الاتحاد

الملحق الثقافي

رقّ النسيم

 د· صلاح فضل

د· صلاح فضل

عندما نتحدث عن شعرية الطبيعة في المشرق العربي، ينبغي لنا أن نميز بين البيئات المختلفة؛ فبيئة الجزيرة العربية على اختلاف أبعادها من ناحية، وبيئة الشام والعراق ومصر من ناحية أخرى· على أن الشعر العباسي في جملته ـ وهو الذي احتفى بوصف تفاعلات الطبيعة والإنسان، وقدم ألوانها وأشكالها وروائحها وعبقها المفعم بالحيوية والجمال ـ كتب خارج الجزيرة في بغداد والبصرة والموصل ودمشق وحلب والقاهرة، وكل منها له رياحه وأنواؤه، بساتينه وأزهاره، بحيراته وأنهاره· فابن المعتز عندما يقول في رقة النسيم:
ياربّ ليلٍ سَمَرٍ كله
مفتضح البدر عليل النسيمْ
تلتقط الأنفاس برد الندى
فيه فتهديه لحرّ الهمومْ
يستحضر ليل بغداد، وقد شمله هذا الضوء الناعم الرقيق ببدره المفضوح ونسيمه العليل، بعد نهار قد احتدم فيه حرّ الهموم ولفح الشمس العراقية الساخنة، فابتردت به الروح وتندى له القلب· وعندما يقول أبو عبادة البحتري:
ورق النسيم الروض حتى كأنما
يجيء بأنفاس الأحبةِ نُعَّما
فما يحبسُ الراح التي أنت خِلُّها
وما يمنع الأوتار أن تترنما
فهو يصور حالة اجتماعية في قلب الحالة الطبيعية؛ فالنسيم عندما يرقّ يبدو كأنه يحمل أنفاس الأحبة الهانئة، في بيئة مترفة يتبادل فيها الناس العشق ويتنادون على كؤوس الراح بصحبة الأخلاء الندمان· وعندئذ تتمايل الأوتار وتترنم الحناجر وتنتظم البشر والشجر موسيقى الحياة الراضية الناعمة· على أن هذا النسيم قد يكون مُبشِّرا بما هو أندى وأخصب، بالقطر الذي يبعث الحياة ويرد الروح، وتأمل الصورة التي يبتكرها الشاعر في قوله:
ونسيم يبشر الأرض بالقطر
كذيل الغلالة المبلولِ
ووجده البلاد تنتظر الغيث
انتظار الحبيب ردّ الرسولِ
لترى كيفية امتزاج الطبيعة بأحوال المجتمع، فالنسيم يؤذن بالمطر الذى طال الشوق إليه، وكأنه من تيهه واستعصائه كالخود التي تجر ذيلها دِلاًّ وترفا، على أنه ذيل مبلول بينما وجه البلاد يتحرق شوقا للمطر، كما ينتظر الحبيب رد الرسول الذي بعثه للمحبوب· هذه الأشواق المتبادلة، والأنسام المتراسلة بين الطبيعة والبشر تشفّ عن نوع الحياة الذي كان سائدا في هذا العصر، حيث لم تكن جهمة ولا قاسية، ولم يكن الدين الذي يطرز حواشيها بالمحبة حائلاً دون الاستمتاع بنعمة الجمال· على أن الإنسان لم يكن الكائن الحي الوحيد في هذه الأعراس الطبيعية، كانت تشاركه بقية الكائنات من طيور وأنعام، فهذا السري الرفاء نفسه يقول:
كأن حمام الأيك نشوان كلما
ترنم في أغصانه وترجّحا
ولاذ نسيم الروض من طول سيره
حسيرا أطراف الغصون مطلّحا
ولابد أن يكون الشعراء الذين بلغوا هذا القدر من يقظة الحواس، وتوهج الشعور بالطبيعة، والاندياح الحر في مظاهرها، وتمثل مفرداتها وأحيائها وعناصرها خاضعة لحالة من النشوة والبهجة، لابد أن يكونوا قد اختزنوا في تجاربهم ما يحملهم على إعادة اكتشاف الألوان والأصوات والأشكال حتى يجتهدوا في تمثيلها جماليا بهذه الصور الشعرية التي تقوم في اللغة مقام اللوحات التشكيلية والقطع الموسيقية، ومن ثم تظل قادرة على إخضاب الخيال وتنمية الشعور بالجمال

اقرأ أيضا