الاتحاد

الملحق الثقافي

رحلات ترفيه وصيد فوق شواطئ أبوظبي

هواية صيد السمك·· لها موطن في أبوظبي

هواية صيد السمك·· لها موطن في أبوظبي

أكثر ما لفت انتباهي وشدني إليه في الأيام الأولى لوصولي إلى أبوظبي في بداية عام ،1971 كان البحر·· أينما اتجهت تجده·· فأبوظبي جزيرة كبيرة يربطها بالبر جسر المقطع فقط·· وقبل إنشاء ذلك الجسر كان الدخول والخروج من أبوظبي يتم إما بالمراكب·· أو بانتظار الجزر وانحسار الماء عن منطقة جسر المقطع بما يسمح بالمرور للمشاة ويسمى الجزر بالثبر، والمد بالسقي··

عشت عمري كله عاشقاً للبحر·· أنظم له القصائد·· وأقرأ ما نظمه الشعراء عن رقته وعنفه·· عطائه وغضبه·· أحفظ عن ظهر قلب قصائد كثيرة عن هذا العالم الرهيب وأدرك جيداً لماذا ارتبط الشعر بالبحر·· حتى أطلق الخليل بن أحمد الفراهيدي على الأوزان الشعرية اسم بحور الشعر·· كبحر الوافر وبحر الرجز وغيره·
فعن الوافر قال الخليل بن أحمد:
بحور الشعر وافرها جميل
مفاعلتن مفاعلتن فعول
وعن الرجز قال:
في أبحر الأرجاز بحر يسهل
مستفعلن مستفعلن مستفعلُ
ولم يكن غريباً أن يكون البحر في أبوظبي صديقي الذي لا أفارقه إلا مضطراً·· وأقضي أيام الإجازة كلها على شواطئه أو في أحضانه·
غنائم الصيد
أول زيارة قام بها والدي إليّ في أبوظبي وجدته يعد أدوات صيد السمك وينطلق مشياً على قدميه إلى شارع الكورنيش القريب من سكني في ذلك الوقت·· أكاد أزعم أن جميع المساكن كانت قريبة من البحر في ذلك الزمن الجميل·
لم تكن أدوات الصيد التي استخدمها ''رحمه الله'' إلا خيوطاً من النايلون متفاوتة الغلظ ومجموعة من السنانير متفاوتة الأحجام·· وهذا التفاوت في الخيوط والسنانير يرجع إلى حجم الأسماك التي تكون في منطقة الصيد المختارة·
كان ''رحمه الله'' يقضي الساعات الطويلة ويعود دائماً بصيد وفير·· جعلنا لا نزور سوق العمل إلا لشراء الحبّار الذي يستخدمه كطعم في عملية الصيد التي يطلق عليها اسم ''الحداق'' ولاحظت أنه لم يكن يستخدم العصا الطويلة أو القصبة·· بل يقوم بوضع ثقل في معدن الرصاص في الخيط وبطريقة تعتمد على التلويح الدائري شبيهة بعملية رمي القرص في الرياضات العالمية·· حيث كانت تمكنه من إرسال طرف الخيط والسنارة إلى مسافة بعيدة داخل البحر·· اكتشف الوالد ''رحمه الله'' فيما بعد، منطقة الميناء حيث كانت شركة اتحاد المقاولين (C.C.C) قد حصلت على عقد إنشاء ميناء أبوظبي المرحلة الأولى·
رافقت الوالد إلى المنطقة، لأرى المعدات الثقيلة تقوم بتغيير معالم البحر، وتلقي بالكتل الاسمنتية المسلحة في مياه البحر صانعة حاجزاً ممتداً داخل البحر لمسافة بعيدة··
كانت منطقة الميناء غنية بالأسماك، وخاصة الهامور والشعري·· أذكر أنه بعد قيام الشركة بعمل الرصيف الأول وكان داخلاً في البحر قائماً على أعمدة اسمنتية مسلحة متوغلة في قاع البحر اكتشف الوالد فتحة في وسط ذلك الرصيف تطل منها على البحر الذي لا يبعد سطحه عنها أكثر من خمسة أمتار·· أنزل الوالد خيطه الرفيع أولاً وهو يظن أن السمك الموجود صغير فقطع بعد ثوان فاستبدله بخيط أغلظ وسنارة أكبر وفوجئنا أنا وهو بسمكة هامور ضخمة·· وخلال أقل من نصف ساعة عدنا بعشرة هوامير من الحجم المتوسط والكبير وزعناها على الأصدقاء والجيران بكثير من الفخر والاحساس بالنصر·· عدنا في اليوم التالي إلى نفس الفتحة لنفوز بعدد أكبر من سمك الهامور·· في اليوم الثالث صدمنا بقيام الشركة بوضع غطاء على تلك الفتحة التي عثرنا من خلالها على ما يشبه الكنز·
الإبعاد من الميناء
كان العمل في ميناء أبوظبي يتقدم يوماً بعد يوم وكنت أنا والوالد نواكب هذا التقدم من خلال ممارسة هواية الصيد، والتي شاركنا فيها في تلك المنطقة عدد من هواة الصيد في ذلك الوقت والذين ارتبطنا معهم بعلاقات صداقة ظلت حتى الآن·· كان منهم على ما أذكر المرحوم جورج شوفاني الذي كان المصور الفوتوغرافي الوحيد في أبوظبي في ذلك الوقت، وأذكر كيف شعرنا بالحزن عندما جاء مهندس الشركة أيمن التاجي ليطلب منا بلطف ومحبة أن نبحث عن منطقة أخرى نمارس فيها هواية الصيد·· فالأعمال تقدمت في الميناء وصار وجودنا محفوفاً بالمخاطر·
لم يعجب هذا القرار والدي ''رحمه الله''، وطلب مني التوسط لدى مدير الشركة والذي كان أرمني الأصل لبناني الجنسية واسمه (كيفورك) لاستثنائه والسماح له بالاستمرار في الصيد داخل منطقة الميناء·· ولم يخيب السيد كيفورك رجائي ولكنه خصص له منطقة بعيدة نسبياً عن الرصيف ولم تنل تلك المنطقة رضا الوالد، مما جعله يترك منطقة الميناء كلياً وينتقل إلى منطقة أخرى قريبة من فندق الخالدية·
كان البحر يشدني إليه دائماً· لا لممارسة هواية صيد السمك فقط، بل للسباحة وقضاء وقت طيب مع العائلة على الشواطئ النظيفة والرمال الجميلة حيث نتناول الشاي والقهوة وأحياناً السندوتشات المعدة في المنزل مسبقاً·· ورغم عدم وجود اللوحات التي تدعو فيها البلدية إلى عدم إلقاء القمامة على الرمال كما تفعل الآن·· إلا أن جميع رواد الشواطئ في ذلك الوقت كانوا حريصين على نظافتها ولا يتركون حتى ورقة كلينكس خلفهم على الرمال·· كنت أرى بنفسي كيف يجمع أفراد العائلة بقاياهم في أكياس بلاستيكية لرميها في براميل القمامة الكبيرة التي كانت بلدية أبوظبي تضعها في أماكن لا تبعد عن رواد الشاطئ وبذلك حافظت شواطئ أبوظبي على أجمل صورة وأنظف رمال·
معالم الكورنيش
شارع الكورنيش كان ينتهي عند فندق هيلتون، ثم امتد قليلاً بعد بناء مبنى شركة بترول أبوظبي الوطنية ليعرج بعد المبنى إلى منطقة الوزارات وفندق انتركونتيننتال الذي لم يكن موجوداً في عام ،1971 وحتى مبنى وزارة البترول والثروة المعدنية التي انتقلت إليها في عام 1975 كمدير للعلاقات العامة والإعلام البترولي كان لا يبعد عن البحر إلا أقل من خمسين متراً·· وبعد بناء فندق انتركونتيننتال أصبح أقرب مبنى إليه·
عندما أمر هذه الأيام في تلك المنطقة·· أشعر بالحنين إلى تلك الأيام الجميلة·· والشواطئ العذراء التي كانت تدخل إلى قلوبنا السرور والسعادة ونحن نمارس فوق رمالها مع أطفالنا الذين كبروا الآن ألعاب كرة القدم وكرة المضرب والركض·· وكانت هذه النشاطات تنتهي دائماً بمعانقة البحر والاستمتاع بالسباحة في مياه تكاد ترى القاع من خلالها لشدة نقائها وصفائها·
عندما بدأت الجرافات تزيد رقعة الأرض حول فندق الخالدية والتي كنا نطلق عليها اسم اللسان الأخضر كنت أتساءل لماذا؟
ما أهمية كسب الأرض من البحر وإمارة أبوظبي تملك معظم مساحة أرض الإمارات مجتمعة إن مساحتها تصل إلى أكثر من تسعين بالمائة من مساحة دولة الإمارات العربية المتحدة·· الآن بعد أن أصبحت تلك المنطقة من أجمل مناطق العاصمة·· بل من أجمل مناطق السياحة في العالم أدرك كم كان المغفور له الشيخ زايد ''رحمه الله'' بعيد النظر ويعرف تماماً ما يفعل وما يخطط له·
إن قصر الإمارات المنشأ في تلك الأرض المكتسبة من البحر بحدائقه وشواطئه يعتبر بدون مبالغة من أجمل وأفخم المنتجعات السياحية في العالم·
في تلك الأيام كنا نشعر أننا نعيش في ورشة عمل لا تتوقف·· تمتد من جزيرة أبوظبي إلى مدينة العين شرقاً وإلى طريف والظنة والسلع غرباً·
لذلك كانت الشواطئ تمثل متنفساً نلجأ إليه حينما نشعر بالضيق أو الحاجة إلى التخفيف من الأعباء والمسؤوليات التي نحملها·· والشواطئ لا تقتصر على جزيرة أبوظبي بل إن الشريط الساحلي لإمارة أبوظبي يمتد لأكثر من أربعمائة كيلومتر·
وكنا في تلك الأيام لا نتردد في القيام برحلات فيها الكثير من المغامرات وبسيارات الدفع الرباعي إلى مناطق شاطئية بعيدة عن جزيرة أبوظبي شرقاً وغرباً·· ونقضي في تلك المناطق يوماً أو يومين بعيداً عن المدينة فنمارس هواية صيد السمك وننام في خيام صغيرة ننصبها قريبة من البحر ونستمتع باشعال النار وطبخ ما صدناه من الأسماك أو ما أحضرناه من اللحوم·
لا أعتقد أن تلك المناطق التي كنا نقصدها في ذلك الزمن، بقيت على حالها بلا سكان ولا عمران لأنني قمت قبل فترة قصيرة بمحاولة الوصول إلى بعض تلك المناطق فلم أستطع لأنها فعلاً أصبحت عامرة أو تقوم عليها مشروعات مختلفة·· كل شيء قد تغير·· ولكن لا تزال الصورة القديمة حية في الذاكرة·· وأعتقد أنها لن تموت بموتنا لأنها جزء لا يتجزأ من تاريخ الإمارات·· والتاريخ لا يموت

اقرأ أيضا