الاتحاد

دنيا

عروس المسنجر


سعاد جواد SUAD-JAWAD@ HOTMAIL .COM:
منذ ان لمست أصابعي مفاتيح عالم الانترنت وانا لا أكاد أفارق تلك الشاشة المشعة، لقد أضاءت عالمي الصغير وحولته إلى دنيا فسيحة واسعة الأطراف، ابحر معها إلى الاخرين، استعرض معهم أحاسيسي وأفكاري دون تعقيد وبوضوح تام·· على فكرة·· ارجو ان لا يساء الظن بي، فأنا لم استخدم هذه التقنية الساحرة لإقامة علاقات مع الشباب أو التحدث معهم، فأنا اعرف جيداً ان العلاقات التي تقام عبر هذا الخط تكون مبنية على الكذب والتزييف وليس لها أساس في الواقع·
اتحدث مع الصديقات اللاتي تعرفت عليهن من مختلف بقاع العالم، نتحاور ونتجادل ونناقش أمور الحياة المختلفة، وقد ساهمت بحمد الله مساهمة كبيرة في تصحيح الأخطاء المأخوذة عن الفتاة المسلمة في عالم الغرب، فهن يمتلكن صورة مشوهة عنا وقد استطعت اقناعهن بتعديل تلك الصورة وفهمها كما هي في الحقيقة بشكلها المشرق المقبول·
انا طالبة جامعية ولدي قدرة على التوفيق بين دراستي وهوايتي المفضلة في عالم الشات·
لم أفكر يوماً بإقامة علاقة مع الشباب، فأنا أخاف على سمعتي وأحذر كثيراً من تلك العلاقات التي لا توصل إلى نتيجة لصالح الفتاة وانما على العكس فهي تستهلك مشاعرها وغالباً ما تكون نهايتها الفضائح التي تضر بسمعة البنت كثيراً·
كنت حذرة جداً ومع ذلك فقد سمحت له بالتسلل إلى عقلي وفكري وان يسيطر على أحاسيسي كلها·
ندمت عندما اعطيته تلك الفرصة ندماً كبيراً لانني مخطوبة لابن خالتي وزواجي منه قريب·
ثم تحول الندم إلى سعادة بالغة حين عرفت الحقيقة التي أخفاها عني، انها حكاية عجيبة لا استطيع ان اصدق نفسي وانا أراجع أحداثها، لقد كان كل شيء كالحلم لا يمكن تصديقه ولكن هذا ما حصل فعلاً في حكايتي العجيبة·
كنت في السنة الجامعية الثالثة عندما تقدم ابن خالتي لخطبتي، وافق الأهل ولم أرفضه، لم اكن اعرف عنه الشيء الكثير، فالعادات والتقاليد لا تعطينا مجالاً للتعرف على الانسان الذي سنقضي حياتنا معه، حتى بعد ان يتم عقد القران ويكون من الجائز شرعاً ان نتحدث أو نتقابل أو نخطط لمستقبلنا، فإن العادات والتقاليد تقف حائلاً دون ذلك، فمن العيب كل العيب ان تتحدث الفتاة مع خطيبها قبل العرس·
عموماً فقد توكلت على الله وصليت الاستخارة وطلبت من ربي ان يوفقني لحياة زوجية سعيدة·
تقرر إقامة العرس بعد تخرجي من الجامعة، فرحت بهذا القرار فلست مستعجلة على الزواج الذي سيشغلني عن دراستي وعن هوايتي المفضلة·
طارئ جديد
في أحد الأيام وجدت أن أحدهم قد اضافني إلى قائمته، فسألته: ماذا يريد فأخبرني بانه يريد ان يتحدث معي، سألته من أين حصلت على إيميلي، فلم يجب، عندها قمت بمسحه من قائمتي بسرعة·
بعد مدة بسيطة عاد وأضافني إلى قائمته، سألته مرة اخرى ماذا يريد؟ قال: أريد ان اتحدث معك فقط ولا أريد شيئاً آخر·· حديث بريء بلا أية أهداف، سألته: وهل تعرفني؟ قال: لا، ولكني احس بانك انسانة جادة ومحترمة وانك تختلفين عن كل البنات في هذا الزمن، قلت له: أرجوك لا تستمر، فلست من النوع الذي يصدق مثل هذه الأساليب·· مع السلامة، انهيت التحاور معه ومسحته من قائمتي·
