي الخليجي ضمن أي شكل أو صورة لتحقيق الأمن والاستقرار وتلبية آمال وطموحات شعب الخليج. ونتيجة للقاءات والزيارات المتبادلة مع إخوانه قادة دول الخليج العربي، جاء إعلان قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية من أبوظبي يوم 25 مايو 1981، بحضور قادة ست دول. ويسجل التاريخ في صفحاته مدى إخلاص القادة في سعيهم لإقامة هذا المجلس، خاصة مساعي الشيخ زايد والشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، رحمهما الله، اللذين حولاه من حلم إلى حقيقة منذ لقائهما الأول في أبوظبي عام 1976.

اللقاء الأول
رأى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أن مجلس التعاون جاء في وقت كانت دول الخليج العربية في أشد الحاجة إلى التنسيق والتعاون، وفق خطط مدروسة واستراتيجية متفق عليها لمواجهة التحديات والأطماع التي تحيط بالخليج، إلى جانب تجسيد آمال وتطلعات شعوبه، معتبراً أن مجلس التعاون هو الدعامة الأساسية لتوفير القوة الذاتية لدول المنطقة بما يمكنها من القيام بدورها في خدمة الأمتين العربية والإسلامية.
وقد أكد الشيخ زايد، رحمه الله، عمق مفهوم وحدة الخليج بقوله:
«نحن مشهور عنا بأننا وحدويون، لأن إيماني بهذا المفهوم عميق الجذور. إننا نرى في الوحدة التي يجب أن تقوم بين دول وشعوب المنطقة أن تكون بين شعوب المنطقة لا بين حكامها، لأن الشعوب أخلد وأبقى. إننا نؤمن إيماناً مطلقاً بأهمية الوحدة بين دول المنطقة كأساس للوحدة العربية الشاملة».
وتسجل صفحات التاريخ أن أول لقاء لقادة دول الخليج العربية جاء على هامش مؤتمر القمة الإسلامية في الطائف في شهر يناير عام 1981 وفيه اتفقوا مبدئياً على وحدة العمل بين دولهم، تبعه اجتماع وزراء الخارجية في الرياض، وآخر في مسقط في شهر فبراير من العام نفسه.
وقد أدت هذه الاجتماعات إلى لقاء القادة في أبوظبي يوم الاثنين 25 مايو 1981، حيث تركزت المبادئ الواجب اتباعها على المساواة والسيادة وتسوية المنازعات بالطرق السلمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والانتماء الكامل للعروبة، والتمسك بسياسة عدم الانحياز، ونبذ القواعد والأحلاف.

القمة الأولى
أدار الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بجدارة وحنكة، أول قمة لقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في أبوظبي في مايو 1981، ومما قاله بالمناسبة:
(إن في الاتحاد ووحدة الصف القوة التي لا يدركها الكثيرون، وإن نجاح المسيرة الاتحادية بدولة الإمارات كان حافزاً لبلورة فكرة قيام مجلس التعاون، وقد وضعنا في دولة الإمارات تجربتنا الاتحادية كنموذج حي لجميع الأخوة في منطقة الخليج، وانطلقنا بعد ذلك إلى الاتحاد الأكبر بين الأشقاء، فجاء تجاوب إخواننا بتوجيهاتنا الاتحادية بمنزلة نور على نور لتحقيق آمال وطموحات شعوبنا بقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية).
وبتأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية يكون الشيخ زايد، رحمه الله، قد حقق رؤيته الاستراتيجية الثلاثية التي حملها في فكره منذ بداية مسيرته في الحكم والقيادة، والتي تقوم على بناء أبوظبي العصرية وجمع الإمارات في اتحاد قوي ووحدة العمل لدول الخليج العربية. وبعد زايد، رحمه الله، تابع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، دعم سياسة المجلس في كافة مهامه وأنشطته مع تمسكه بالأهداف التي قام من أجلها في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والاجتماعية، بما يؤكد صدق الحس الذي تميز به فكر زايد، طيب الله ثراه، في تعزيز أمن المنطقة وتطوير شعوبها ودفع الأخطار عنها ومد يد العون للشقيق والصديق في كل مجال.

