الاتحاد

الملحق الثقافي

وجاءني بريدك··

استيقظت صباح اليوم ولم أجدك بجانبي·· وأنا يا حبيبي لست معتادة أن أستيقظ ولا أجدك بجانبي! هجرتني؟!··· كنت أشعر بابتعادك عني في الأشهر الأخيرة لكن لم يخطر ببالي يوما أن تهجرنا هكذا فجأة· هجرتني وهجرت معي أطفالا ما زالوا في أمس الحاجة اليك· هجرتني وضربت عرض الحائط سنوات العمر الجميلة التي قضيناها معا، بأفراحها وأتراحها·
أنظر الى نفسي في المرآة لأبحث عن سبب رحيلك، وأراني امرأة أخرى· متى أصبحت هكذا؟ منذ متى وهذه الأرطال من الدهون تلف جسدي بهذه الطريقة البشعة؟ ومنذ متى غزا الشيب شعري فبعثر لونه الأسود الجميل؟ منذ متى وتلك الهالات السوداء تجاور عيني فتفقدهما بريقهما؟
لا أدري فقد مضى وقت طويل لم أنظر فيه الى المرآة لأعاين نفسي بهذه الموضوعية· لماذا لم تقل لي؟ لماذا لم تنبهني؟ أتراك كنت ترى كل ذلك ولا تبالي؟ لكنك لم تكن يوما من نوع الرجال الذين يهمهم شكل المرأة الخارجي، لم تكن يوما من هذا النوع الذي يسير وراء نزواته! لطالما أشدت بطيبة قلبي، بتفاني بخدمتك وتربية أولادي·· لطالما رددت أمام الجميع أنك محظوظ جدا لأن لك زوجة مثلي تشبه الملائكة برقتها وعطفها وعذوبتها·· فماذا حصل اليوم؟ كيف تغيرت الأمور؟ كيف صحوت ولم أجدك بجانبي؟ وحتى هذه اللحظة ما زلت مستسلمة للدهشة ولسؤال يعذبني: لماذا؟
منذ شهر علمت من جارتنا أنك على علاقة عاطفية بزميلة لك في العمل، قالت لي إن زوجها، صديقك الحميم، هو الذي أخبرها بذلك· آه لو رأيت خبث نظراتها وهي تخبرني عنكما··
آه لو رأيت ضحكتها التي كانت تحاول جاهدة أن تخفيها ولم تستطع·· شامتة، مستهزئة رمت علي خبر خيانتك، كما لو أنها كانت تريد أن تفتك بما قد يتبقى لي من كرامة· قالت إنها تخبرني لأنها تريد مصلحتي ولأنها تريد أن تنبهني قبل فوات الأوان· شكرتها على اهتمامها، وأكدت لها بلطف أنها بكل تأكيد مخطئة وبأن زوجها قد يكون أخطأ بمعلوماته تلك أو أحب أن يمازحها، قلت لها وأنا أجاهد كي أبدو طبيعية، أنك أخلص زوج في الدنيا ورجوتها ألا تتدخل في حياتنا بعد اليوم لم أرها منذ ذلك الحين لكنني اليوم نادمة على ما فعلت··
أشعر أن الأرض يجب أن تتوقف عن الدوران، وأن الأجدر بالشمس ألا تشرق بعد اليوم، وأن على السواد القاتم أن يكتسح الدنيا تماما كما اكتسح قلبي· أشعر أن العالم كله يجب أن يقف الى جانبي في محنتي هذه· أشعر أنه حكم علي بالإعدام ظلما وأنه على الجميع الدفاع عني· أعدمتني حبيبي كإنسانة قبل أن أعدم كامرأة·· نكلت بإنسانيتي قبل أن تنكل بأنوثتي··
وجاءني بريدك··
جاءني مع رجل لا أعرفه، جاءني وأنا بعد ثائرة على نفسي أحاسبها قبل أن أحاسبك·· قرع الباب فظننته أنت قد عدت وقد أنبك ضميرك·· وقلت في نفسي أني سأسامحك، سأعانقك، لن ألومك على شيء ولن أجعلك تعتذر، يكفيني أنك عدت أنك شعرت بهول ما فعلت وعدت··
هرعت الى الباب منتظرة أن أراك واقفا خلفه حزينا، نادما، طالبا السماح، لكنني وجدت هذا الرجل الغريب يحمل مغلفا في يده وينظر الي نظرة ملؤها الأسى والشفقة كأنه يدرك ما بي ويعرف ما أعانيه، سلمني المغلف وقال إنه منك وأنك بخير ثم ذهب وتركني وحدي·· مع قدري·
دقائق طويلة مرت وأنا جالسة أحمل المغلف بيدي أتحسسه، فأبكي·· أشم عطرك فيه، فأشهق·· أبادر الى فتحه، فأنوح··· فمن أين لي الجرأة أن أقرأ كلماتك الأخيرة التي اخترت أن تودعني فيها؟ دقائق طويلة مرت عشتها خائفة مترددة منكسرة·· لكني وبعد مفاوضة مجدية مع عقلي، ارتأيت أن أفتح المغلف وأعرف ما فيه، يجوز أنها رسالة اعتذار أو ندم أو···
فتحته ووجدت فيه رسالة من عدة صفحات، وشيكا مصرفيا يحمل أرقاما لم أقرأها ولم أكترث لها·
قرأت رسالتك وكأنني أتعرف اليك للمرة الأولى· فمن هذا الذي يخبرني أنه عاش معي العمر كله دون أن يشعر بالحب الحقيقي؟ ومن هذا الذي يمطرني بوابل من الانتقادات، ومن هو هذا الذي يعلمني أنه وجد سعادته الحقيقية مع امرأة أخرى وأنه مسافر معها ليبدأ حياة جديدة؟
من هو هذا الجبان الذي لم يستطع أن يواجهني بهذه الكلمات واختار أن يكذب علي حتى آخر لحظة من حياته معي؟ من هو هذا الوالد الذي لم يأبه لمصير أولاده بعد رحيله عنهم فجأة ومن دون أية مقدمات؟ من هو كاتب هذه الكلمات؟ أنا لا أعرفه ولم أعش معه طوال تلك السنوات! أيعقل أن يعيش المرء مع شخص لا يعرف ما في داخله كل هذا الوقت؟
أسئلة كثيرة داهمتني، حاصرتني، حاربتني وانتصر جواب واحد في النهاية: لا أعلم!
أخبرتني في رسالتك أنك قد أوكلت محاميا بإجراءات الطلاق وأنك قد تركت لي مبلغا من المال يكفيني وأولادي سنينا طويلة، لكنك لم تخبرني ماذا أفعل أنا··
لقد خططت وحضرت وحددت وحدك كل شيء، لم تشركني بشيء مما فعلت، ونسيت أن تخبرني ماذا أفعل أنا؟ كيف سأعيش اليوم من دونك؟ كيف سأستيقظ كل صباح دون أن أجدك بجانبي؟ كيف سأحلم بمستقبل أولادنا وأنت لست فيه؟ كيف سأكون امرأة بعد اليوم وقد هجرني رجل عمري؟
لقد فكرت بكل شيء حبيبي إلا بي أنا! أنا التي قضيت العمر كله لا أفكر الا بك··
نسيت أن تخبرني حبيبي ماذا فعلت بك، كيف أخطأت بحقك، أين سهوت ولم أتنبه لوحدتك، متى تذمرت أنت مما بيننا ولم أسمعك، كيف تمردت وكسرت أسوار مملكتي ولم أشعر؟
نسيت أن تخبرني حبيبي في رسالتك الطويلة هذه ماذا أفعل أنا الآن بعد أن·· وصلني بريدك

اقرأ أيضا