الاتحاد

رمضان

اغتيال الحريري صدمة ولفرنسا مكانة في قلوب اللبنانيين


باريس- الاتحاد- عياش دراجي:
كانت الصدمة هي التي تفاجأ بها الصحفي الفرنسي رومبير مينارغ الخبير بشؤون الشرق الاوسط لاغتيال رئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري لتشعل نار الفتنة في لبنان التي كانت كامنة في رماد الاستقرار الهش الذي ميز مرحلة ما بعد اتفاق الطائف·
وقضايا الوضع المعقد هناك، سورية الرقم الصعب في الخريطة اللبنانية، استقرار لبنان وعلاقته بالتوازنات الاقليمية، وايضا العلاقات الفرنسية اللبنانية المميزة، ابرز ما تناوله حوار 'الاتحاد' التالي مع مينارغ·
؟ السيد مينارغ: كونكم من ابرز الصحفيين الفرنسيين العارفين بملفات منطقة الشرق الأوسط والمتمسكين بعلاقات مميزة فيها، ما هي الفكرة او الشعور الاول الذي تبادر الى فكركم او شعوركم عندما سمعتم نبأ اغتيال الحريري؟
مينارغ: لقد شعرت أول الامر بصدمة كبيرة وقلت في نفسي: مسكين لبنان! وتذكرت كل الشخصيات السياسية التي راحت ضحية تفجيرات مماثلة، فوسائل التفجير أسلحة مرعبة، وقد كان بين تلك الشخصيات الرئيس رونيه معوض ورئيسا حكومة سابقان، كما كان بينهم الشيخ المفتي حسن خالد، ثم طرحت على نفسي: من يقف يا ترى وراء تدبير العملية؟ ولماذا؟ وكيف؟
منطقيا لتدبير عملية بذاك الحجم لا بد له من مشاركة نحو عشرين شخصا عملوا ربما طوال أسابيع أو حتى أشهر، وعملية كتلك تتطلب تنظيما محكما وكبيرا ولا يتم تنفيذها بسهولة، ولا بد أن أشير إلى أن في لبنان عدد كبير من خبراء ومهندسي السلاح، في أوساط كل الاحزاب السياسية اللبنانية، وأغلبهم مدربون في الخارج، ينتمون الى المسيحيين او الدروز او المسلمين، ولكن تورط هؤلاء أمر مستبعد، ثم ان العملية تتطلب تحضيرات ورصداً دقيقاً لموكب الحريري، وهو موكب أعرف انه دائما يتحرك وفي مقدمته سيارة خاصة مجهزة برادار على سقفها يشوش على كل الذبذبات في الاجواء القريبة، ويشوش حتى على الاتصالات الهاتفية القريبة من المكان، ما يعني ان جهاز التحكم عن بعد لا يمكنه أن يشتغل بشكل سليم قرب الموكب· اذن السؤال المطروح: هل كان جهاز التحكم مربوطاً بسلك رفيع مع المتفجرات أو كان التفجير ناتجا عن سيارة مفخخة او انتحارية؟ من المهم لنا ان نعرف الاجابة على هذا السؤال حتى نعرف او نحدد طريقة تنفيذ عملية الاغتيال ونعرف هل العملية انتحارية او سيارة مفخخة·
أما الفكرة الثانية التي تبادرت الى ذهني فهي الواقع اللبناني الداخلي وتعقيداته والوجود السوري المتداخل معه، وتذكرت اللحظات العاطفية التي قد تتملك كل اللبنانيين في هذا الظرف الجديد· من جهة سوريا من الممكن ان تكون وراء تدبير العملية ومن غير الممكن ايضا·
؟ من هو المستفيد مباشرة او غير مباشرة من تغييب الحريري؟
منارغ: اعتقد ان علينا الا نركز على الحريري كشخص بل على موقعه وعمله، فقط كان رئيسا للحكومة وكان ثريا ومؤثرا محليا واقليميا ودوليا وكانت له علاقات غربية، واعتقد ان كل الاطراف تسرعت في استبعاد فرضية ان يكون اغتيل على ايدي جماعات اسلامية متطرفة رغم تبنيها للعملية، فضرب هذه المجموعات لاستقرار لبنان من دون شك يولد بؤرة توتر جديدة تضاف الى العراق وافغانستان وهذا الوضع الجديد يعطي تلك المجموعات مثل القاعدة حرية التغلغل في لبنان·
