الاتحاد

عربي ودولي

' العراق ' صراعات ليبرالية في الخفاء ومفاجات منتظرة في البلاد


بغداد ـ حمزة مصطفى :
إذا كان العراق قد تخلص من حكم شمولي طوال 35 عاماً تمثل بدكتاتورية صدام حسين فإن السؤال الذي بات متداولاً الآن في أوساط كثيرة في المجتمع العراقي سواء أكانت هذه الأوساط نخبوية أم سياسية أم جهوية هو ·· ما الذي يمنع من دخول العراق في حكم شمولي يستمد قوته هذه المرة من سلطة الدين العاتية على الفرد والمجتمع معاً ؟ إن مبررات طرح مثل هذا السؤال وأسئلة أخرى ذات طبيعة إشكالية ستقود حتماً في المستقبل القريب عند الشروع بكتابة الدستور إلى المزيد من الجدل تزامنت مع الانتخابات الاخيرة التي برز فيها تأثير الدين بشكل لا نظير له والتي أدت فيما بعد إلى استقطابات طائفية وعرقية ومذهبية أخذت من واقع التنوع الجغرافي مبرراً لها حيناً ومن طبيعة التنوع العرقي والمذهبي والسكاني في العراق حيناً آخر · لقد سبقت الانتخابات النيابية العراقية التي أجريت في الثلاثين من شهر يناير الماضي حملة دعائية وإعلامية لم يشهد العراق لها مثيلاً من قبل ، سواء لجهة الاحزاب والكتل والحركات التي شاركت فيها أو لجهة البرامج والاهداف والشعارات التي رفعتها والتي سعت من خلالها إلى استقطاب الناخبين لكي يدلوا بأصواتهم لهم · ومن بين الـ 111 كياناً سياسياً التي قبلت من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فأننا لا نكاد نلاحظ سوى بضعة كيانات وأحزاب لا تتعدى عدد أصابع اليدين عرفّت نفسها على أنها أحزاب أو كيانات ذات توجهات دينية
أو عرقية · وقد انحصرت هذه الكيانات تقريباً لدى الاديان أو الطوائف أو القوميات الصغيرة التي لا تجد مناصاً من التعبير عن نفسها أو التعريف بها علناً وذلك من أجل إثبات وجودها على الساحة مرة ومن أجل تنبيه الشارع الذي تنتمي إليه بأنها تعبر عنه ومن أجل حقوقه كي لا يذهب للتصويت للاحزاب والحركات الكبرى التي تحمل تسميات عامة أو ذات طبيعة ليبرالية مثل الائتلاف الديمقراطي أو الوطني أو التيار المستقل ، لذلك فأننا وجدنا أن هناك تقدماً لخوض الانتخابات باسم الكلدو آشوريين ، أو الصابئة ، أو اليزيديين ، أو التركمان ، بل حتى الاكراد وهم القومية الثانية الرئيسية في العراق فإن قائمتهم الانتخابية حملت اسم (( قائمة التحالف الكردستاني )) · مع ذلك فإن باقي الكتل والاحزاب والحركات وهي كثيرة جداً فقد أرتأت أن تدخل الانتخابات تحت تسميات ذات طبيعة ديمقراطية ، وطنية ، ائتلافية ، مستقلة ، بل حتى الاحزاب والحركات الاسلامية الكبيرة في
العراق مثل المجلس الاعلى للثورة الاسلامية بزعامة عبد العزيز الحكيم ، أو حزب الدعوة بزعامة الدكتور ابراهيم الجعفري فقد اختارت خوض الانتخابات تحت مسمى آخر هو (( الائتلاف العراقي الموحد )) ، ويبدو أن السعي للانتماء إلى العراق كهوية وطنية غير مختلف عليها مثل إغراء تصعب مقاومته أول الامر ، بحيث ان رئيس الوزراء السابق الدكتور أياد علاوي وبرغم أن حزبه يطلق عليه اسم حركة الوفاق الوطني فإنه اختار اسماً آخر للقائمة التي دخل بموجبها الانتخابات وهي القائمة
العراقية · ليس هذا فقط ، فإن رئيس الجمهورية السابق نفسه الشيخ غازي الياور فقد دخل الانتخابات من خلال كتلة أطلق عليها (( عراقيون )) · مفاجأة السيستاني هذا الامر وسواه انسحب على باقي الكتل والاحزاب التي خاضت دعايتها الانتخابية من خلال الرهان على وعي الشارع العراقي بضرورة التغيير نحو الافضل · ومن أجل صوغ أسلوب جديد لتداول السلطة في إطار اللعبة الديمقراطية · ومن بين القراءات المختلفة لساحة العمل السياسي والحزبي في العراق فإن الكثير من الكتل والاحزاب
