الاتحاد

الملحق الثقافي

خلطة (هوليوود ــ بوليوود) تحصد ثماني جوائز أوسكار

مشهد من الأحياء الداكنة

مشهد من الأحياء الداكنة

أثبت فيلم ''المليونير المتشرد'' (سلامدوغ مليونير) أن الأفلام ذات الميزانيات الصغيرة والقلوب الكبيرة قادرة على تحقيق معجزات فنية مدهشة تمكنها من اقتحام معقل صناعة السينما في العالم ومزاحمة القامات السينمائية التي كانت في وقت ما عصية على الاقتراب، فما بالك بالمنافسة والدخول معها في قلب اللعبة الشرسة لحصد الجوائز الكبرى في حفل الأوسكار·

فلأول مرة في تاريخ أكاديمية الأوسكار يحوز فيلم بجائزة أفضل مخرج وأفضل فيلم دون أن يشارك به أي نجم من هوليوود، وما هو أغرب من ذلك أن الأطفال المشاركين في الفيلم والقادمين من عمق الأحياء الفقيرة في مومباي قاموا بالمشي على السجادة الحمراء ذاتها التي شغلها أثرياء ومشاهير السينما الأميركية والعالمية الباذخة·
الصدمة الرائعة
أثبت فيلم (سلامدوغ) أن الأعمال المتوافرة على شحنة عاطفية مؤثرة ومدعومة بتقنية مرهفة وموازية لأبعاد القصة يمكن أن تخترق حاجز الصوت والصورة والخدع البصرية والإنتاجات الضخمة كي تقول كلمتها بكل تواضع وعنفوان، وهذه الثقة التي استحقها فيلم المخرج الإنجليزي (داني بويل) كافأته بثماني جوائز في الحفل الحادي والثمانين للأوسكار، فحققت بذلك ما يشبه الصدمة الرائعة في الوسط السينمائي العالمي·
هذه الصدمة أحيت الأمل بالنسبة للسينمات البعيدة والمجهولة والمنسية، والتي رغم تحقيقها لبعض النجاحات في المهرجانات المستقلة إلا أن تواجدها بقوة وسط منافسات الأوسكار له طعم سينمائي مختلف ونكهة فنية وترويجية خاصة مع متابعة نصف مليار إنسان على الكرة الأرضية لفقرات الحفل الأكثر صيتا على مستوى الجوائز والإبهار الإعلامي والإعلاني·
اعتمد فيلم ''المليونير المتشرد'' على رواية شهيرة بعنوان (سين وجيم) للدبلوماسي الهندي السابق (فيكاس سواروب) اتخذ من المسابقة المعروفة (من سيربح المليون) منفذا ناجحا لتمرير رؤيته الإنسانية حول الجانب الخفي والمظلم لمدينة (مومبي) أغنى المقاطعات الهندية والحاضنة الأكبر للصناعة والتجارة والفنون·
ومن خلال رؤية فنية متداخلة تجمع الروح الشرقية بالمعالجة الغربية، استطاع الفيلم أن يوازن بين توابل السينما الهندية المفعمة بالميلودراما والمبالغات العاطفية وبين التقنية العارفة والملمة بالتفاصيل لمخرج إنجليزي لا يحب النمطية والتكرار في مواضيع أفلامه، كما أنه يتخذ من الأسلوب التسجيلي الأقرب إلى الواقعية الصادمة صيغة مناسبة لإضفاء الصدق والجاذبية والحرارة على أعماله، وسبق لداني بويل أن أخرج أفلاما ناقدة وجريئة في مسيرة السينما الإنجليزية نذكر منها: ''القبر الضحل'' و''إشراق'' و''حياة أقل من عادية''، كما حقق فيلما غرائبيا بعنوان ''بعد 28 يوما'' حمل مسحة من الإثارة والرعب حول المستقبل الداكن لكوكب الأرض·
ينابيع الطفولة
يحكي فيلم ''المليونير المتشرد'' قصة المراهق الهندي المسلم جمال مالك يقوم بدوره (ديف باتيل) والذي يشترك في النسخة الهندية من البرنامج العالمي الشهير (من سيربح المليون)، وعندما ينجح في الإجابة على معظم الأسئلة الصعبة، يشك مقدم البرنامج ـ يقوم بدوره النجم الهندي آنيل كابور ـ في إجابات جمال (بائع الشاي القادم من قاع المجتمع) ويعتقد أنه يمارس الغش، فيسلمه أثناء الاستراحة المقررة للسؤال الأخير في البرنامج إلى الشرطة كي تنتزع منه سر إجاباته الصحيحة، وفي مركز الشرطة ينال جمال نصيبه من التعذيب والإهانات، ولكنه وأثناء سرده لقصة حياته المؤلمة، يكسب تدريجيا تعاطف مدير المركز ـ يقوم بدوره الممثل المميز عرفان خان ـ والذي يتجاوب مع تفاصيل ومحطات الطفولة المعذبة لجمال والتي أكسبته عمرا مضاعفا، ووهبته خبرة حياتية هائلة ومتشعبة لا يحوزها حتى الكبار، وهذه الخبرة المتفجرة من ينبوع طفولته الملوث بالخوف والكوابيس ساهمت بقوة في تقديم إجاباته الصحيحة في البرنامج·
ومن خلال شريط طويل من (الفلاش باك) والاستراجعات الزمنية البعيدة والمتداخلة مع الحاضر، يخوض المخرج داني بويل مغامرة بصرية وتشريحية لكل إجابات جمال الصحيحة· تبدأ أولى محطات السيرة المعذبة لجمال مع سؤال حول نجم السينما الهندية أميتاب باتشان حيث تعود به الذاكرة إلى المنطقة المعدمة التي عاش بها والتي زارها النجم باتشان· حيث يسعى الطفل جمال للحصول على توقيعه، وعندما ينال مراده بصعوبة ومشقة، يقوم شقيقه سليم بسرقة التوقيع وبيعه بثمن زهيد في السوق، وتتوالى الأسئلة وتتوالى معها إجابات جمال الملتصقة بلحمه ودمه وهواجسه الممزقة بين ضفاف الرومانسية والعنف، وبين البراءة والنضج المبكر، وتتوالى كاميرا (داني بويل) في التعاطي مع هذه الأحداث بكل جنونها ومأساويتها وتقلباتها، ويرافق هذه الأحداث الموسيقا التصويرية الموفقة للفنان الهندي (إيه آر رحمان) والملمة بأصوات وصخب وتفاصيل الحياة في مدينة بومباي وأحيائها العشوائية والمنزوية خلف الواجهات اللامعة والمباني الجديدة والشاهقة·
جماليات القبح
في إحدى إجاباته المؤثرة على سؤال حول العلامات المميزة لإحدى الرموز الدينية عند الهندوس، يسترجع جمال الحكاية المأساوية لهجوم جماعة من المتطرفين الهندوس على قريته المسلمة، كما يسترجع المنظر الوحشي لوالدته وهي تحترق أمام عينيه، فيهرب مع شقيقه سليم وسط الغضب الجنوني للهندوس، ويصادفان وسط النيران والخرائب طفلا مسلما متنكرا بزي ديني للهندوس خوفا من بطشهم، فيتذكر جمال بقوة ووضوح العلامات المميزة لهذا الرمز أو الإله ويقدمها كإجابة حاسمة في البرنامج، ومن القصص المؤثرة التي تتداخل مع إجابات جمال، تأتي حادثة خطف الأخوين اليتيمين جمال وسليم من قبل عصابة متخصصة في استغلال الأطفال وتشويههم جسديا كي ينطلقوا في أسواق وشوارع وأنفاق مومباي من أجل استجداء المارة وإعطاء المكسب في آخر النهار للعقل المدبر في العصابة، وفي ذلك التجمع البائس والمرعب الذي يذكرنا بأجواء تشارلز ديكنز في روايته الشهيرة ''أوليفر تويست'' يتعرف جمال على الطفلة (لاتيكا)، ويميل إليها عاطفيا فيقرران بمشاركة سليم الهرب، ووسط مطاردات ليلية مثيرة، ينجح الثلاثة في التخلص من أسر العصابة، وترافقهما كاميرا المخرج في رحلة بصرية جامحة وثقت لجماليات القبح في الضواحي المهملة والقرى والمزارع البدائية التي تجمع بين رهافة وحنو الطبيعة وقسوة الأوضاع الاقتصادية على الفقراء والمعدمين·
عندما يكبر الأصدقاء الثلاثة تتوزع مصائرهم وأقدارهم على أكثر من جهة وصعيد، فالأخ الأكبر سليم ينضم لإحدى العصابات المنظمة في مومباي، وتخضع لاتيكا لسيطرة رئيس العصابة حيث يتم استغلالها جسديا، أما جمال فيعمل بائعا للشاي قرب إحدى شركات الاتصال ولا يمل من البحث عن حبيبته لاتيكا ـ تقوم بدورها (فريدا بينتو) ـ وفي شركة الاتصالات تلك يتعرف جمال على أسرار المشاركة في برنامج من سيربح المليون، التي تحب لاتيكا مشاهدته، وتتحقق أحلام جمال عندما يجيب على السؤال الأخير حول اسم الفارس الثالث في رواية ألكسندر دوما الشهيرة (الفرسان الثلاثة)، حيث أطلق جمال وسليم هذا الاسم على لاتيكا أثناء لقائهما الأول تحت أمطار وعواصف مومباي·
واحتفاء بالسينما الهندية يقدم المخرج داني بويل في نهاية الفيلم أغنية حركية وراقصة على الطراز البوليوودي الصرف، وذلك أثناء لقاء لاتيكا بجمال في محطة القطارات ذاتها التي شهدت رحلتهما الضارية في حياة أقل ما يمكن أن توصف هي أنها حياة موهوبة للجرح وللأمل في ذات الوقت· وهي أشبه برحلة إنسانية حارقة في تاريخ من الدم والدموع والبؤس الشخصي والاجتماعي لأطفال الشوارع والكائنات الصغيرة المستلبة من شرط البراءة والدفء والمحبة

اقرأ أيضا