تحرير الكويت
تمثل المشاركة في تحرير الكويت بعد الغزو العراقي لها إحدى الإطلالات الشامخة لزايد، فقد كان لدولة الإمارات العربية المتحدة وقواتها المسلحة وقفة لا تنسى إلى جانب دولة الكويت الشقيقة في مواجهة محنة غزو العراق لها عام 1990، إلى الحد الذي أمر فيه الشيخ زايد، رحمه الله، بمشاركة قواتنا المسلحة بدخول الحرب مع الأشقاء والأصدقاء لتحريرها.
كان، رحمه الله، يوم 2 أغسطس 1990 في الإسكندرية، ولدى معرفته بخبر غزو العراق للكويت أسرع بالاتصال بالرئيس المصري الأسبق حسني مبارك للتشاور معه، ثم توجه إلى جدة للقاء الملك فهد بن عبد العزيز، رحمه الله، لبحث الموضوع وطرق مواجهته ليعود في اليوم التالي إلى أبوظبي، ويأمر بإلغاء الاحتفالات بعيد جلوسه الرابع والعشرين الذي يصادف يوم السادس من أغسطس. ومع تسارع الأحداث أبلغ زايد، طيب الله ثراه، على الهاتف الرئيس مبارك موافقته على حضور القمة العربية الاستثنائية التي عقدت في القاهرة لبحث طرق الخروج من هذه الأزمة عربياً، إلا أنه مع إخفاق القمة في الوصول إلى حل سريع جاءت المشاركة العربية مع الحلفاء، ومرة ثانية كان الشيخ زايد، طيب الله ثراه، أول من وافق على إرسال مجموعات من قواتنا المسلحة لتنضم إلى القوات العربية التي تقرر أن تشارك في حرب تحرير الكويت. وأوضح الشيخ زايد حتمية موقفه بقوله:
«الكويت هي إحدى الدول التي تشكل الأسرة الخليجية في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإذا وقعت أي واقعة على الكويت فنحن ككل لا نجد بداً من الوقوف معها مهما حدث، فهذا شيء نعتبره فرضاً علينا يمليه علينا واقعنا وتقاربنا وأخوتنا. نحن جسد واحد ما يصيب أحد أعضائه من ضرر يصيب الآخر، وكما يواجه الإنسان الخطر عندما يقترب منه ويداهمه فإن عليه أن يواجهه بمثله». وقد حرص الشيخ زايد، رحمه الله، باستعراض وحدات قواتنا المسلحة قبل مغادرتها للكويت.
وقد جسدت دولة الكويت بدورها تقديرها لدولة الإمارات بقيادة الشيخ زايد، رحمه الله، بتخصيص جناح لقواتنا المسلحة في بيت الكويت للأعمال الوطنية الذي افتتح في شهر فبراير 1991 والذي عرضت فيه صور ونشرات ولوحات وأقوال الشيخ زايد وأسماء شهداء الإمارات الثمانية، والواحد والعشرين جريحاً خلال عملية التحرير، وقد حملت إحدى اللوحات قول المغفور له الشيخ زايد:
«دول الخليج لن يهدأ لها بال حتى تعود الكويت إلى أهلها كما كانت عليه».
وقال رئيس بيت الكويت للأعمال الوطنية يوسف العميري إن هذا الجناح يتكلم عن دور الإمارات والشيخ زايد في حرب تحرير الكويت إبان فترة الغزو العراقي، ولن ننسى دور الإمارات وجنودها البواسل في تحريرها، ولن ننسى موقف الشيخ زايد في رفع علم الكويت على جميع المدارس الإماراتية. إننا لا ننسى ذلك الرجل الذي فتح بلده وقلبه وماله وكل ما يملك لأهل الكويت، ولن ينسى شعب الكويت والتاريخ تلك المواقف التي انطبعت بتاريخ الكويت.
وقد قام الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بزيارة لدولة الكويت بعد تحريرها لتهنئة الشيخ جابر الأحمد الصباح، رحمه الله، وقال لدى وصوله:
«نحمد الله أن استطاعت أمتنا بعون الله ودعم أشقائنا وأصدقائنا أن نرد العدوان، والمخلصون الشرفاء سيواصلون وقوفهم إلى جانب الكويت في الجهود المبذولة لإعادة البناء وإزالة آثار العدوان وإحلال الأمن والاستقرار حتى تعود الكويت إلى دورها الرائد في مسيرة مجلس التعاون الحليجي العربي». وقد كان الشيخ جابر الأحمد الصباح في مقدمة مستقبلي الشيخ زايد في الكويت بعد تحريرها. وفي زيارته لقوات الإمارات المرابطة في الكويت قال الشيخ زايد: (إن عزة الكويت هي عزة للجميع وعليكم أن تبذلوا كل جهد لمساندتها والوقوف إلى جانبها).
من جانبه، قال الشيخ جابر الأحمد الصباح، رحمه الله: «إن العمق التاريخي لعلاقات البلدين كان مصدر قوة وإلهام لمزيد من التلاحم والترابط بين البلدين الشقيقين وإن هذه العلاقات هي انعكاس للعلاقة الوثيقة مع أخي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي يعتبر من أبرز القادة العرب منذ توليه الحكم في أبوظبي عام 1966 ورئاسته دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971 والتي جاء اتحادها وقيامها نتيجة لجهوده المتواصلة، إلى جانب دوره الكبير في إقامة مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981».

إطلالة شامخة مع العراق
على الرغم من الضرر الكبير الذي نتج عن غزو العراق للكويت والذي لحق بالكويت والأمة العربية بأسرها، والذي تطلب إخراج جيشه منها بالقوة، فالشيخ زايد، طيب الله ثراه، كزعيم عربي ملتزم نحو أمته العربية في كافة قضاياها لم يقبل بالحصار الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق الذي تواصل لثلاثة عشر عاماً، انتهت عام 2003 باحتلال العراق بتهمة امتلاك أسلحة دمار شامل رغم ثبوت عدم صحتها.
وقد تسبب الحصار الاقتصادي في إلحاق أضرار كثيرة بالشعب العراقي كان أبرزها في الغذاء والدواء وكافة وسائل البناء والخدمات، مما نتج عنه وفاة أكثر من مليون طفل وهجرة عدد كبير من العراقيين بحثاً عن الحياة والأمان. وفي معرض رفضه لهذا الوضع والتمادي أبعد من ذلك في إضعاف هذا البلد العربي قال المغفور له، وكأنه يعيش أيامنا الراهنة:
(لقد أعطانا الله سبحانه وتعالى الدرس والعبرة للمستقبل من أن الصراع لا يفيدنا كعرب، وأن التآزر هو قوة لنا وتنمية لشعوبنا وأمتنا لكي تصبح الأجيال المقبلة في قوة وانتصار. هذا هو الدرس الذي يجب أن يتعلم منه الإنسان فيستفيد من الأخطاء لكي يعدل عن مساره ويتبع طريق الصواب.لا يوجد أحد يريد تقسيم العراق ولا يوجد عربي يفرط في وحدة العراق أرضاً وشعباً، والأمر نفسه بالنسبة للشعب الفلسطيني، وإذا فرط العرب في أي من هاتين القضيتين يعني أنه فرط في نفسه، حتى لو كان التفريط في بوصة واحدة أو حبة رمل مهما تكن التضحيات في الأموال والأنفس).
وكان الشيخ زايد، رحمه الله، قد وقف في وقت سابق ضد الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت من عام 1980 إلى عام 1988، وجاء في أحد اللقاءات معه قوله:
(هذه الحرب ليست في صالح أي إنسان، لا في صالحكم (الإيرانيين)، ولا في صالح العراق ولا في صالح جيرانكم أبداً، وهذا سوف تذكرونه بعد الحرب، الواجب علي أن ألفت نظركم من الآن لما بعد الحرب وأن تحسبوا لها الحسابات، هذا ما نستطيع قوله لكم. هذه الأموال التي تصرف والأرواح التي تزهق، أرواح من وأموال من ولماذا تصرفونها بهذه الكيفية ؟ وإذا أردتم منا أي عون في صلح فنحن حاضرون ومستعدون وسوف نستعين بإخواننا الآخرين، وإن شاء الله سيأخذ بيدنا جميعاً... هذا ما قلته للإيرانيين).

