الاتحاد

الملحق الثقافي

سهاد عبد الهادي: كتبت رواياتي على الدروب

حين تكتب القاصة الفلسطينية سهاد عوني عبدالهادي (مواليد يوليو 1940) فهي لاتتقيد بالخطوط العريضة لأي رواية أو قصة، حتى اعتبر النقاد ذلك من المآخذ التي تؤخذ عليها، فنراها قد أفردت صفحة كاملة في روايتها ''ذاكرة زيتونة'' لتعرض مقالاً لكاتب يهودي، والأغرب أن يجري المقال على لسان أحد الأبطال، كيف تدافع سهاد عن هذا المسلك؟ وماذا وعن ماذا تكتب، كان هذا اللقاء:
عن بدايات حبها للكتابة والقلم تقول سهاد: ولدت في مدينة نابلس، ودرست في المدرسة العائشية الثانوية للبنات حتى نهاية المرحلة الثانوية ونجاحي في شهادة ''المترك'' كما كانت تسمى، أي ما يعرف الآن بالشهادة الثانوية العامة·
كنت دائماً من المتفوقات في اللغة العربية، وبدأت اهتماماتي بالمطالعة الحرة وقراءة الكتب الأدبية مع بداية المرحلة الثانوية· وفي عام 1957 بعد العدوان الثلاثي على مصر، كتبت مسرحية قدمناها على مسرح المدرسة ضمن النشاطات الأدبية والفنية، حيث كان نظام التدريس آنذاك يسمح بالنشاطات المختلفة من رياضة وفنون وآداب، بسبب أن الدوام كان يبدأ من الثامنة صباحاً إلى ما بعد الثالثة، وعلى فترتين صباحية ومسائية· دراستي الجامعية كانت في جامعة دمشق، قسم فلسفة وعلم نفس· وهناك تابعت اهتماماتي الأدبية، وقمت بمراسلة جريدة ''الجهاد'' التي كانت تصدر في القدس قبل حرب يونيو عام ،1967 كتبت فيها بعض خواطر فتاة تبتعد عن العائلة أول مرة، وتعيش في بيت طالبات غريبة وبعيدة عن الأهل·

بعد النكسة

؟ كيف انطلقت في عالم القلم؟ وهل زاولت عملاً غير الكتابة في بداية حياتك؟
؟؟ تزوجت مطلع عام 1968 أي بعد أشهر قليلة من الحرب، بعد خطبة دامت عاماً لطبيب تخرج من جامعة القاهرة في ذات العام· وعمل في المستشفى العسكري الأردني الذي تحول إلى المدينة الطبية فيما بعد· وفي عام 1972 عدنا إلى نابلس مستفيدين من قانون لمّ الشمل·
لم أزاول عملاً مهنياً بسبب سفرياتنا المتعددة إلى القاهرة من أجل حصول زوجي على درجة الدكتوراه في الأمراض الجلدية في عام ·1979 وكنت أقضي معظم أوقاتي في القاهرة وأنا أتردد على المكتبات العامة، ثم التحقت بمعهد تجميل في القاهرة وعملت في عيادة زوجي في إزالة الشعر الزائد بواسطة الإبرة الكهربائية، في وقت لم تكن معروفة في الضفة الغربية أية وسيلة علاجية لهذه المشكلة عند الفتيات، وكان دافعي لهذه الخطوة هو رغبتي في المساعدة للفتيات اللواتي يترددن على العيادة ولا علاج لهن·
توقفت عن عملي هذا منذ أكثر من سنة، لأنني شعرت بحاجتي للعودة الجادة للأدب، مع أنني لم أنقطع خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة عن القراءة ومتابعة النشاطات الأدبية، كما كنت أكتب بعض الخواطر والقصص القصيرة· من بينها مجموعة سجلت فيها أحداثاً هامة صادفتها أثناء رحلاتي وتنقلاتي، ولها أثرها على الأوضاع العامة، كما كان أثرها على شخصي، وجمعتها تحت عنوان ''على الطرقات'' ولكني لم أنشرها حتى الآن· أول حدث سجلته في هذه المجموعة كان اغتيال هزاع المجالي رئيس الوزراء الأردني في عام 1960 وكنت عائدة ووالدي من دمشق بعد زيارة لبعض الأقارب هناك، فسجلت معاناة المسافرين في ذلك اليوم من إجراءات أمنية لدى وصولنا جسر الأمير محمد ''دامية''، ومن بينها المغامرة التي خضتها يوم 5 يونيو عام ،1967 أثناء عودتي من دمشق إلى نابلس بعد إعلان الحرب·
ثم كان الحدث الأكبر يوم خروجي من الضفة الغربية بعد الحرب للالتحاق بزوجي، الذي لم يستطع العودة إلى الوطن، لوجوده في مصر أثناء الحرب·
وقصة أخرى تحكي عما عانيته في يوم عودتي من باريس وحدي إلى مطار اللد، وتصادف يومها وقوع عملية فدائية كبيرة فأعلنت السلطات الإسرائيلية حالة الطوارئ وأغلقت الحدود بين إسرائيل والضفة الغربية· وتضمنت هذه المجموعة ما جرى لي في رحلة سياحية في تركيا، وقد ضِعت عن المجموعة التي كنت برفقتها· وأخرى كانت عن انطباعاتي عن أميركا وأحوال بعض أصدقائنا الذين يعيشون هناك·
؟ ماهي رواياتك المنشورة حتى الوقت الحالي؟
؟؟ رواية ''ذاكرة زيتونة'' (نابلس ،2007 دار الفاروق للنشر) وتقع في 128صفحة، ورواية ''مرايا أنثى''·
؟ كيف صورتي المرأة العربية في روايتك ''ذاكرة زيتونة'' وعموماً الشعوب العربية التي رمزت لها بشخصية في الرواية؟
؟؟ رمزت للشعوب العربية والمرأة العربية بالفتاة مها التي تعيش الواقع الفلسطيني -ولكنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فهي تعيش أوضاع منع التجول في نابلس وترى المعاناة على الحدود بين الضفة الغربية والأردن، وتضامن المسيحي والمسلم في مواجهة الاحتلال- ولكن والدها يصر على زواجها من ثري عربي·

