الاتحاد

الملحق الثقافي

كمائن الفقد

قلت لي إنهم يقتلون الحياد عندما يقسمون بأن ما بيننا شيء يشبه إلى حد كبير ما بين الناس جميعاً بلا علو ولا انخفاض·
قلتَ أيضاً إنك ستتركهم في غيهم يعمهون، وإننا سنضحك عليهم كثيراً، وإنك ستمسك بمعصمي وترفعني لنطير يداً بيد إلى هناك دون عجل ولا وجل، وعندما سألتك بفضول ''وما هناك يا عيسى؟'' لم تجبني تماماً، وإنما أشرت بعينيك المشرقتين كبحيرة صبيّة وبرشاقة أصبعك السبابة إلى النجم القطبي وابتسمت· بعد يومين، كنت تهرول إلى جهتي وتقف عند مدخل الباب الذي يؤدي إلى المطبخ، مرتدياً ثياب نومك المفضلة، متكئاً بذراعك اليمنى على الجزء الأيسر من العتبة، وكنت أمنحك ظهري بأمان مستفز وأنا منشغلة بإعداد وجبة الفاصولياء بالسبانخ وتقطيع حبات البطاطس إلى قطع غير منتظمة وأنت تناديني كما لو أنك قريب وتهمس في أذني: ''يا حمدة، تعالي واسألي رجلاً مجنوناً بكِ مثلي لم لا يموت كما يفعل العشاق الذين سمعنا بأخبارهم في الأساطير الغابرة والحكايا القديمة؟''·
يعذبني سؤالك، ويعذبك صمتي، تقترب بمسافة ذراعين، تدير وجهي الحنطي نحو وجهك الخمري، تحدق في أرنبة أنفي، تداعبها بحنو وتقبلها برقّة، ولكنك تتحاشى لمس شفاهي بلثمة:
''يلزمني أن أمر بكل تلك المراحل من الوله الصوفي حتى أستحق الوصول إلى هذه المرحلة من المكاشفة''·
تقول ذلك وأنت تضمني إلى صدرك بقوة وتتأوه من شدة العشق، أدفعك برفق كيلا تتهشم عظامي، وأيضاً لكي أعاود تحريك قطع اللحم التي تنتظر أن أحركها على النار، تسقط قطرتا دمع في القدر وأنا أحرك دون أن أحدد اتجاهاً ولا أفكر إلا فيك·
عندما أكلنا وجبة الغداء أقسمت لي بأنك لم تتذوق طعاماً أشهى منه في حياتك، وعندما فرغت من صحنك الذي ظل دافئاً، لم أخبرك بأنه كان للملح فيها نكهة الدمع·
بعد يومين آخرين، راودتني كوابيس شائكة، في أحدها حلمتُ بليلٍ عاصفٍ يأخذني إلى جوفه، وكنت تحاول أن تخلصني من أسره بأن تمد كلتا يديك نحوي ولكنك لم تكن تصل إليّ رغم كل محاولاتك البائسة، وأنا أصرخ فيك بلا هوادة: ''يا عيسى، إياك أن تتبعني إلى هناك، إياك'' ولكنك لم تسألني وما هناك يا حمدة، كما وأن أصابعي لم تكن تشير إلى شيء· أستيقظ مثل غزالة جافلة مسّها الرعب وهي تحاول أن تنهض من مكانها لحظة تعثرت إحدى قوائمها الرفيعة وسقطت أرضاً، وألمحك في مشهدٍ غريب لم أتصوره من قبل، جالساً بمحاذاة رأسي، تمسد خصلة من شعري بيدك اليمنى، تطوق رأسي باليسرى وأنت مستغرقٌ في تأمل تفاصيل وجهي على نحوٍ خاشع كما لو أنك معتكف في دير·
''لا تخافي، أنا هنا بالقرب منك وأحرسك جيداً يا كل شيء أعيش لأجله''·
فأسترجع ومضةً خافتة من لحظة الكابوس وأزداد خوفاً وأنكمش في فراشي ولا أنام·
أعجز عن النوم من شدة الخوف، وتعجز عنه من شدة الحب، أطلب منك أن تمنحني مسافة أخرى لأشتاق، تجزع من طلبي وتقترب بأكثر من مسافة، تهصر ذراعي وتهمس: ''أما أنا فأشتاق لكِ حتى وأنتِ ملتحمة بي هكذا''·
بعد أربعة أشهر أزداد نحولاً من قلة الأكل، ويزداد وجهك شحوباً من قلة النوم، تلتقطك حُمّى ساخنة وتتنفس بصعوبة وتهذي في الفراش المبلل بالعرق:
''أنا أتعذب يا حمدة، ليت قلبي حجر، ليتني حجر، ليتنا لم نكن''·
تركع على ركبتي باستسلام، تقبل أصابع يدي وقدمي ما ظهر منهما وما بطن، تذهب إلى الحمام وتجلب شفرة الحلاقة، تنقش على ذراعك أول حرفٍ من اسمي بلذة، ترشه بالملح، تلعق عصير دمك، ترتمي على الأريكة وتضحك كثيراً حتى تدمع عينك، تفعل ذلك بلا مبرر، وأنا أنظر إليك وأشهق دون كلام من هول المشهد·
بعد سبعة أشهر، ترتدي أخف ثيابك، تعفي لحيتك الداكنة، تنسى أن تصلي وتنسى أن تغتسل، تنسى أن تقرأ جريدة الصباح، تنسى جميع الأمكنة التي وضعت فيها أشياءك، وتمارس حياتك بشكلٍ بوهيمي، لكنك حريص في المقابل على أن تسلب مني ظلي لتتحول إليه وحريص أكثر على إقفال الباب الخارجي كي لا أتسلل عبره هرباً منك، تجبرني على النظر في عينيك وتصيح مثل طفل وحيد يلوذ بأمه من وحشة العزلة والخوف: ''يا حمدتي، من في قلبك غيري، أخرجيهم جميعاً، قلبك لي ولا مكان لآخر فيه''·
تطرد الخادمة الأندونيسية من المنزل لأنك تشك بأنها تحبني، تسمم القطة التي أهديتني إياها لأنها التصقت بجلدي، تقطع الحرارة عن الهاتف لأن رجلاً غريباً أخطأ الرقم وكلمني، تهشم التلفزيون لأن مذيع نشرة الأخبار الأكثر وسامة بدا وكأنه يختلس النظر إلي، تطوف حولي كما لو أنك في الحرم، تتصرف كعميل في الاستخبارات عندما تعدّ أنفاسي، تحوم خيالاتك المتغضنة في رأسي كالجن، عندئذ تشخب روحي من التعب وأقدم على الانتحار وذلك بابتلاع أربع عشرة حبة من حبوب الأسبرين ولكني أعود إلى الحياة بوهنٍ أكبر بعد أن يلفظني الموت باتجاهك، يؤلمك ذلك كثيراً وتصاب برهبة فاحمة وبلادة متكلسة، تنعكف خطوط جبينك، تتحاشى الاقتراب مني، تنفصل في غرفة نوم مستقلة وتتصومع فيها، ترفض النظر إلى وجهي، تعوي مثل كلب جريح وتنادي عليّ وترجوني بألا أرحل وأتركك، فأنفصل عن سريرنا المشترك وأتأكد من إقفال باب غرفتي جيداً وأختبئ تحت البطانية وأقرر أن أترك لك البيت حالما تسنح لي الفرصة للهرب· في صباح يومٍ بارد، أشعر بهدوء غريب، بعد مرور ساعتين أكتشف بأنك لم تصدر أي حركة، بعد ساعتين وعدة دقائق أشعر بمزيد من التوتر فأخرج لأتفحص المكان دون أن ألمح أحد أشباحك يتحرك فيه، أدخل بحذر إلى غرفتك وأنبش عن ظلك·