حرب أكتوبر 1973
تعتبر وقفة الشموخ التي أطل منها الشيخ زايد، طيب الله ثراه، على حرب أكتوبر/‏‏‏ رمضان 1973 من أهم المواقف التي يقفها زعيم في التاريخ قديمه وحديثه، وفقاً لطبيعة الحرب المشتركة بين مصر وسوريا ضد إسرائيل لتحرير سيناء والجولان المحتلتين منذ عام 1967 من جهة، وتحسباً للموقف الغربي بشكل عام الذي عرفناه سابقاً مسانداً لإسرائيل، ويأتي قبل هذا جرأة موقف الشيخ زايد الزعيم والقائد ودولة الإمارات العربية المتحدة لم تتجاوز عامين على قيامها. كان الشيخ زايد، طيب الله ثراه، في زيارة لبريطانيا في أوائل شهر أكتوبر عام 1973 يتابع تعزيز العلاقات الثنائية وقضايا تهم العالم العربي، وقد فوجئ، رحمه الله، يوم السبت السادس من أكتوبر بأخبار قيام حرب بين كل من مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، ولم يخطر في باله إلا أن إسرائيل هي من شن هذه الحرب إمعاناً في اعتداءاتها المستمرة ولفرض واقع المساومة على الأراضي المحتلة. ومن لندن يرفع، رحمه الله، من عميق حسه العربي الهاتف ويتحدث إلى الرئيس المصري أنور السادات والسوري حافظ الأسد، ليطمئن منهما مباشرة على هذه الحرب، ليهدأ بالاً ونفساً حين أخبراه أنهما خططا معاً لفتح المعركة مع العدو لتحرير سيناء والجولان المحتلتين منذ ست سنوات، ويسمع الرئيسان من القائد العربي زايد، رحمه الله «إنني معكما في كل ما تقومان به والإمارات معكم في كل ما تطلبون منها» وقد التقى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومعه الشيخ مبارك بن محمد، رحمه الله، بوزير خارجية بريطانيا آنذاك، لمتابعة تطورات الحرب وتداعياتها في المنطقة. ومجسداً ما قاله بصدق حدسه قبل شهرين من بدء الحرب وتحديدا في 8 أغسطس 1973:
«إننا جزء من الأمة العربية، وإذا جند العرب كل طاقاتهم من أجل المعركة فإننا سنكون معهم لأنهم أشقاؤنا، أما بالنسبة لاستخدام البترول، فإننا لن نتردد في استخدامه عندما يجمع العالم العربي على استخدام هذه الوسيلة لاستعادة الحقوق المغتصبة».
كان الشيخ زايد، رحمه الله، خلال وجوده في بريطانيا يتابع مجريات الحرب بكل تفاصيلها، بينما كان مقره خلية عمل لا تهدأ لتوفير الدعم من كافة الدول المعنية، بالإضافة إلى دعمه الخاص الذي تجلى في صور متعددة، كان أبرزها:
دعوته كافة سفراء الدول العربية إلى الالتقاء به وبحث سبل دعم دولهم للأشقاء في مصر وسوريا لتحرير أرضهم المحتلة منذ ست سنوات.
وفي مجال تعزيز ساحة المعركة، اشترى عدداً كبيراً، ومن دول أوروبية مختلفة، غرف عمليات متنقلة وجرى إرسالها إلى الجبهتين المصرية والسورية.
وعلى الجانب السياسي، التقى الشيخ زايد، رحمه الله، يرافقه وزير الداخلية الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان، رحمه الله، بوزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني أليك دوجلاس هيوم لمعرفة الموقف البريطاني في الحرب، وجاء التأكيد على أن بلاده لا تؤيد إسرائيل بسبب عدم قبولها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 والقاضي بانسحابها من الأراضي التي احتلتها. ومن زيادة حرصه التقى بعد يومين وللسبب نفسه برئيس وزراء بريطانيا إدوارد هيث الذي طمأنه أيضاً أن موقف بلاده هو عدم الوقوف إلى جانب إسرائيل. ومن متابعة الشيخ زايد، طيب الله ثراه، للإعلام الغربي، وجد أن العديد من مصادره، خاصة الصحافة تنقل أخباراً وتقارير غير صحيحة تصب في مصلحة إسرائيل، فأمر بإرسال مجموعة من الصحفيين من دول أوروبية مختلفة وعلى حسابه الخاص إلى مصر وسوريا لنقل أخبار المعارك على الجبهتين بصدق وبعيداً عن الادعاء الإسرائيلي. وفوق ذلك كله، وحينما تم إبلاغه بحاجة الطيران الحربي المصري إلى قطع غيار للطائرات التي تشارك في الحرب، طلب الشيخ الحكيم القائد بحسه وفكره العربي قرضا من ميدلاند بنك البريطاني بقيمة مئة مليون دولار تم إرساله لمصر بضمان شحنات نفط أبوظبي ولما تجتاز دولة الإمارات العربية المتحدة منذ قيامها إلا سنة وعشرة أشهر.