فتلك المجموعات فشلت في التغلغل في سوريا والاردن، ولها وجود في السعودية وضرب الوضع الامني في بلد ما يسهل عليها ذلك واغتيال الحريري يخدمها بالتأكيد· وهنا اقول ماذا يمكن للاميركيين ان يفعلوا؟ ومجلس الامن ماذا يمكنه ان يفعل؟ يصدر أوامر؟ يرسل قبعات زرق؟ التحقيقات لم تكشف أي شيء لحد الان لذلك أي أحد يمكنه توجيه أًصابع الاتهام لمن اراد، فالبعض من يتهم سـوريا والبعض اسرائيل او أميركا ولكن كل هذه الاتهامات لا تجعلنا نتقدم في سبيل معرفة الحقيقة·
؟ المرحلة الممتدة من تاريخ استقالة الحريري وحتى يوم اغتياله ألا تتسم بالغموض؟
مينارغ: قبل 48 ساعة من اغتياله كان الحريري يتناول عشاءه مع وزير سوري سابق، في البقاع وكانت لديه دائما علاقات، وهو رجل حوار، ولم يتنح عن منصبه مطالبا بالانسحاب السوري ولكن احتجاجا على التمديد غير الدستوري لرئاسة ايميل لحود، وهذا الموقف أسهم في لم شمل المعارضة، والحريري كانت له اتصالاته من أجل أن يبقى لبنان في شرعية دستورية· فلنكن منطقيين، الانسحاب نحن نطالب به مثل كثير من اللبنانيين، ولكن ماذا لو خرج السوريون غدا؟ من سينزع سلاح حزب الله؟ وسلاح الميليشيات الفلسطينية؟ هل الجيش اللبناني بمقدوره ذلك؟ لا أعتقد؟ أم ان الاميركيين سيقومون بذلك أو الفرنسيون أو القبعات الزرق؟ إنه امر صعب ان نريد أشياء بعينها ونريد نقيضها في الوقت نفسه، عندما يتناول 1559 ضرورة استرجاع لبنان لسيادته، نتذكر ان السوريين قالوا انهم سينسحبون، ولا أدري لم الاستعجال في التدخل في أمر لبنان بهذا الشكل؟
؟ غياب الحريري ليس لمصلحة سوريا اذن؟
مينارغ: غيابه يسبب مشاكل لسوريا أكثر من المصلحة، وهو ما كان يسبب لها ازعاجا، حتى وان كان سيفوز سياسيا مستقبلا مثلا، لم يشكل أي ازعاج لسوريا وحتى لو كان سيفوز سياسيا فيما بعد فإن ذلك لا يبرر اغتياله·
؟ والمعارضة التي سارعت الى توجيه اصابع الاتهام الى سوريا هل لها ما ترتكز عليه ام مجرد المعارضة التقليدية؟
مينارغ: اتهام المعارضة لسوريا جزء من منطقها، فهي تعارض سوريا، ومنطقيا ان تتهمها للوهلة الاولى، هذا لا يعني اننا نغطي على حقيقة ان سوريا لعبت في السابق دور من يشعل النار ويحاول اطفاءها فيما بعد، وحساسية الوضع وتعقيده يجعل من الاولى للاطراف اللبنانية ان تلتف على الحدث وتتضامن مع أهله وترك مرحلة الحداد تمر ثم تراقب عن كثب التحقيقات وتدع المحققين يعملون وتفكر سياسيا في تبعات ما حدث؟
؟ هل يمكننا ان نستبعد الخلفية الطائفية عن ما حدث خاصة وأن الحريري سني وهو أقوى رئيس حكومة عرفه تاريخ لبنان الحديث؟
مينارغ: لم لا نقول ان المدبرين هو متطرفون من داخل طائفة السنة ذاتها؟، ببساطة واعتقد ان الخلفية الطائفية باتت بعيدة الان وتجاوزها الجميع بوعي، ثم ان طائفة السنة ليست متجانسة ولا تريد ان تستولي على السلطة بل تميل الى الحوار والتواصل مع بقية الطوائف، وبشأن اغتيال الحريري أنا ارجح ان المدبرين هم من الجماعات الاسلامية المتطرفة، ومثلهم موجود في العراق والسعودية وافغانستان، واذا كانوا هم فعلا وراء اغتياله فإن الامر خطير جدا لاسيما وان الجميع يهمل هذه الفرضية التي من المهم ان نفكر فيها!
