الاتحاد

تقارير

الصومال بين القرصنة والاضطراب السياسي

الصومال بين القرصنة والاضطراب السياسي

الصومال بين القرصنة والاضطراب السياسي

مع سيطرة الميليشيات الإسلامية على معظم أجزاء البلاد، واستخدام القراصنة للسواحل الصومالية لمهاجمة السفن التجارية، وتفاقم الجوع بين المدنيين، ومغادرة القوات الإثيوبية المدعومة أميركياً والمساندة للحكومة المؤقتة غير الشعبية، تحولت الصومال إلى دولة فاشلة، تبحث جاهدة عن أفكار جديدة في عام ·2009
مع ذلك، فإن التواجد المتزايد للقوات البحرية الأوروبية، والأميركية، والهندية، وعما قريب الصينية، قبالة السواحل الصومالية، يظهر أن العالم لم يعد راغباً في بقاء هذه الدولة الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي من دون حكومة· ومن بين الأسئلة المركزية لعام 2009 مايلي: هل يمكن للجهد الدولي المنسق المساعدة في خلق حكومة مستقرة ودائمة؟· ومن هم إسلاميو الصومال؟ وما الذي ستعنيه عودتهم للسلطة بالنسبة للبلاد؟ للإجابة عن هذين السؤالين قد يكون من المهم في هذا السياق أن نعرف أن معظم الصوماليين سُنيون مسلمون، وأن الإسلام كان من بين العناصر القليلة التي تربط الأمة الصومالية التي تتكون من مجموعة من القبائل المتنافسة، وتجعل منها مجتمعاً مستقراً عاملاً· وعلى الرغم من أن هناك بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة في البلاد مثل تنظيم ''الشباب'' الذي وضعته وزارة الخارجية الأميركية على قائمة الجماعات الإرهابية، فإن الغالبية العظمى من الأحزاب الصومالية تتميز بالاعتدال والبراجماتية، وتتطلع في الأساس إلى إثبات قدراتها على الحكم· ويُشار إلى أن ائتلافاً مكوناً من أحزاب مختلفة يطلق عليه''اتحاد المحاكم الإسلامية''، قد كَّون حكومة في ،2006 ولكن خطابه المتباهي، وتشدقه بإنشاء''دولة الصومال العظمى''، التي ستقوم من خلال استرداد الأراضي التي يعيش فيها صوماليون، والتي تتبع الآن دولاً مجاورة مثل كينيا وأثيوبيا، دفعت إثيوبيا إلى إرسال قواتها إلى الصومال في ديسمبر 2006 لدعم الحكومة العلمانية المؤقتة· ولكن فشل تلك الحكومة في مد نطاق سلطتها فيما وراء مدينة ''بايدوا'' دفع الكثير من الخبراء إلى تبني الرأي القائل بأنه يجب منح الإسلامويين الأكثر شعبية فرصة أخرى في الحكم·
هناك أيضاً أسئلة أخرى من مثل: من هم القراصنة·· وهل يمكن كبح جماحهم؟
القرصنة على امتداد السواحل الصومالية ظاهرة موجودة منذ أجيال بعيدة، لم تتحول إلى مشروع متطور ذي نوايا إجرامية إلا في السنوات الأخيرة، خصوصاً عندما تحالف قادة الميليشيات المهتمين بجمع الأموال مع صيادي الأسماك من أجل مهاجمة السفن التجارية التي تمر عبر خليج عدن سواء كانت قادمة من قناة السويس أو متجهةً إليها· وتعتبر القرصنة مشروعاً رابحاً للغاية في بلد يعاني من ضآلة الفرص التجارية· وقد أدت الهجمات التي شنها القراصنة الصوماليون، ومنها ذلك الذي أدى إلى اختطاف سفينة شحن سعودية كبيرة(سيريوس ستار) تحمل كميات من النفط تقدر بـ100 مليون دولار، إلى دفع بعض الخبراء الأمنيين إلى التساؤل عما إذا كانت الجماعات الإسلامية الصومالية، أو حتى الجماعات الإرهابية الخارجية تستخدم القرصنة كوسيلة لتمويل طموحاتها العسكرية، أم أن الأمر ليس كذلك؟·