وبعودة القائد الحكيم الشيخ زايد، رحمه الله، في 16 أكتوبر إلى الإمارات تابع اجتماعات وزراء البترول العرب الذي عقد في الكويت لبحث دعم المعركة وقطع النفط عن كل من يدعم إسرائيل فأبلغه وزير النفط والثروة المعدنية الدكتور مانع سعيد العتيبة أن الاجتماع انتهى بقرار خفض تصدير النفط عن الولايات المتحدة الأميركية داعمة إسرائيل بنسبة خمسة بالمائة فقط، ويجيب زايد في المكالمة نفسها «يا مانع اعقد حالا مؤتمرا صحفيا في الكويت وأبلغ صحافة العالم أن دولة الإمارات العربية المتحدة قررت قطع النفط عن الولايات المتحدة الأميركية بالكامل وليس خمسة بالمائة بسبب تماديها في الماضي، وفي هذه الحرب في استمرار دعم المعتدي المحتل». وهنا لا بد من الإشارة إلى حديث العالم بأن الشيخ زايد، طيب الله ثراه، فتح جبهة ثالثة إلى جانب الجبهة المصرية والسورية باستخدام سلاح البترول لأول مرة في العالم.
وكان لهذا الموقف الشجاع أثره السريع في قطع بعض الدول العربية النفط تقدمتها المملكة العربية السعودية عن الولايات المتحدة، وذهبت مقولة الشيخ زايد، رحمه الله، ذخرا وكنزا في قلب وفكر وضمير كل عربي:
(البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي)
وفي المؤتمر الصحفي الذي عقد في قصر البحر في أبوظبي بعد إفطار رمضان يوم السبت الموافق 20 أكتوبر وتشرفت بإدارته عن تلفزيون أبوظبي قال الشيخ زايد، طيب الله ثراه:
«ليس المهم أن نرفع الشعارات، بل الأهم أن نتفق فيما بيننا على خطة عمل ونوزع الأدوار على مستوى الأمة العربية كلها دون مزايدات أو مناقصات.إن البترول ليس وحده سلاحا في المعركة، بل إن الروح سلاح والدم سلاح، والأسلحة المتنوعة كثيرة، والمطلوب أن يجتمع العالم العربي على كلمة ويتفق على رأي ويحدد الطريق أو الطرق الموصلة إلى غايته».
وبسؤال مندوب «اطلاعات» الإيرانية عن سبب إقدامه على قطع النفط، وهل هو تشجيع للدول العربية على أن تحذو حذوه، وهل يمكن أن يعيد النظر في موقفه إن خالفوه؟
وقبل أن يجيب الشيخ زايد برؤيته الثاقبة، وصل مستشار وزارة الإعلام في ذلك الوقت علي شمو يحمل ورقة سلمها لوزير الإعلام الشيخ أحمد بن حامد، رحمه الله، الذي سلمها للشيخ زايد الذي ابتسم وطلب قراءتها على الحضور وفيها أن الملك فيصل بن عبد العزيز قرر قطع النفط عن الولايات المتحدة، والتفت الشيخ زايد الحكيم وقائد الجبهة الثالثة إلى مندوب «اطلاعات»، وقال له ضاحكاً (قرار أخي جلالة الملك فيصل هو أسرع رد على سؤالك).

مع لبنان
كان للشيخ زايد، رحمه الله، واحدة من الإطلالات الشامخة الحميمة وهو يتابع الأحداث في لبنان لفترة طويلة كان معظمها في الحرب الأهلية التي دمرت اقتصادها وتركيبتها الاقتصادية والاجتماعية على مدى خمسة عشر عاما بدأت عام 1975 مروراً باعتداءات إسرائيلية عديدة واحتلال لأجزاء من أراضيها في الجنوب، إلى أن توقفت هذه الحرب العبثية في أكتوبر عام 1990. وقد تجسدت الإطلالات في مختلف مراحل الحرب الأربع وفي المشاركة بقوة من القوات المسلحة وضمن العمل العربي المشترك ومؤتمر الطائف للمصالحة مروراً بالمساعدات الاقتصادية.
كانت الحرب الأهلية اللبنانية سياسية بامتياز، وانخرطت فيها كافة الإثنيات والأحزاب من اليمين واليسار والمجموعات الوطنية من التيارات المختلفة، بالإضافة إلى جيش لحد المحسوب على إسرائيل. وقد سعى الشيخ زايد، رحمه الله، مع مختلف أطراف الحرب للرجوع إلى عقلهم وتغليب مصلحة وطنهم ووقف نزف الدم والتدمير، كما بذل جهودا أخرى من خلال اتصالاته مع رؤساء الدول العربية ذات الصلة للوصول إلى حل.
وقال رحمه الله: «إن الحرب في لبنان هي أغرب حرب لأنها ضد مصلحة الأمة العربية، ويضيع فيها المال والرجال بلا مبرر أو سبب، وتستنزف القوة العربية بلا طائل».
ومع زيادة وتيرة الحرب وعدم القدرة على وقفها بين اللبنانيين اتصل، رحمه الله، بالقادة العرب طالبا منهم عقد قمة عربية لإخراج لبنان من هذا الوضع المدمر، والذي يوجب على كل عربي التدخل لتوفير الاستقرار لهذا البلد وحماية عروبته. وفي هذا السياق قال طيب الله ثراه:
«من واقع حرصنا على وحدة لبنان الشقيق وحفاظا على عروبته ومساعدته على تجاوز أزمته دعونا إلى عقد قمة عربي طارئ للتشاور في إيجاد حل يخرجه من محنته ويحافظ على وحدة ترابه الوطني واستقلاله السياسي وانتمائه العربي. ويعلم الله أني ما تأخرت عن العمل من أجل سعادة لبنان واستقراره. بذلت كل ما في وسعي حتى أني طلبت من الأمين العام لجامعة الدول العربية الحضور إلينا ووفرت له جميع السبل للاتصال والالتقاء بإخواني القادة العرب ليطرح عليهم قضية لبنان ويطلب منهم باسمي دعوتهم لعقد قمة».
وكان من نتائج قرارات القمة أن شاركت دولة الإمارات العربية المتحدة بقوات الردع العربية في لبنان من عام 1976 إلى عام 1979، وهنا لا بد أن نذكر مشاركة قواتنا المسلحة مرة ثانية في عملية نزع الألغام في جنوب لبنان بعد انسحاب إسرائيل عام 1982 جراء الاعتداءات التي كانت تشنها من وقت لآخر، وفي ذلك قال الحكيم رحمه الله:
(إن المسؤولية التاريخية الملقاة على قادة الأمة العربية هي في مواجهة الغزو الإسرائيلي على لبنان ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية.إن هذه المسؤولية يتحدد فيها موقف..أن نكون أو لا نكون).

دعم لبنان
انطلاقاً من فكر زايد، طيب الله، ثراه في دعم الشقيق والصديق، فقد زود لبنان بالمساعدات المطلوبة وفي أوقات متفرقة وهو ما يتفق عليه اللبنانيون بكل أطيافهم السياسية. وتعود بنا الذاكرة إلى عام 1974 حين قدم الشيخ زايد، رحمه الله، مساعدة بمبلغ 510 ملايين ليرة لبنانية لتمويل مشروع نهر الليطاني وتم يومها تشكيل لجنة مشتركة من البلدين لمتابعة المشروع. وفي العام نفسه قرر الشيخ زايد، رحمه الله، دعم خطة لبنان الدفاعية بتقديم منحة بقيمة 600 مليون ليرة لبنانية، جاء بعدها إلى أبوظبي رئيس وزراء لبنان تقي الدين الصلح. وقال له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، في لقائه به:
(إن ثروة النفط هي ثروة العرب ويمكن أن تحقق التكامل الاقتصادي لإسعاد شعوبنا، وعلى العرب أن يستفيدوا من الدروس الماضية، وعلى الدول النفطية أن تساعد وتدعم شقيقاتها دول المواجهة سواء في معركتها مع العدو أو في معركتها ضد التخلف وتحقيق التنمية، فالبترول معين قد ينضب ولا يمكننا الاستغناء عن الشقيق والصديق وثروتنا لا تغنينا عنه وأموال العرب يجب أن تصب كلها لخدمة العرب وهي من عربي لأخيه).
