الاتحاد

ثقافة

الكثرة والندرة

د· جابر عصفور

د· جابر عصفور

فى كل مرة يهاجم المحافظون في الشعر حركة التجديد البازغة، في تياراته، نسمع صفة الاتهام بأن أغلب هذا الجديد رديء وها نحن نسمع هذا الهجوم منذ أخذت قصيدة النثر تلفت الانتباه إليها، فما أكثر ما يقول أعداء قصيدة النثر إن أغلبها رديء لا يدخل في إطار الشعر، جملة وتفصيلا والحق أن هذه التهمة مردود عليها، فقد تم توجيهها من قبل إلى قصيدة الشعر الحر المعتمدة على التفعيلة، وقيلت على ما قبل التفعيلة، وذلك بحيث يبدو الأمر أن أنصار كل قديم يتهمون كل جديد بالرداءة التي تخرجه من باب الشعر·
والواقع أن هذه تهمة مردود عليها، فالجديد الأصيل في كل اتجاه، بعيدا عن رأينا في قصيدة النثر، قليل جدا في العادة ونحن لو استرجعنا تاريخ الشعر العربي، قديمه وحديثه، وجدنا المتميز الأصيل منه بالغ القلة· ولنأخذ الشعر الحديث مثالا على ذلك، ففي مرحلة الإحياء أو البعث لا نجد أكثر من أسماء خمسة شعراء معدودين، أو عشرة إذا أفرطنا في التسامح مع المعيار النقدي، فهناك البارودي وشوقي وحافظ في مصر، ويمكن أن نضع إلى جوارهم خليل مطران وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وبشارة الخوري ما بين الشام والعراق، وهم أقل من عدد أصابع اليدين، وفي مقابلهم سنجد عشرات من أسماء الشعراء المذكورة في كتب تاريخ الشعر الحديث، ويقعون في المرتبة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو أدنى· وينطبق الأمر نفسه على حركة الوجدان الرومانتيكية حيث النماذج الشعرية المتميزة موجودة في شعر العقاد وعبد الرحمن شكري وإبراهيم المازني وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي والهمشري في مصر، ومعهم الشابي فى تونس، والتيجاني بشير في السودان، والندرة موجودة في كل بلد لم أذكرها، وهو الأمر الذي ينطبق على حركة الشعر الحر كما أطلقت عليها نازك الملائكة·
فمن هناك غير نازك والبياتي والسياب وبلند الحيدري من الرعيل الأول في العراق، ومن سوى صلاح عبد الصبور وحجازي في الخمسينيات في مصر؟ أو أدونيس وأشباهه في الشام، وهو الأمر الذي ينطبق على قصيدة النثر منذ انفجارها في الخمسينيات، لن تجد سوى أقل القليل من أغلبية وافرة العدد، وذلك لسبب بسيط مؤداه أن الشاعر الحق الذي يحدث أثرا جذريا في مجال نادر إلى أبعد حد في كل زمان ومكان، ذلك لأنه الشاعر الذي يمايز ما يبدأ به عن ما انتهى إليه، فيخلق تيارا جديدا، بعد أن يضيف إضافة جذرية

اقرأ أيضا

«كلمة» للترجمة يصدر «الموضوعية» لستيفِن غاوكروغِر