''عيسى هل أنت هنا؟''
لكنك لا ترد، أفتش عنك في كل ركنٍ من المنزل وفي كل زاوية ولكن لا أثر يدل عليك، أبحث عنك في ملابسك الداخلية وأسفل السرير وفي أعلى الخزانة وخلف الستائر لكنك لا تلوح من قريب أو بعيد، أكتشف بأن الباب الخارجي مفتوح فأركض نحو الشارع المهيأ لاحتضاني، أسأل عنك العابرين والمارة إن كانوا قد لمحوك وأنت تمر بينهم، فيجيبون بالنفي دونما تودد ويكملون طريقهم دونما اكتراث·
''عيسى، هل حقاً تركتني ورحلت؟''·
أجوب الشوارع والطرقات والمستشفيات والفنادق بحثاً عنك، أتعرض للاغتصاب على يد رجل ضخم ادعى بأنه صديقك واستدرجني إلى شقته الصغيرة ولكنك لم تكن هناك عندما نزع ''الشيلة'' عن رأسي بهمجية ومزق قميصي المرقش بالورد·
جثم فوقي وأنا أستنجد بك وأنت متوارٍ عني ولا تجيب، وحين أنهى فعلته ضحك علي ونعتني بالمجنونة التي تصدق كل شيء، ثم هددني بالقتل إن شكوته للشرطة·
أتدثر بعباءتي لأغطي الخدوش وما تبقى من ثيابي، أخرجُ من عنده شعثاء بلا مشاعر ولا قامة، ينز من فمي لعاب لزج ودم، فلا أمسحه حتى يجف تحت وطأة شمسٍ حامية، أتوجه إلى أقرب مخفرٍ للشرطة، أشعر بحلقي مملوءاً بالتراب فأجتهد في دفع صوتي الضائع نحو الكلام، أسعل وأنا أتوسل إليهم أن يعثروا عليك، فأنا أخاف أن يكون قد أصابك مكروه بالفعل، وأخاف أكثر من الوحدة في صخب الزحام، يسألني الشرطي عن اسمك كاملاً فلا أذكره،:
''اسمه عيسى، هذا كل ما أعرفه عنه، ترى هل تعتقد بأنه أخذ ذاكرتي معه؟''·
يطلب صورتك وبعض الأوراق الرسمية فأومئ برأسي يمنة ويسرة وبعينين ذاهلتين أنسى أن أتكلم، يستفسر عن عمرك وعن شيء من ملامحك فأجيبه:
''هو ما بين الخمس إلى المئتي عام، أؤكد لك، ليس أكبر من ذلك ولا أصغر، أحياناً يبدو أطول مني بعدة سنتيمترات وأحياناً بنفس طولي، هو يحبني كثيراً ويحب طبق الفاصولياء بالسبانخ الذي يصبح ألذ بعد إضافة قطرتين من دمعي، لكن إياك أن تأكله بارداً''· يحاول الشرطي أن يتمالك أعصابه وبطريقة مهذبة قدر الإمكان يجبرني على المغادرة بعد أن يدبر لي سيارة أجرة تقلني إلى منزلي ويدفع الثمن للسائق من جيبه مقدماً، أركب التاكسي وأعود إلى المنزل وأدخل إلى الحمام وأغتسل جيداً، أدعك جسدي بمطهر الديتول الأخضر وبالصابون وأفرك جلدي بالملح الخشن وبخليط من السكر والليمون، بعد ذلك أرمي بنفسي على السرير وأنام·
في ظهيرة اليوم التالي عندما فتحت عيني ولم أجدك إلى جواري، افتقدتك كثيراً، ناديتك برجاء وتوسل عسى أن ترأف بي وتظهر، وبحثت عنك في كل شيء، بحثت في الريح وفي الغابات وفي المطر، لم أعثر عليك أبداً·

ü قاصة من الإمارات

اقرأ أيضا