وفي يونيو عام 1993 قدمت الإمارات وبتوجيه من الشيخ زايد، رحمه الله، مساعدة للبنان بقيمة 30 مليون دولار، حيث قام سفير الإمارات لدى لبنان محمد عبد الله عامر الفلاسي بتسليم هذا القرار إلى الرئيس اللبناني الياس الهراوي الذي أجرى اتصالاً بالشيخ زايد، رحمه الله، شاكرا له مبادرته الكريمة قائلاً: «إنها جاءت لتضاف إلى مبادراتكم السابقة ودعمكم المادي والمعنوي اللذين أسعدا لبنان في كافة المناسبات». يضاف إلى ذلك مساعدات وإسهامات عديدة بادرت بها الإمارات تجاه لبنان كان من أبرزها المساهمة في إعمار الجنوب وصندوق إعمار لبنان، بالإضافة إلى إيداع مبلغ 100 مليون دولار في المصرف المركزي اللبناني عام 1998 ووقفة الشيخ زايد، رحمه الله، مع إعمار لبنان من خلال رسالته إلى الرئيس اللبناني اميل لحود في شهر يونيو عام 2000 والتي نقلها وزير الاقتصاد الشيخ فاهم بن سلطان القاسمي وجاء فيها:
(إننا نعتقد أن التعاون الاقتصادي بين الدول العربية مهم في هذه المرحلة، ليس بحكم تسهيل التجارة فحسب، وإنما أيضاً لتعزيز المراكز التفاوضية في كل المجالات).
وتتواصل رؤية الشيخ زايد في دعم لبنان من خلال اكتتاب الإمارات بسندات لدعم الخزينة اللبنانية تنفيذاً لقرارات مؤتمر باريس، بقيمة 300 مليون دولار في يناير عام 2003 وما تلاها من مساعدات إنسانية في إعادة إعمار وصيانة آلاف الوحدات السكنية والخدمات التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي عام 2006 امتداداً لنهج زايد، طيب الله ثراه.

إطلالة شامخة نحو فلسطين
يعتبر دعم الإمارات العربية المتحدة للقضية الفلسطينية على امتداد التعامل مع المتغيرات المتواصلة، عنواناً ثابتاً واضحاً، تؤكد فيه على الدوام على حقوق الشعب الفلسطيني على أرض وطنه المحتل، ووجوب التوصل إلى حلول عادلة تكفل له حقه المشروع وإقامة دولته المستقلة. ويعكس هذا الموقف الثابت للإمارات الوعي العربي الأصيل للشيخ زايد، رحمه الله، والسير على نهجه من قبل صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.
وتترجم مواقف الشيخ زايد، رحمه الله، رؤيته الواضحة لطبيعة الصراع مع العدو المحتل وفلسفة الوصول إلى انتزاع الحق منه. وقد جاء من قوله في شهر مايو عام 1978:
(كيف يطلب من الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل وأي اعتراف؟ إن الفلسطينيين يعترفون بحقهم في أراضيهم، وإن أرضهم مستباحة يسيطر عليها الإسرائيليون، وهم مطرودون من أرضهم، فكيف يعترفون وبمن؟ هل يعترفون بمن عزلهم عن أرضهم وديارهم؟ هل يعترفون بمن يضطهدهم؟ إن هذا شيء لم يحدث من قبل في تاريخ البشرية. إننا نطالب بالعدالة التي تضمن لكل ذي حق حقه، فكيف نعترف بشرعية من احتل الأرض بالقوة ولا نعترف بشرعية مالك الأرض الأصلي وحقه في إقامة دولته على أرضه فهل يعتبر هذا عدلا؟
إن إسرائيل ترفض حتى الاعتراف بوجودهم كشعب، وتستمر في بناء المستوطنات على الأراضي العربية، فكيف يستطيع العالم أن يتصور أن يسكت شعب عن المطالبة بحقه؟). وكأن الشيخ زايد، رحمه الله، يعيش صورة هذه الأيام منذ أربعة عقود.
وقد رأى، رحمه ألله، في هذه القضية أساسا لوضع شامل يعاني منه الجميع وهو الاستقرار، ومما قاله طيب الله ثراه في شهر مارس عام 1982:
(إن القضية الرئيسية للعرب هي القضية الفلسطينية، ويجب المبادرة بحلها حلا جذريا بأسرع وقت ممكن، وإن كل تأخير في حل هذه القضية يسبب عدم استقرار في المنطقة. إن التسويف في حل القضية يؤدي إلى زيادة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وإن السلام لن يستقر طالما أن إسرائيل تحتل الأراضي العربية وتمارس انتهاكاتها في الجنوب اللبناني). وبهذه الرؤية التي توقعها الشيخ زايد نقف على حقيقة تعثر الوصول إلى طريق السلام العادل القائم أساسا على حقه في أرضه واستعادة حقوقه المشروعة.