يقول ''إقبال جازباي'' الخبير الصومالي بجامعة جنوب أفريقيا:''لا يمكن السيطرة على القرصنة، إلا إذا ما أصبحت الصومال مستقرة، وتحت إدارة حكومة فعالة· ولعلنا نتذكر هنا أن الإسلامويين، خلال فترة وجود الإسلاميين في السلطة التي استمرت لمدة 6 شهور كانوا قد أكدوا أنهم لن يتسامحوا مع القرصنة''· ويضيف''جازباي'':'' العالم الآن مهموم تماماً بظاهرة القرصنة بدلاً من التركيز على تحقيق الاستقرار السياسي في الصومال الذي يمثل لب المشكلة''·
ولكن لماذا تحولت الصومال إلى دولة فاشلة؟ منذ سقوط حكومة الرئيس سياد بري عام،1991 خضعت الصومال، وبدرجات متفاوتة، لحكم رؤساء العشائر وأمراء الحروب، كما انفصلت بعض المناطق في الشمال مثل''أرض الصومال'' و''بونت لاند''، وأعلنت استقلالها، في حين بقيت الأغلبية في المناطق الجنوبية غارقة في حالة من عدم الاستقرار والقتال شبه المستمر·
وكان تدخل أميركي قصير الأمد بغرض تأمين تدفق المساعدات الإنسانية خلال فترة مجاعة واجهتها الصومال، قد فشل في أن يترك وراءه حكومة مستقرة، بل وانتهى إلى نهاية كارثية· ولم يقتصر الفشل على القوات الأميركية، بل امتد لقوات إثيوبيا (التي يوجد بها أقلية صومالية كبيرة العدد) المدعومة أميركياً، التي دخلت إلى البلد لمعاونة الحكومة المؤقتة العلمانية المعتدلة، ففي الحالتين لم ينجح التدخل في تنصيب حكومة تمثل جميع القبائل الصومالية·
هل سيزيد الغرب من عملياته العسكرية ويتدخل في الصومال مرة ثانية؟ على الرغم من أن القوات البحرية التابعة للولايات المتحدة، وأوروبا، والهند، والصين، قد زادت من دورياتها قبالة المياه الممتدة أمام السواحل الصومالية، والتي تزيد مساحتها عن مليون كيلو متر مربع، إلا أن العديد من الخبراء ومنهم ''جوناثان ستيفنسون'' الأستاذ بكلية الحرب البحرية الأميركية، يعتقدون أن أي تدخل عسكري في الصومال في الوقت الراهن سواء ضد القرصنة أو الإسلاميين ''سيؤدي إلى نتائج عكس المتوخاة منه''· ويؤكد ''جازباي'' على هذه النقطة بقوله:''ليس هناك في الوقت الراهن افتراضات قوية تثبت أن الصومال الجنوبي سيكون آمناً وسلمياً إذا ما وجدت قوى أجنبية على الأرض، كما أن التاريخ أثبت لنا دوماً أن التدخل الخارجي عادة ما يضيف إلى الاضطراب والفوضى الموجودة، ويقوي شوكة الأحزاب والجماعات المتشددة''·
ماهي احتمالات إقامة حكومة مستقرة في الصومال؟ وكيف تؤدي الاضطرابات إلى تهديد المنطقة؟ إلى حد كبير، يمكن القول إن فشل الجهود الرامية إلى تشكيل حكومة موحدة يرجع إلى حقيقة أن القائمين على هذا الأمر قد استبعدوا جماعات عرقية وجماعات مصالح قوية من هذه الجهود· وفي هذا السياق ينظر إلى استقالة ''عبدالله يوسف'' رئيس الحكومة الصومالية الفيدرالية المؤقتة على أنها توفر فرصة ذهبية حيث كان الرجل يعتبر في نظر العديد من الأطراف عقبة في طريق السلام· كما تقول ''باولا روك'' الخبيرة المتخصصة في شؤون الصومال بمعهد الدراسات الأمنية في ''تشوين'' التي ترى أن المهم في الوقت الراهن هو ''معرفة ما سيحدث بعد أن قدم عبدالله يوسف استقالته''· وترى''روك'' أن أفضل ما يمكن عمله في الوقت الراهن هو استمرار المحادثات الجارية في جيبوتي، مع ضم ممثلين عن الجماعات الرئيسية حتى يمكن تحقيق السلام ومن ثم المحافظة عليه·
وترى ''روك'' كذلك أن إدماج الجماعات الإسلاموية في عملية التسوية السلمية يمثل تغيراً كبيراً في سياسات الغرب تجاه الصومال، وأن فقدان هذه الفرصة في السلام سيؤدي إلى إطالة أمد المعاناة كما سيترتب عليه أكلاف إنسانية ضخمة''·

سكوت بالداوف-جوهانسبيرج
ينشر بترتيب خاص مع خدمة ''كريستيان ساينس مونيتور''

اقرأ أيضا