؟ مثلما نتكلم عن سوريا عندما نتكلم عن الوضع الداخلي للبنان فإننا نتكلم عن فرنسا عندما نتكلم عن وضعه الدولي، ما هو في رأيكم دور الحريري ووزنه على خريطة العلاقات الثنائية بين لبنان وفرنسا
مينارغ: كان الحريري مركزا أو عنصرا مهما في تلك العلاقات لا سيما وقد كانت لديه علاقات مميزة مع الرئيس جاك شيراك، وفرنسا بطبيعة الحال كانت دائما تحتفظ لها بعلاقة مميزة مع كل لبنان حتى قبل عام 1960(أول تدخل فرنسي في لبنان، لاخراج المسيحيين من الجبل) وكانت فرنسا الى جنب لبنان أحيانا بطريقة تنقصها المهارة او حتى بطريقة عاطفية، وأعتقد انها ستستمر في رعاية هذه العلاقة، وليس صحيحا أن لها علاقة مميزة فقط مع المسيحيين اللبنانيين، والدليل ان الحريري كان مسلما سنيا·
؟ هل ترى ان فرنسا تسرعت مثلما تسرعت المعارضة حين اتهمت سوريا باغتيال الحريري؟؟
مينارغ: فرنسا حينما وقعت على قرار مجلس الامن 1559 تعتقد ان وزن سوريا في لبنان وزن مبالغ فيه لذلك طالبت برحليها من لبنان، وأنا واثق من فرنسا استنادا الى مكاسبها وفكرها السياسي ستحافظ على رزانتها وان لا تطلق العنان لعاطفتها وتنتظر تبين حيثيات عملية اغتيال الحريري، ولانه لا يوجد أي يقين بشأن الجهة المدبرة للعملية فعلى باريس ان تلتزم الحذر الشديد لان الامر يتعلق بمستقبل المنطقة كلها·
؟ ما هي امكانات اجراء تحقيق دولي كما طالبت باريس بحزم؟
مينارغ: استمعت الى تصريح وزير الخارجية، وهناك حظوظ في أن يتم اجراء تحقيق دولي حتى من دون اشراك اللبنانيين والسوريين، وأنا اتساءل لماذا لا يقوم العرب بالمشاركة في تلك التحقيقات فلبنان عضو في الجامعة العربية، لم لا؟ على أن يرسل مثلا كل بلد أفضل ما لديه في مجال الأمن ليسهم في اجراء التحقيقات، وأعتقد أن المشاركة العربية ستكون أمرا مشرفا للعالم العربي لان ما يحدث في لبنان يعني كل العرب دون استثناء، ولا يعتبر ذلك تدخلا، فحتى اليمن معني بما يحدث في لبنان لان استقراره جزء من استقرار المنطقة كلها· وطلب باريس اجراء تحقيق دولي يعني انها تعتبر الحكومة للبنانية الحالية من وضع سورية ولان سورية مشتبه فيها، فقد استدعى الامر حذرا فرنسيا في التعامل مع الحكومة اللبنانية، ثم علينا ان نقر بأن هذه الاخيرة لم تقم بجهد ينم عن استقلالية أو مباردة أو شجاعة سياسية·
؟ الاغتيال اذن يقوي الضغط الذي تمارسه باريس وواشنطن على دمشق؟