أسماء ودلالات

؟ نرى أسماء شخوصك في الرواية ذات دلالات معينة فكيف ذلك؟
؟؟ كان اختياري لأسماء الأبطال ذا معنى ودلالة·· فكان اسم سهر الذي يعني قلة النوم، يعبر عن القلق والهم، اللذين اتسمت بهما شخصيتها، التي تمثل الشريحة الكبرى للشعب الفلسطيني، الصامد على أرض الوطن، رغم كل ما ألم به من أخطار ومضايقات، فلم تكترث للفرص التي سنحت لها بالهجرة مع زوجها، أو للعمل في دول الخليج، رغم فجيعتها بولدها·
واسم ''مها'' الذي يأخذنا إلى أجواء الصحراء وعيون بنات قبائلها العربية الأصيلة، جاء تجسيداً لشخصية فتاة خليجية، ليعبر عن المشاعر الطيبة، التي تكنها الشعوب العربية، وتعاطفها مع الإنسان الفلسطيني، ولكنها تقف عاجزة لا تملك أداة فعالة لتغيير الواقع·
وأما اسم ''خالد'' فيرمز إلى الشباب الذي لا ينضب في هذا الشعب، ولا يؤخره حلمه في مواصلة طريقه الذي اختاره لنفسه، ليبني مستقبله الشخصي، عن التزامه بأهله وأرضه، فيترك عمله في عمان ليلتحق بأهله في نابلس في أحلك الظروف·
البحث عن جواب
؟ نراك في رواية ''مرايا أنثى'' تطرحين سؤالاً وتقدمين نموذجاً جديداً للمرأة العربية فكيف كان ذلك؟
؟؟ أطرح في روايتي سؤالاً: ماهي السعادة؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال لابد لنا أن نتعرف على ماهية السعادة، إلى معاييرها، وهل هي موضوعية، يمكن قياسها بالكم والكيف، أي هل يمكننا أن نلمسها بأيدينا أو نقتنيها، أم هي شعور ذاتي، يدركه الفرد في حالة معينة وفي ظرف محدد· وإذا ما تحقق الإنسان من بلوغه لسعادته المنشودة، هل يلازمه هذا الشعور لفترة قصيرة الأمد، أم يكون إحساسه إحساساً مطلقاً، فتستمر نشوته ويلازمه فرحه إلى وقت طويل·
فقد ابتعدت عن الصورتين التقليديتين للمرأة العربية التي صورتها الأقلام، فهي إما خانعة مقهورة، أو متسلطة متجبرة، بل كانت شخصيات روايتي تمثل الإنسانة العادية التي لا تشذ عن مجتمعها، بالرغم من شعورها بأنها واحدة من ضحايا تقاليد هذا المجتمع، الذي يتمسك بمفاهيمه السائدة والمتوارثة فيه، في طرح مشكلتها، ويقابلها، من ناحية أخرى، في الوجه الآخر من هذا الطرح، ما يعكس صورة المرأة التي يتسبب الجهل والتمسك بمفاهيم قديمة بمعاناتها في حياتها الأسرية، حتى وإن لم تكن هي المسببة للمحنة التي تواجهها الأسرة· ولم أقدم أيضاً بين سطور هذه الرواية، الشخصية الرومانسية التي تكتم جرحها لتبقى بجانب الحبيب في ظروف عصيبة، ولكننا نرى الراوية وهي الشخصية المحورية في الرواية، حيث تتلاقى عندها جميع الخطوط التي ترسم شخصيات الرواية، إنسانة واثقة من نفسها إلى درجة أنها لا تتحرج من إعلان مخالفتها لبعض المفاهيم السائدة في المجتمع، ولكنها لا تتمرد من أجل مخالفة المجتمع، بل تحاول الوصول إلى مفهوم سعادة الإنسان، والتحقق من تباين هذا المفهوم بين مختلف شرائح المجتمع الذي تتواجد فيه، من خلال طرح قضية تكوين أسرة، وأهمية تواجد الأطفال فيها، فتصرح لنا بمكنونات صدرها قائلة:
''عواطفي التي أحملها بين ضلوعي ليست باردة ولا أحبسها وأحصرها في إنسان واحد بل أغدقها وأسعد بدفئها حينما أرى حرارتها تلامس قلوب ونفوس زميلاتي وصديقاتي وأقربائي وحتى طالباتي في وقت أجد فيه إخواني غارقين في بحور متقلبة أمواجها والصياد الماهر من يفوز بتوفير احتياجات بيته فكان أن تراخت الروابط العائلية وأصبح لا يلتئم شملنا إلا في الأعياد والمناسبات السعيدة أو غير السعيدة''·
ثم إنها لا تنفك عن محاورة من حولها في بحث أمور الحياة الاجتماعية، معبرة عن قناعتها ورضاها عن أسلوب حياتها، فهي إنسانة تعيش وتعمل مستقلة عن بقية أفراد أسرتها، وثقتها بنفسها لا تشعرها بحرمان أو نقص في حياتها· فتصف لنا شخصيتها قائلة:
''أدركت أني وإن لم أكن قد ذقت طعم حرارة الزوج ودفء الحبيب، أمتلك حرارة إرادة الحياة لأكون فرداً فاعلاً في هذا المجتمع يكفيني اعتزازي بشخصي وقدرتي على مكابدة السير في دروب الحياة المتشعبة دون انتظار من أسلمه دفة حياتي وأرمي بحمل أيامي على كتفيه·· لا·· أنا لست هكذا إنسانة''·
لا عجب أن نلمس لدى مثل هذه الشخصية رفضها التسليم بالثابت الموروث من آراء ومعتقدات في المجتمع، مؤمنة كما أن الأرض قد حكمت بقانون الدوران، فالإنسان قد حكم بقانون الصيرورة· ومفهوم السعادة بتحقيق الأماني، يتفاوت من إنسان لآخر، ومن زمن لآخر حسب احتياجات العصر وتطور الحياة·

اقرأ أيضا