والتجمعات الجديدة راهنت على ما اسمته فشل الحركات والاحزاب التقليدية التي خاضت معظمها تجربة مجلس الحكم الانتقالي · ومع أنه كان متوقعاً حصول مفاجآة على الطريق إلا أن المفاجأة الكبرى كانت في الواقع مفاجأة السيستاني الذي منح تأييده لقائمة الائتلاف العراقي الموحد التي اتخذت بعد مباركته منحى شيعياً الامر الذي فسرته الاغلبية الشيعية والتي كانت متحمسة أصلاً لخوض الانتخابات على أنه الضوء الاخضر للادلاء بأصواتها لصالح هذه القائمة فقط من دون القوائم الاخرى · وبالرغم من الاعتراضات الكثيرة التي تقدمت بها أحزاب وقوى وتكتلات إلى المفوضية عبر ما اسمته استغلال الرموز الدينية لدعم الحملة الانتخابية الدعائية فإن صدى هذه الاعتراضات كان أشبه بصرخة في وادٍ عميق بسبب تأثير المرجع الشيعي آية الله العظمى السيستاني ، فإنه عندما ظهرت النتائج كان واضحاً أنها لم تكن تعبر عن نسيج انتخابي متجانس عبر وعي باللعبة الديمقراطية وأبعادها انما كان منسجماً مع واقع حال التأثيرات الطائفية والعرقية بالدرجة الاولى · فقائمة الائتلاف العراقي الموحد حصدت 140 مقعداً من مقاعد الجمعية الوطنية البالغ عددها 275 مقعداً بسبب مباركة السيستاني لها والتي قادت إلى أن يصوت لها وحدها نحو اربعة ملايين شيعي شاركوا في الانتخابات · وطبقاً لما شاع في الشارع العراقي من كلام بهذا الخصوص فإن غالبية الذين صوتوا للقائمة التي حملت الرقم 169 ربما هم غير مقتنعين بالكثير من الاحزاب أو الشخصيات الموجودة في هذه القائمة ، إلا أنهم اما صوتوا احتراماً اوانسجاماً مع ميل غريزي لديهم يتمثل في ضرورة أن يصل تكتل شيعي قوي إلى السلطة بعد عقود طويلة من التهميش والاقصاء بصرف النظر عن أي مسميات أخرى ، حيث أن لسان حال هؤلاء يقول ما الذي حصده الشيعة طوال العقود الماضية غير الابعاد والظلم بالرغم من انخراطهم في أحزاب علمانية مثل الحزب الشيوعي ، أو حزب البعث أو الحركات القومية ،أو أن البعض الآخر وهم غالبية الناس البسطاء فإنهم رفعوا مباركة السيستاني إلى مستوى الفتوى الدينية واجبة الطاعة والتنفيذ والالزام · والشيء نفسه ينطبق على القائمة الكردستانية ، فالاكراد العراقيون الذين يشعرون أنهم أيضاً كانوا طوال السنين الماضية ضحية الظلم والتمييز العنصري والعرقي والطائفي فإن الفرصة باتت سانحة أمامهم الآن لكي يعبروا عن آرائهم بقوة ويوصلوا كتلة نيابية كردية قوية إلى أول برلمان عراقي منتخب بحيث يتمكنون من نيل حقوقهم الطبيعية · إن استقطاباً حاداً كهذا لجهة الشيعة والاكراد كان من بين أهم العوامل التي أدت إلى سقوط القوى والتكتلات التي راهنت على الديمقراطية ، والوفاق ، والاستقلالية وما إلى ذلك من مسميات لم يلتفت إليها الناخب العراقي في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ العراق التي بدت بالنسبة للكثيرين مرحلة الفرص السانحة خصوصاً في ظل غياب الصوت السني الذي قاطع الانتخابات أو انسحب منها عند منتصف المسافة · ومع ذلك فإن ثمة أموراً كثيرة جرت قبل الانتخابات وبعدها تبدو جديرة بالفحص والتأمل والمعالجة ·
ومفاجأة علاوي ليس الامام السيستاني وحده من فجر مفاجأة في هذه الانتخابات ، بل أن السياسي العراقي الدكتور أياد علاوي الذي ترأس الحكومة العراقية بعد قيام الاميركيين بنقل السلطة إلى العراقيين فجر هو الآخر مفاجأة بدت صادمة للكثيرين ·

اقرأ أيضا

البحرية الأميركية تبحث عن بحار مفقود في بحر العرب