بعد أيام دخل مرة اخرى وصار يلح علي من أجل التحدث معه، فأخبرته بوجهة نظري وانني لا أحبذ التحدث مع الشباب لانهم لا يتعاملون مع أية فتاة ببراءة أبداً وانهم قادرون على اختيار الكلمات المؤثرة والعبارات التي تنخدع بها البنت، فتصدق أنه شعور حقيقي فتقع في المصيدة، كل ذلك نتيجة للحرفة والاحتراف في صياغة الجمل، وفي الواقع فهي ليست مشاعر حقيقية أبداً ولا تعني للشاب شيئاً سوى قتل الفراغ وكسب مغامرات جديدة يضيفها إلى سجله الحافل، صمت طويلاً ثم علق قائلاً: انا لست من ذلك النوع ولا أجيد صياغة الكلمات، وانا احتاجك في طلب المشورة والنصيحة، فأنا بصراحة مقدم على الزواج ولا أعرف شيئاً عن أفكار البنات وكيف يمكن كسب قلب الفتاة بسرعة·
فكرت قليلاً ثم قررت ان استمر في الحديث معه بعد ان اشترطت عليه ان لا يتجاوز الحدود وان يتحدث في نطاق اخوي بريء، وافق على ذلك وصرنا نتحدث في مواضيع مختلفة، طلب مني ان احدثه عن خطيبي، فقلت له: انه جميل ووسيم، وهو خريج جامعي وهو ابن خالتي ولا اعرف عنه شيئاً آخر غير ذلك، فهم يسكنون في امارة غير امارتنا، وكنت أراه في المناسبات فقط ومن بعيد، فالحقيقة هي انني خائفة جداً من خبايا الحياة الزوجية، لانني لا اعلم بالضبط ماذا يحب·· ماذا يكره؟ كيف يفكر؟ بماذا يحلم؟ لا أدري عنه أي شيء·
سألني لم لا تتحدثان سوياً، فأنتما مخطوبان وكتابكما مكتوب، فأنتما بحكم الشرع زوجان، قلت له: انها العادات والتقاليد فهي لا تسمح بذلك، وانت تعرف ذلك جيداً، فأنت أيضاً لديك خطيبة ولم يسبق لك التحدث معها ولا تعرف عنها أي شيء، وقد استعنت بي لتعرف كيفية تفكير البنات وأحلامهن أليس كذلك؟ قال: معك حق·· فعلاً هذا ما يحدث معي، فقد حاولت مراراً ان اتحدث مع خطيبتي ولكن الأهل منعوني من ذلك، وقالوا: بعد العرس ستكون هي ملك يمينك افهمها كما تشاء وكما تريد·
ماذا فعلت بنفسي؟
تدريجياً صرنا متقاربين فكرياً وصرت اعرف الكثير عن طباعه وأخلاقه وهو صار يعرف عني الكثير، فقد تحدثنا أحاديث مطولة عن جميع أمور الحياة وناقشنا الأفكار المختلفة عن نجاح الحياة الزوجية وطريقة التعامل الصحيحة بين الزوجين·
تمنيت بداخلي لو انني تعرفت عليه قبل ان يتم عقد قراني على ابن خالتي، ولكن ما الفائدة، انه هو أيضاً مرتبط بأخرى، يا لحظها السعيد إذ انها ستحظى بانسان رائع مثله، سألته عنها، فاخبرني بأنه سعيد جداً بالارتباط بها، فهي جميلة ورقيقة وكلها إحساس ومشاعر راقية، كدت أموت من الغيظ منها وصرت اتحاشى التحدث عنها ولكنه كان مصرا اصراراً كبيراً على ذكر سيرتها أمامي، ويتباهى بإصراره على الارتباط بها وإحساسه القوي بأنها ستسعده كثيراً، حديثه هذا كان يعيدني إلى صوابي فأطرد الأفكار الاخرى من رأسي·
كلما اقترب موعد زفافي كلما وجدت النار المحرقة تتأجج بداخلي ولهيبها يحرقني، ماذا فعلت بنفسي؟ لم اعطيته فرصة تملك قلبي دون ان أراه أو اعرف عنه شيئاً؟ ألم أكن من الرافضين لفكرة الحب عبر المسنجر؟ ألم أكن واعية للخراب الذي يتركه هذا النوع من الحب؟ ألم أعرف جيداً أن البنت عاطفية بطبيعتها وتتأثر وتعيش مشاعر حقيقية بينما الشاب لا يعبأ بكل ذلك، وانه ينسى كل شيء بسهولة؟ يا إلهي·· كم انا غبية، كيف سأتقبل حياتي مع خطيبي والاخر يسكن عقلي وروحي؟ انها مأساة حقيقية وضعت نفسي بداخلها وانا اعترف بانني انسانة غبية جداً·
الأيام تسرع والموعد يقترب، صرت أشعر بانقباض لا حدود له، قررت ان أوقف هذه المحادثات التي صارت تستنزفني، وبررت له بانني اجد انه من غير اللائق ان اتحدث معه وانا على وشك الدخول إلى عالم الحياة الزوجية، اخبرته أنني سأنقطع عن محادثته، تقبل الأمر بتفهم كبير ولكنه طلب مني طلباً واحداً فقط، وهو ان يحدثني قبل العرس بيوم واحد ليبارك لي وليودعني، وافقته على ذلك وانقطعت المحادثات بيننا·
أيام قاسية
مرت علي أيام صعبة قاسية، فقد انتابني احساس مؤلم وكأنني صرت وحيدة ومنقطعة عن العالم كله أجتر ألمي ولوعتي، صرت أبكي بلا وعي مني واتنهد بحسرات طويلة تكاد تحرق وجهي، شعرت بطعم المرارة في حلقي وكأنني أعاني من مرض عجيب، لقد كنت اعيش حياتي بهدوء شديد وبلا مشاعر مؤلمة، كنت راضية بنصيبي ولكن ما يحدث الان هو انني قد اصبحت انسانة تعيسة جداً، قلبي معلق في جهة وجسدي سيكون في جهة اخرى، ترى إلى أي مدى سيستمر عذابي؟ وإلى متى سأشعر بمثل هذه الاحتراقات في أعماقي؟ وما ذنب ابن خالتي؟ الانسان الذي اختارني لاكون له وحده، وهو يمني نفسه بعروس بلا تجارب تمنحه قلبها ومشاعرها وحياتها كلها·
قبل يوم العرس شاهد الجميع دموعي تنهمر بلا توقف، سألوني عن السبب فلم أجب، فماذا أقول؟ هل اخبرهم أنني كنت اتحدث مع شاب غريب لا اعرف عنه شيئاً؟ هل اخبرهم أنني قد احببته بجنون وانا لا اعرف حتى شكله أو أي شيء عنه؟ هل اخبرهم أن لدي إحساسا قويا بأنني مقبلة على الموت وليس على العرس والفرح؟ هل اخبرهم بأن من احببته كل هذا الحب هو انسان مرتبط وهو متلهف على عروسه لهفة شديدة، لا استطيع ان اخبر أحداً بكل تلك الحقائق، سكت وقلت لهم أخيراً: تلك الدموع هي دموع الخوف والرهبة من العرس، ومن مواجهة الناس وهم يتابعونني بنظراتهم أثناء الحفلة، ومن ليلة العرس التي ستجمعني برجل لم اتحدث معه من قبل ولا كلمة واحدة، ابتسم الكل بارتياح وابتعدوا عني بعد ان اعطوني ملاحظاتهم التي لم اركز عليها كثيراً·
هفوة حبيبي
تذكرت وعدي له بالتحدث معه قبل ليلة العرس، فركضت إلى الكمبيوتر وفتحته في الموعد المحدد، كنت اتمنى ان يقول لي بانه قد احس بنفس احاسيسي وانه سيتخلى عن خطيبته من أجلي وسيطلب مني ان نهرب سوياً إلى عالم بعيد لا يعرفنا فيه احد، كفكفت دموعي وابعدت تلك الفكرة وصرت اتحدث معه وكأن شيئاً لم يكن·
كان يحدثني بلغة التفاؤل والسعادة، يهنئني بالزواج ويبارك لي فيه ولكنه أخطأ في كلمة واحدة، حيث قال لي: ألف مبروك يا حبيبتي·· سكت ولم أجب مع ان الكلمة ضربت أعماقي ضربة مؤلمة، سكت ولم أجب فكررها مرة اخرى·· فكرت، كررها أيضاً فقلت له: ماذا تقصد بهذه الكلمة؟ فأنا لست حبيبتك، ان حبيبتك هي خطيبتك، الفتاة التي ستتزوجها قريباً، ألم تقل لي ذلك من قبل؟ قال: انت حبيبتي، وانت خطيبتي، وانت من سأتزوجها، فوجئت بكلماته وقلت له: هل تهذي؟ قال: انا لا أهذي أبداً، انت فعلاً خطيبتي وحبيبتي وغداً ستكونين زوجتي، انت ابنة خالتي الرائعة التي ستكون عروسي غداً إن شاء الله، لقد حاولت ان اكسب قلبك قبل ان تدخلي بيتي من أجل ان اضمن السعادة، سامحيني على ما فعلت ولكني كنت مضطراً لإخفاء الحقيقة عنك لانني خفت ان تصديني، وقد كان هذا نوعا من الاختبار لك، وقد نجحت فيه نجاحاً باهراً واثبت انك انسانة عاقلة وتعرفين كيف تحافظين على نفسك·
لقد اقتربت من عقلك وفكرك وأعجبتني شخصيتك كثيراً وأعترف لك بأنني قد احببتك حباً قوياً جداً وأعلم بانك قد احببتني أيضاً وهذا الشيء يسعدني للغاية·
سكت طويلاً وانا استمع إليه ثم قلت له وسط دموعي، سامحك الله كدت تقتلني من الغم والهم والإحساس بالذنب، الحمدلله·· الحمدلله·· يا الهي كم انا سعيدة، كم انا محظوظة، سأكون أسعد عروس في العالم إلى اللقاء غداً يا زوجي العزيز·
على فكرة لن أسامحك على ما فعلت بي وسأحاسبك على كل ذلك في المستقبل، فالعمر أمامنا طويل·

اقرأ أيضا