الاتحاد

تقارير

رئاسة التشيك للاتحاد الأوروبي ودواعي القلق

كلاوس أطلق على نفسه اسم  المنشق الأوروبي

كلاوس أطلق على نفسه اسم المنشق الأوروبي

اعتبرَ الاحتباس الحراري مجرد أسطورة، وساند الغزو الروسي الأخير لجورجيا، كما شبه خطط الإنقاذ المالي الحالية بالرجوع إلى الاشتراكية ورفض رفع علم الاتحاد الأوروبي فوق مقر مكتبه بالقصر الرئاسي في العاصمة التشيكية، براغ··· هذا هو الرئيس التشيكي، ''فاكلاف كلاوس''، الذي لا توجد قضية من قضايا الاتحاد الأوروبي المهمة إلا ويقف على طرف النقيض منها ولا تمر فرصة إلا وأعلن عن معارضته لبروكسل· والآن بعد أن سلمت فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي الدورية إلى جمهورية التشيك في الأول من يناير الجاري، يبدو أن لمسة هذا الاقتصـــــادي الذي أصبح رئيساً للبـــلاد ستطبع السياسات الأوروبية طيلة الستة أشهر القادمة التي سترأس فيها بلاده الاتحاد الأوروبي، لما يتيحه لها المنصب من فرصة لرسم أجندة الاتحاد في المرحلة المقبلة وطرح مبادرة، أو مبادرتين جديدتين·
ولا يخفى على أحد ما سجلته فرنسا من حضور مهم خلال رئاستها للاتحاد الأوروبي، لا سيما بعد الدور الحيوي الذي لعبه الرئيس نيكولا ساركوزي وقيادته للدبلوماسية الأوروبية لإنهاء الحرب الروسية- الجورجية، وتنسيقه لجهود خطط الإنقاذ التي أقرتها الدول الأوروبية الرامية إلى تنشيط الاقتصاد، فضلاً عن ضغطه في اتجاه تبني تشريعات تتصدى لظاهرة الاحتباس الحراري، ثم محاولاته الدؤوبة لمراجعة معاهدة لشبونة وإحياة فكرة الدستور الأوروبي·
لكن بتفاقم الأزمة المالية في أوروبا، واستمرار تصدر القضايا البيئية للأجندة الأوروبية ينظر العديد من المسؤولين بعين القلق والترقب إلى تولي جمهورية التشيك رئاسة الاتحاد الأوروبي· فالرئيس ''كلاوس'' الذي يطلق على نفسه ''المنشق الأوروبي'' لم يخفِ قط انتقاداته اللاذعة للاتحاد الأوروبي ومقاربته لبعض القضايا، كما أنه من أشد معارضي معاهدة لشبونة؛ وفي الوقت الذي تسعى فيه أوروبا إلى مزيد من التكتل والوحدة يقول ''كلاوس'' إنه يريد من بروكسل تقليل انخراطها في القضايا الأوروبية· ويعكس هذا التخوف الأوروبي من رئاسة ''كلاوس'' شعوراً عاماً بعدم الارتياح لدى دول الاتحاد الأوروبي الكبرى مثل فرنسا وألمانيا من تحكم دول صغيرة مثل جمهورية التشيك، وهي التي كانت حتى مؤخراً تتبنى النظام الشيوعي في تحديد أجندة الاتحاد الأوروبي خلال الستة أشهر المقبلة· ولحد الآن لم تتولَ سوى دولة واحدة من المعسكر الشرقي السابق، وهي سلوفينيا، رئاسة الاتحاد الأوروبي، وحتى خلال رئاستها ساد اعتقاد على نطاق واسع بأن فرنسا هي من تتولى حقيقة قيادة الاتحاد خلف الكواليس؛ لكن بالنظر إلى سلطاته المحدودة التي يخولها له الدستور التشيكي من غير المرجح أن يلعب كلاوس الدور ذاته الذي اضطلع به ساركوزي في المرحلة السابقة لتبقى السلطة الحقيقية في يد رئيس الحكومة ''ميريك توبولانيك''، أحد الخصوم الأقوياء للرئيس كلاوس· ومع ذلك يمنح الرئيس التشكي ما يكفي من مبررات للأوروبيين، وبالأخص فرنسا، لتأكيد شعورها بعدم الارتياح، فبعد انتهاء ولايته قام ساركوزي بكل شيء تقريباً عدا المطالبة مباشرة بتمديد رئاسة فرنسا لستة أشهر أخرى، فضلاً عن تنظيمه لسلسلة من المؤتمرات بين دول الاتحاد الأوروبي في العام 2009 من المتوقع أن تخطف الأضواء من جمهورية التشيك·