وعبر مسيرة الشيخ زايد، رحمه الله، الحافلة بشتى أنواع القضايا والهموم التي كانت تؤرق كل عربي، كانت هذه القضية الهاجس الدائم في نفسه، وهذا سبب لقاءاته المتواصلة وفي أي موقع بياسر عرفات والقيادات الأخرى للاطلاع على كل ما يستجد على الساحة الفلسطينية مدنيا وعسكريا وإنسانيا ليقدم كل ما أمكن لتعزيز وجود فلسطين وشعبها واقعا مقاوما ومعاشا. وفي تعامله، رحمه الله، مع كافة المستجدات والمتغيرات في هذا الموضوع كان يتأكد لشعبنا العربي في كل مكان قدرته وتمكنه من قراءة أحداث التاريخ من خلال حكمة التحليل الواقعي للأحداث وحسه القيادي المسؤول عربيا.

دعم بلا حدود
يؤكد الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بعد نظره في أهمية حل هذه الأزمة المستحكمة من خلال ما وجهه للرئيس الأميركي كارتر: (نعتقد أن على الرئيس الأميركي وعلى الإدارة الأميركية أن تتخذ موقفا أكثر إيجابية وفعالية في سبيل استتباب الاستقرار في الشرق الأوسط، وإن أمن ورفاهية هذه المنطقة أمر ضروري لأمن واستقرار ورفاهية أميركا والعالم الغربي، ولن يكون هناك حل عادل دائم في الشرق الأوسط من دون قيام دولة فلسطينية تضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وهناك وسيلة واحدة فقط إذا ما رغبت الولايات المتحدة حقا في المساهمة في الوصول إلى السلام، وهذه الوسيلة هي دعوة جميع أطراف النزاع بما فيه الشعب الفلسطيني الذي هو ضحية ظلم فادح لا يقبله أحد إلى مؤتمر يتم فيه بحث جميع الوسائل إلى أن يتم التوصل إلى سلام دائم وتسوية عادلة).
ويوجه الشيخ زايد، رحمه الله، نظر المجتمع الدولي إلى نقطة مهمة تتمثل في حرية الفلسطينيين في تقرير المصير من خلال رسالته في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني: (إن قضية الشعب الفلسطيني هي وليدة هذه المنظمة التي رافقتها في جميع مراحل تطورها ولا زالت تمثل تحديا أساسيا لمصداقية هذه المنظمة وقدرتها على إنصاف الشعوب التي تعرضت للظلم والاضطهاد وعلى رأسها شعب فلسطين الذي طرد من أرضه ووطنه وأصبح معرضا للتصفية الجسدية والنفسية عن طريق الآلة العسكرية الصهيونية المدعومة من قبل قوى الشر والعدوان. إن دولة الإمارات العربية المتحدة حكومة وشعبا ستظل تدعم بكل السبل الكفاح المشروع الذي يخوضه الشعب الفلسطيني من أجل استرداد حريته وبناء دولته المستقلة على تراب وطنه).
ومع انفتاح الشيخ زايد الزعيم العربي الحكيم على دعم الشعب الفلسطيني في مواقع وجوده بمساعدات لا حدود لها ومشاريع خدمات ومساكن ومستشفيات ومدارس، وغيرها، إلى جانب ثبات الموقف السياسي في المحافل الإقليمية والعالمية، ها هو الوالد الزعيم، طيب الله ثراه، وفي اليوم الوطني لدولة الإمارات يحيي انتفاضة شعب فلسطين بقوله: (وفي هذا اليوم، يوم عيدنا الوطني نجدد التأكيد على موقفنا المبدئي ووقوفنا إلى جانب دولة فلسطين الشقيقة، كما نوجه تحية إجلال وتقدير لإخواننا أبطال الانتفاضة الباسلة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة الذين ضربوا أروع الأمثلة في الفداء والتضحية والصمود من أجل حرية وطنهم واستقلال دولتهم الفلسطينية).
تلك كانت بعضا من إطلالات شامخة لزايد، رحمه الله، على الساحة العربية التي عززت الرأي في أنه زعيم صنع التاريخ في بلده، وعلى امتداد وطنه العربي قيادة وعطاء وحكمة، جوهرها بعد نظره ورؤيته الثاقبة.