مينارغ: لقد قمت عقب سماعي للنبأ بالاتصال بمسؤولين سوريين وقد اعربوا لي كلهم عن أسفهم وشعورهم بأن ما وقع كارثة وأنا أصدقهم دون أدنى شك، ومن الواضح أن وشنطن في إطار سياستها في المنطقة تزيد من قوة الضغط الذي تمارسه على سوريا، ولكن الضغط يكون حقيقيا او واقعيا عندما تكون التهديدات التي ترافقه تهديدات مشروعة· ومع ذلك ماذا يمكن للاميركيين ان يفعلوا؟ يغزون سوريا أو يفرضون عليها حصارا؟ ثم ان مصلحة واشنطن في سوريا هي حماية النظام العراقي وأن تـُـنسي العالم احتلال اسرائيل لهضبة الجولان، وصحيح ان سوريا ما كانت يوما ما حملا وديعا بين الايدي الاميركية، ولكن هل ذلك يبرر الشدة معها؟ أعتقد ان الحل الحكيم هو البحث عن مدبري العملية، وأن تتواصل الضغوط على دمشق لتخرج من لبنان، مع امكانية الضغط على اسرائيل لتخرج من الجولان لم لا؟
؟ هل هذا يعني ان مهمة الاميركيين في المنطقة تزداد صعوبة؟
مينارغ: أكيد، لأجل هذا انا ارى ضرورة اجراء تحقيقات عربية توضح اكثر الامور، أي ان يتولى العرب لاول مرة تحقيقات بهذا الشأن، وأن تكون لهم الشجاعة لفعل ذلك·
؟ العلاقات اللبنانية الفرنسية ما هو مستقبلها؟
مينارغ: فرنسا ستواصل تعزيز علاقاتها مع لبنان لانه يبقى نافذة مهمة لها على العالم العربي، والسياسة الفرنسية العربية بدأت في لبنان، وكلنا نتذكر موقف شيراك قبل حرب الخليج وموقف ديغول في مواجهة اسرائيل، وفي مثل هذه الظروف على الجانبين عدم الانجرار وراء العاطفة بل التزام العقل، في مسألة التحقيقات والبحث عن المدبر الحقيقي·
؟ الحريري كان حلقة مهمة في هذه العلاقة وكسرت، فمن هي الشخصية المميزة الاخرى التي يمكن ان تخلفه؟
مينارغ: تقصدون العلاقة المميزة بين شيراك والحريري طبعا، لا أدرى ان كان شيراك له علاقة بنفس القوة مع اشخاص اخرين في لبنان ولكن المعلوم ان الكثير من السياسيين اللبنانيين يأتون الى باريس ولهم شبكات اتصالاتهم وعلاقاتهم هنا، مثل ميشيل عون وغيره، وكثيرون هم اللبنانيون الذين يلتقون في باريس لانهم لا يتمكنون من الالتقاء في بيروت، هذا أمر واقع أمس واليوم وغدا، ولها مكانتها في قلوب اللبنانيين وفي أجهزتهم السياسية ولا بد ان تحافظ هي على هذه المكانة، الان من سيخلف الحريري كرمز لهذه العلاقة ان استطعنا ان نطلق عليه صفة رمز لها؟، اعتقد لها مكان في قلب اللبنانيين وفي الجهاز السياسي اللبناني ولا بد ان تحافظ عليه، الان من سيخلف الحريري كرمز في علاقته المميزة بباريس، كرمز ان استطعنا ان نصفه بهذا الوصف، وأعتقد انه كان رمزا لنظرة لبنانية معينة الى فرنسا·

اقرأ أيضا