والحقيقة أن المخاوف الأوروبية من الرئيس ''كلاوس'' مفهومة ومشروعة في ظل آرائه المتشددة تجاه الاتحاد الأوروبي ورفضه بذل أدنى جهد للتخفيف من نبرته الحادة قبل تولي بلاده رئاسة الاتحاد، فقد تسبب في زوبعة دبلوماسية خلال زيارة دولة قام بها إلى إيرلندا في شهر نوفمبر الماضي والتقى فيها بالزعيم السياسي ''ديكلان جانلي''، الذي نظم حملة التصويت المعارضة لمعاهدة لشبونة· وفي شهر ديسمبر الماضي بالكاد تبادل الرئيس ''كلاوس'' عبارات المجاملة مع وفد الاتحاد الأوروبي، الذي زار القصر الرئاسي في براغ قبل تسلم رئاسة الاتحاد الأوروبي من فرنسا، حيث يعتقد ''جيري بيهي''، مستشار الرئيس التشيكي السابق أن ''كلاوس'' هو المسؤول الأول عن الصورة السلبية التي يحملها الأوروبيون عن جمهورية التشيك باعتبارها واحدة من الدول القليلة التي لم توقع على معاهدة لشبونة، ولم تحدد بعد موعداً لتبني العملة الأوروبية الموحدة·
صعود ''كلاوس'' الساحة السياسية يعود إلى فترة ما بعد انهيار الشيوعية، حيث أشرف على انفصال التشيك عن سلوفينيا في العام ،1993 وأسس الحزب المدني الديمقراطي الذي يعتبر أحد الحزبين الرئيسيين في البلاد، وقد تولى رئاسة الحكومة في الفترة بين 1992 و1997 وانتخب رئيساً لجمهورية التشيك في العام ·2003 ومع أن ''كلاوس'' الذي درس المالية في الجامعة يُعد أحد مناصري الاقتصاد الحر، إلا أنه عارض محاولة انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي في العام 2004 ومازال من أشد مناهضي بروكسل التي يرى بأنها تنتهك سيادة الدول·
وتتبنى جمهورية التشيك في دورتها الحالية لرئاسة الاتحاد الأوروبي شعار ''أوروبا بدون حواجز''، حيث يسعى التشيك إلى التركيز على اقتصاد أوروبا المريض وعلى سياساتها في مجال الطاقة، فضلاً عن طرح مبادرة طموحة تحمل اسم ''مبادرة الجوار الشرقي'' الرامية إلى تقريب دول أوروبا الشرقية من الاتحاد الأوروبي مثل أوكرانيا وبيلاروسيا ومولدوفا· ويعتقد ''جان تيشو''، مدير الدراسات الأوروبية بـ''المجلس الألماني للعلاقات الخارجية'' بأن مصدر القلق الحقيقي ليس في مواقف الرئيس ''كلاوس'' من الاتحاد الأوروبي، بل في احتمال سقوط الحكومة التشيكية، لا سيما في ظل المشاكل التي يحدثها بعض الموالين للرئيس داخل الائتلاف الحكومي الذي يسيطر عليه الحزب الاجتماعي الديمقراطي وتصاعد الأصوات المطالبة باستقالة رئيس الحكومة المساند للاتحاد الأوروبي·

جيف وايت-براغ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا