الاتحاد

تقارير

نذر الأزمة الاقتصادية في روسيا··· معضلة سياسية!

تراجع أسعار النفط··· هل يربك الاقتصاد الروسي؟

تراجع أسعار النفط··· هل يربك الاقتصاد الروسي؟

بدأت الشكوك والهواجس تحاصر روسيا يوماً بعد الآخر· فللمرة الأولى منذ صعود فلاديمير بوتين إلى السلطة، أصبحت موسكو تجد نفسها أمام تهديدات حقيقية لاستقرارها من وجهة نظر السياسة الواقعية العملية· هذا ما أكده السياسي الروسي البارز، أناتولي شوبياس، في تصريح له الشهر الماضي بقوله إن احتمالات حدوث اضطرابات اقتصادية واجتماعية وسياسية في روسيا، تصل إلى نسبة 50%·
وبما أن الأزمة الاقتصادية الحالية هي أزمة عالمية، فإنه يصعب التكهن بمدى عمق تأثيراتها المحتملة على روسيا· ومن المؤكد أن تثير الشكوك وحالة عدم اليقين هذه قلق أي دولة من الدول، إلا أنها أكثر إثارة للقلق هنا في روسيا بالذات· فعلى امتداد سنوات عديدة، نجح بوتين في إزالة أي تهديدات سياسية لسلطته، إلى حد مكنه من الاحتفاظ بالسلطة في بلاده مع اقتراب نهاية ولايته الرئاسية الثانية وتسلمه لمنصب رئيس الوزراء· غير أن تلك السلطة بدأت تناهضها اليوم قوى عديدة لا قبل لها بالسيطرة عليها· فقد استثمر بوتين كثيراً ارتفاع أسعار النفط في تعزيز نظام حكمه الشمولي· ذلك أنه أنفق من تلك العائدات بسخاء على أمته التي كافأته بدورها على ذلك الإنفاق، بالانسحاب من المسرح السياسي ومنحه التأييد الشعبي الواسع الذي طالما كان بحاجة إليه· بل إن النخبة السياسية الروسية نفسها ظلت على ولائها لبوتين، طالما أنه وفر لها بعائدات النفط الهائلة، فرص عمل استثماري ووظائف مجزية، فضلاً عن نمط حياة سهلة مريحة· وفي ظل بيئة سياسية كهذه، كان من السهل على بوتين تهميش معارضيه السياسيين دون الحاجة إلى قمعهم، إلا في حالات نادرة واستثنائية جداً·
لكن الذي حدث اليوم هو انخفاض أسعار النفط إلى ربع ما كانت عليه قبل بضعة أشهر فحسب، في ذات الوقت الذي واصلت فيه المشكلات الاقتصادية تفاقمها في روسيا· فلا وجود اليوم للمستثمرين، بينما كادت تختفي أسواق المال والأسهم· وبعد مضي تسع سنوات من فائض الميزانية العامة، يتوقع أن تواجه روسيا عجزاً في ميزانيتها خلال العام الحالي، في حين يرجح انتكاس نموها الاقتصادي الثابت الذي شهدته طوال السنوات الأخيرة الماضية، إلى انكماش اقتصادي مدمر· ومن بين مظاهر هذا التراجع الاقتصادي، اضطرار أعداد متزايدة من الشركات والاستثمارات، إلى تقليص أيام عملها إلى ما يتراوح بين يومين وثلاثة أيام فحسب في الأسبوع، مع منح العاملين عطلات عمل غير مدفوعة الأجر، أو تسريحهم من وظائفهم· وبالنتيجة تصاعدت معدلات البطالة التي شهدت انخفاضاً حاداً خلال السنوات الماضية، مع العلم أن روسيا تفتقر إلى بنية الضمان الاجتماعي المتطورة التي يمكن لها أن تخفف عن العاطلين عبء العطالة ومعاناتها· ويتسم الوضع بالخطورة والمأساوية بصفة خاصة في الشركات والمؤسسات الاستثمارية العاملة في المدن والبلدات الروسية الصغيرة، حيث يستحيل الحصول على أي وظائف جديدة هناك· ومما يزيد الوضع تعقيداً، محدودية الحراك الجغرافي داخل البلاد بسبب ضعف سوق الإسكان الروسي وعدم تطوره· ومع ذلك يعتقد الكثيرون أن المرحلة الأكثر سوءاً لم تحل بعد· ففي تقدير المحللين الاقتصاديين أن روسيا سوف تتلقى ضربتها الاقتصادية الأقوى بحلول شهري فبراير ومارس من العام الجاري·
إلى ذلك أشارت استطلاعات الرأي العام التي أجراها ''مركز ليفادا'' -الذي يعد أفضل مؤسسة روسية متخصصة في استطلاعات الرأي- إلى تزايد مخاوف المواطنين الروس وتشاؤمهم بالعام الجديد· فعلى سبيل المثال انخفضت نسبة الذين يعتقدون أن روسيا تمضي في الطريق الصحيح من 61% في شهر سبتمبر 2007 إلى 43% في ديسمبر ،2008 والسبب وراء هذا التراجع هو تزايد شعور المواطنين الروس بعدم الأمان·
وعليه فمن المؤكد أن تثير نذر الأزمة الاقتصادية المتوقعة، معضلة للقادة السياسيين الروس· فمن ناحيته يؤمن بوتين بنظام ''الحكم الرأسي'' الذي يعتمد اعتماداً كلياً على السرية والخضوع والتحكم التام بزمام الأمور· ومعضلة هذا النظام أنه يحصر عملية اتخاذ القرار في دائرة ضيقة للغاية من صناع السياسات والقرارات، إضافة إلى مقاومته لاقتسام السلطة وتوزيعها· يجدر القول إن نظام الحكم العقيم هذا، يتسم بعجز داخلي متأصل فيه· لكن علينا ألا ننسى حقيقة أن الإمساك بزمام السلطة، هو أولوية قصوى لبوتين في كل الأحوال· وقد ساعده في التعويض عن ضعف وعقم نظام حكمه هذا، ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات الماضية إلى ما يتجاوز الـ140 دولاراً للبرميل الواحد· غير أنه لم يعد هناك مجال اليوم للتواؤم أو التصالح مع نظام الحكم العقيم هذا في نظر كثير من معارضيه· ذلك أن المنطق الذي بنى عليه بوتين تصوره وتطبيقه للحكم، يتطلب تضييق القيود والضوابط إلى أبعد مدى ممكن، بما يؤمّن انحصار السلطة في يده قبل غيره· وفي المقابل يتطلب منطق مواجهة الأزمة الاقتصادية التي بدأت نذرها تلوح سلفاً في الأفق، المزيد من المرونة وسهولة التفاعل مع المستثمرين وغيرهم من أفراد وعناصر النخبة الروسية، فضلاً عن توسيع الحوار العام مع عامة الشعب الروسي·

ماشا ليبمان
محللة سياسية متخصصة في الشؤون الروسية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا