الاتحاد

الملحق الثقافي

قوة الشعر من إصدارات مشروع كلمة في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث

أسئلة كثيرة يطرحها كتاب ''قوة الشعر'' للشاعر والناقد الإنجليزي جايمس فنتن، إلا أن ما يؤرق القارئ لهذا الكتاب الذي صدر حديثاً عن مشروع ''كلمة'' التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث بترجمة الدكتور محمد درويش 2009 تلك الحقائق المذهلة فيه· لا أدري هل هي حقائق أم لا؟
حسناً لنحاول أن نأخذ من الكتاب ما يثير الدهشة، لا من أجل أن نعطي صورة تعريفية له كمثل ما درجت عليه مقالات عروض الكتب التي تلخص ما جاء فيها، بل لنحاول أن نرصد تفردها، فيما تحمله من غرابة وصدمة للقارئ، حتى ليظن للوهلة الأولى أنه أمام عالم من الدهشة لم يعهده من قبل·· هل تتصور كيف يكره الأدباء والشعراء بعضهم البعض؟ هل تتصورون كيف يغار الشعراء من أندادهم حال اكتشاف قصيدة جميلة لبعضهم؟ وهل يمكن أن نصل الى حقيقة أن الشاعر عندما يكتب قصيدة يتخيل أن الكون كله يدور حوله، كأنه أصبح مركز هذا الكون؟ ما الغرابة في ذلك؟ ولماذا هذه الأنا المتضخمة عند هذه النخبة التي لا ترى ما حولها بالرغم أن هذا الـ''ما حول'' هو منطقة اشتغالهم ولولاه لما عادت قصائدهم تعني شيئاً؟
وقد نسأل مع فنتن مؤلف الكتاب ما الذي يجعل الشاعر متلهفاً لمعرفة آراء الآخرين في قصيدته، فيجبرهم على الاستماع إليها، فيقرأها بإلحاح الى مستمع متأفف، ضجر، متململ، يود أن يمزق ثيابه، أما الشاعر فلا يشعر أبداً بمعاناة من يستمع إليه· إنها جلسة قسرية، مربكة، والشاعر أو الروائي غاطس في بحر كلمات لا معنى لها ـ ربما ـ حينذاك حينما ينتهي من قراءة قصيدته الساذجة يقول لاهثاً: ما رأيك بها؟
لا أعرف لماذا لم يرفع الشاعر عينيه، كيف قرأ العالم ولم يقرأ ضجرك من قصيدته؟ هل لأنك الهامش وهو المركز، وإذا كان كذلك لماذا يحتاج المركز الى رأي الهامش· وهل أصبح الهامش مركزاً في استكمال القصيدة·
كل تلك الأسئلة سوف ألخصها في ست حكايات كما أوردها جايمس فنتن:
قضية فلوبير
بذل فلوبير جهداً كبيراً وخارقاً في سبيل تأليف النسخة الأولى من روايته ''إغواء أنطونيوس''، إذ نراه في فصل واحد يقرأ بصوت عالٍ ستين نصاً قديماً وتاريخياً وتعليقاً بحثياً أمام صديقيه لويس بوييه وماكسيم دو كام، وقد تذكر هذا الأخير الحادثة فيما بعد إذ قال: إن الساعات التي قضيتها أنا وبوييه مصغيين الى فلوبير وهو يقرأ أسطره ''كنا نجلس بصمت نتبادل النظرات بين حين وآخر'' تظل مؤلمة جداً ذاكرتي، فقد أجهدنا آذاننا، آملين دوماً أن يبدأ العمل، ولكن خاب ظننا دوماً، لأن الوضع بقي على حاله من البداية حتى النهاية، فأنطونيوس (بطل الرواية) الحائر والبسيط حقاً إذا جاز لي قول ذلك، يرى مختلف أشكال الإغواء وهي تمر من أمامه ولا يصدر عنه أي رد فعل سوى كلمات التعجب ''آه! آه! أواه! والله! يا الله!'' وازدادت حماسة فلوبير وهو يواصل القراءة، وحاولنا أن نتحمس مثله إلا أننا بقينا جامدين·· وبعد القراءة الأخيرة ـ استغرق ذلك اثنتين وثلاثين ساعة ـ ضرب فلوبير المنضدة بقبضة يده وقال: والآن ما رأيكما؟
كان بوييه رجلاً خجولاً، ولكن لا يوجد من هو أشد حزماً منه، إذا ما قرر التعبير عن رأيه وقال: نعتقد أنه ينبغي لك أن ترميها في النار ولا تتحدث عنها ثانية·
فوثب فلوبير وأطلق صرخة رعب، وكرر بضعة أسطر أمامنا وهو يقول: لكنها جميلة·
- نعم إنها جميلة·· ثمة مقاطع ممتازة، وذكريات رائعة عن الماضي، لكن ضاع ذلك كله وسط لغة خرقاء، لقد أردت أن تنتج الموسيقى لكنك لم تنتج سوى الضوضاء·
قضية قبلاي خان
كتب كولردج قصيدته قبلاي خان في أواخر تسعينيات القرن الثامن عشر في 1797 وعلمت بها أسرة وردزورث، لأن دوروثي (زوجة وردزورث) تقول في يومياتها الخاصة بهامبورج إنها ''حملت قبلاي الى إحدى النافورات'' ـ لاحظ ـ وهي تقصد بذلك أنها حملت إناء الشاي الخاص بها الذي كانت تدعوه قبلاي· وهذه استعارة سنجدها في هذه القصة·
كتب كولردج قصيدته ''قبلاي خان'' مثلما يكتب أي فرد أي قصيدة بدرجة بالغة من الحماسة ووضعها داخل جيبه وذهب بها لزيارة أسرة وردزورث كما كان دأبه دوماً لقراءة آخر أعماله، وجلس الثلاثة (كولردج ووردزورث وزوجته دوروثي) في غرفة الجلوس، وكانت رطبة قليلاً وانطلق كولردج يقرأ القصيدة، وفيما كان هو في أوج عنفوانه كانت دوروثي تراقب زوجها وليم وردزورث، كعادتها، لمعرفة ردة فعله، فلاحظت إشارة صغيرة تعرفها جيداً، وتعني أنه غير راضٍ، وهنا وضع وردزورث يده في جيب بنطاله فأدركت دوروثي أن الأمور ليست على ما يرام حيث بدأت تتعقد وبدأ التنافر، أما كولردج فكان في موقف التلاحم الحقيقي مع قصيدته، منغمراً فيها بحيث لا يرى غيرها· انتهت قراءة كولردج لقصيدته، وران الصمت في الغرفة، ولم يتأثر كولردج الذي كان فوق قمة نشوته بأي شيء يشبه من بعيد إهانة حقيقية، فقد كان يفكر ''عظيم لقد أعجبتهما'' وانتظر سماع كلمة أو كلمتي إطراء، لكن ذلك لم يحدث وأخيراً بدأ يرتاب في أن شيئاً ما يلوح في الأفق·
وأحرجت دوروثي وقالت بعد ذلك بصوت واضح: حسناً على الأقل سأعرف كيف أسمي آنية شراب الشاي هذه·· هيا يا قبلاي نذهب الى البئر·
وعلي حين غرة، انفجر وردزورث ضاحكاً ضحكة مدوية مرعبة، وقال: إنني أقول يا دوروثي إن ذلك أمر حسن، الآنية قبلاي، أفهمت ياكولردج؟
فتركت دوروثي الغرفة، وران الصمت من جديد لا تقطعه في بعض الأحيان سوى ضحكات وردزورث بسبب مزحة دوروثي، أخيراً جاء دور كولردج ليقول شيئاً ما، يغطي به انزعاجه من مثل هذا التصرف الفظيع الذي تصرف به وردزورث، وبدأ يسرد قصة عن كيفية تناول الأفيون وغيبوبته وعن شخص من بورلوك وكلها كانت قصصاً مفبركة· فالتفت إليه وردزورث قائلاً: أعتقد أنه يتعين عليك أن ترمي تلك القصيدة في النار ياكولردج وألا تتحدث عنها ثانية·
تمثال جيامولونيا
اعتاد النحات الروماني الشاب جيامولونيا في شيخوخته أن يحكي لأصدقائه قصته عندما حط رحاله نحاتاً شاباً من أهالي الفلاندر في مدينة روما، حيث صنع نموذجاً عن تمثال أصلي وأكمله بعناية فائقة وصلت حد الإتقان وذهب به الى النحات التاريخي مايكل انجلو ليعرضه عليه·
وعندما رأى انجلو النموذج أمسكه بكلتا يديه وحطمه تحطيماً كاملاً، وأعاد قولبته على طريقته بمهارة مدهشة، حتى أن النتيجة كانت مغايرة تماماً للنحت الذي نحته الفنان الشاب جيامولونيا ثم قال مايكل انجلو مخاطباً جيامولونيا: الآن اذهب وتعلم فن صنع التماثيل قبل أن تتعلم فن وضع اللمسات الأخيرة·
وكأن انجلو كان يقول: انظر الى هشاشة إنجازك مقارنة بإنجازي· انظر كم أنت وقح عندما تجاسرت وعبرت عتبة الباب، هكذا ـ أشبه بالتمثال ـ أحطمك!
كان انجلو مجنوناً بنتاجاته، يحتفظ سراً برسوماته بعيداً عن عيون مجايليه، الذين قد يلجأون الى سرقته·
تلك هي سايكولوجية الأنا المركزية، منذ بدء الإبداع، منذ أن تعلم الإنسان كيف يصنع العالم، في الشعر، وفي النحت، وفي الفن· وكأنه يقول: لا يوجد أحد غيري، ولم يوجد غيري من قبل·
أغنية إلى بان
يقول هايدن: لقد فرغ الشاعر كيتس من قصيدة رائعة بعنوان ''أغنية إلى بان'' وقد طلبت منه أن يرددها وهو ما فعله بطريقة أدائه الغنائية المعروفة والمؤثرة كثيراً وهو يذرع الغرفة جيئة وذهاباً ولما فرغ من ذلك شعرت أنني حقاً كنت أستمع الى أبولو الشاب غير أن وردزورث قال بتهكم: إنها مقطوعة رجعية تماماً·
وهذا لم يكن يتناسب مع عبقرية وردزورث ومشاعره إزاء معجب شاب مثل كيتس الذي تأثر تأثراً بالغاً· ومع ذلك تناول كيتس الطعام مع وردزورث بعدئذ بدعوة مني، إلا أنه لم يغفر له ذلك أبداً·
ويكتب كيتس رسالة بعد ذلك الى رينولدز في 1818 فيقول فيها: ربما يقال إننا يجب أن نقرأ عن معاصرينا، وأن وردزورث ورفاقه لابد أن يستحقوا انتباهنا، ولكن أيجوز، من أجل بضع فقرات جميلة، متخيلة أو محلية، أن نقحم في فلسفة معينة تكونت بفعل نزوات مغرور، لكل إنسان أفكاره لكن ما من إنسان يقلب تلك الأفكار ويتباهى بها الى أن يستحدث شيئاً زائفاً ويخدع نفسه·
حقيقة همنجواي
من يتصور منكم يا من قرأتم روايات ''الشيخ والبحر'' و''وداعاً للسلاح'' و''لمن تقرع الأجراس'' و''ثلوج كليمنجارو'' للروائي الأميركي الحائز على جائزة نوبل أرنست همنجواي أن يكون قاتلاً، تلطخت يداه بدماء الجنود، وربما لن يصدق أحد ذلك، فلنقرأ هذا النص كما أورده جايمس فنتن حيث يقول:
لنأخذ أرنست همنجواي نموذجاً نقيضاً له (ويقصد به الشاعر ولفرد أون الذي كتب عنه فصلاً في هذا الكتاب) فقد اشتغل همنجواي في سيارات الإسعاف في الحرب العالمية الأولى وجُرح، وأوشك أن يصبح مقعداً طيلة حياته، غير أن هذا كله لم يحل عنده قضية الرجولة (ويعني بها البحث عن رجولته في المغامرة) فتحتم عليه التوجه الى حروب أخرى، واضطر الى ممارسة رياضات دموية، واقترن اسمه بمصارعي الثيران، وفي الحرب العالمية الثانية، كان يُثبَت مدفعاً رشاشاً فوق قارب صيده، متجولاً في البحر الكاريبي يطارد غواصات الأعداء، وأخيراً، وفي أثناء الاندحار الألماني عن أوروبا اضطر الى التخلي عن دوره مراسلاً حربياً ليمارس عملاً عسكرياً شبه رسمي وهو قتل الجنود المنسحبين من الميدان·
فروست الإمبريالي
من يظن منكم أن الشاعر الأميركي روبرت فروست كان امبريالياً وتسلطياً الى حد النخاع، لكن لنقرأ قصيدته ''إمبريالية حديثة'':
''كانت الأرض أرضناً قبل أن نكون نحن أهلها
كانت أرضناً قبل أن نكون أهلها بأكثر من مائة عام
إننا نرى جدية اندفاع الأعراق
في محاولاتهم من أجل السيادة والشكل
إنهم تحت وصايتنا كما نعتقد الى حد ما
وفي الزمن الراهن وبموافقتهم نعلمهم
ما معنى الديمقراطية''
وتتوالى فصول هذا الكتاب المدهش الذي ترجمه مشروع ''كلمة'' فيكتب جايمس فنتن عن الشاعر الايرلندي شيموس هيني الذي يرفض أن يقال عنه انه شاعر بريطاني· وعن ماريان مور واليزابيث بيشب صديقتها الحميمة وعن بليك أودن وجيمز أورن

اقرأ أيضا