صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

اقتصاد المعرفة.. التحول الثالث في تاريخ تطور المجتمعات البشرية

مصطفى عبد العظيم (دبي)

رافقت «المعرفة» الإنسان منذ أن تفتح وعيه، وارتقت معه من مستوياتها البدائية مرافقة لاتساع مداركه وتعمقها حتى وصلت إلى ذراها الحالية، ورغم أن مفهوم «المعرفة» في نطاقه الواسع ليس جديداً، فإن الجديد اليوم هو حجم تأثيرها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وعلى نمو حياة الإنسان عموماً، وذلك بفضل الثورة العلمية التقنية، فقد شهد الربع الأخير من القرن العشرين أعظم تغيير في حياة البشرية، ألا وهو التحول الثالث أو الثورة الثالثة، على حد تعبير ألفن توفلر، الكاتب والمفكر الأميركي والمتخصص في مجال دراسات المستقبل، بعد الثورة الزراعية والثورة الصناعية وتمثّل بثورة العلوم والتقنية فائقة التطور في المجالات الإلكترونية والنووية والفيزيائية والبيولوجية والفضائية.

وكان لثورة المعلومات والاتصالات دور الريادة في هذا التحول، فهي مكنت الإنسان من فرض سيطرته إلى حد أصبح عامل التطور المعرفي أكثر تأثيراً في الحياة من بين العوامل الأخرى المادية والطبيعية. لقد باتت المعلومات مورداً أساسياً من الموارد الاقتصادية له خصوصيته، بل إنها المورد الاستراتيجي الجديد في الحياة الاقتصادية، المكمل للموارد الطبيعة.

وتكمن السمة المهمة لتأثيرات عصر المعلومات أو المعرفة في الاقتصاد، كونه المحرك الذي ميز مجتمع الثورة الصناعية، وكان التطور التكنولوجي الصناعي الطريق البديل لاستبدال البنى السياسية والاقتصادية القديمة وإقامة المجتمع الصناعي وبناء المجتمع المدني الذي شق طريقاً جديداً في التاريخ الإنساني، مقدماً كل يوم تطورات جديدة أذهلت معاصريه.

واليوم نسمي عصرنا بعصر المعلومات، لأن تكنولوجيا المعلومات سمحت ببناء الاقتصاد القائم على المعرفة Knowledge - Based Economy وهو اقتصاد يشق طرقاً جديدة في التاريخ الإنساني، ويقدم كل يوم تطورات مذهلة على الصعيد التقني، ويعرفه البنك الدولي بالاقتصاد الذي يحقق الاستخدام الأمثل للمعرفة واستثمارها بفعالية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ويعد مجتمع اقتصاد المعرفة الذي نعيشه اليوم، نتيجة التحول من مجتمع ذي اقتصاد صناعي يكون رأس المال فيه هو المورد الاستراتيجي إلى مجتمع ذي اقتصاد معلوماتي أو معرفي تشكل المعلومات فيه المورد الأساسي والاستراتيجي، حيث يرى بعض المحللين الاقتصاديين أن الحضارة الحالية تحولت من اقتصاد صناعي إلى اقتصاد معلوماتي.

وفي ظل اقتصاد المعرفة تحولت المعلومات إلى أهم سلعة في المجتمع، وقد تم تحويل المعارف العلمية إلى الشكل الرقمي، وأصبح تنظيم المعلومات وخدمات المعلومات من أهم العناصر الأساسية لاقتصاد المعرفة، وفي ظل هذه الظروف الجديدة لم يعد الاقتصاد معنياً فقط بالبضائع أي بالتبادل التجاري للمنتجات المادية، بل ازداد اعتماده على تقديم الخدمات، وبالتالي اكتسب الاقتصاد سمة جديدة وهي إنتاج وتسويق وبيع الخدمات والمعلومات.

من المحلية إلى العولمة

الاقتصاد المبني على المعرفة هو اتجاه متنامٍ نحو آفاق التكامل العالمي، وبالتأكيد لم يكن هذا الاقتصاد ممكناً لولا ثورة المعلومات والاتصالات، والعولمة اليوم نظام اقتصادي بالدرجة الأولى قبل أن تكون نظاماً سياسياً، وهو نظام معتمد أولاً وقبل كل شيء على ثورتي المعلومات والاتصالات، وقد يقال إن للعولمة بعض المظاهر الأخرى كالعولمة الإعلامية التي تحققت عبر الفضائيات والأقمار الصناعية والتبادل الثقافي الذي أصبح تبادلاً باتجاه واحد، وهو أقرب إلى الغزو الثقافي منه إلى حوار الثقافات، ولكن ذلك كله ليس سوى أحد مظاهر العولمة ومن نتائجها وأدواتها لبناء واستكمال النظام الاقتصادي العالمي المبني على المعرفة.

من التمركز إلى الانتشار

أتاحت تكنولوجيا المعلومات في عصرنا الحالي حق الاطلاع للجميع، وبدأت سلطة الشركات المركزية الصناعية الكبرى تتهاوى لصالح شركات التجزئة التي اعتمدت على قوة المعلومات التي تعالجها في قواعد المعطيات الضخمة، مما جعلها تفرض شروطها في النهاية على الشركات الاحتكارية.

من النمطية إلى التنوع

انتشرت طرق خطوط الإنتاج الكثيفة والإنتاج الضخم مع بدايات هذا القرن، وأصبحت نموذجاً يحتذى في التقدم الاقتصادي، فالاتجاه اليوم انقلب تماماً وأخذ مساراً معاكساً للإنتاج الضخم وخطوط الإنتاج الكثيفة، وأصبح هاجس الشركات اليوم الوصول إلى أكبر تنوع ممكن من المنتجات المطروحة في السوق، وبالتالي لا يمكن طرح أعداد كبيرة جداً من هذه المنتجات المتنوعة.

من الانغلاق نحو الانفتاح

كانت شركات الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين تسعى نحو الانغلاق، أي نحو إنتاج كل شيء ضمن أقسام الشركة، بما في ذلك توزيع المنتج وتسويقه، في حين يتميز اقتصاد العالم اليوم بقدرته على صنع السيارة أو الحاسوب أو أية آلة أخرى في أربعة بلدان مختلفة، ثم يمكن أن تجمع أجزاؤها في بلد خامس، حيث إن المنتج بشكله النهائي سيكون نتاج تعاون خمس شركات أو أكثر ضمن إطار شراكة تتخطى الحدود وتتخطى العقلية المركزية الضيقة.

دورة حياة المنتج

يتميز الاقتصاد المبني على المعرفة بأنه يعتمد على الصناعة المتنوعة التي تسعى إلى تخفيض عمر المنتج أو دورة حياة المنتج، فتحت ضغط المنافسة الشديدة يسعى المصممون إلى معرفة ردود فعل المستهلك فور توزيع المنتج الجديد، من أجل دراسة الملاحظات السلبية وتوجهات العملاء ورغباتهم، والإسراع بإنجاز تصميم جديد وإجراء التجارب اللازمة عليه، ومن ثم طرحه في السوق قبل أن يتمكن المنافسون من طرح منتجهم البديل.

الشراكة الاقتصادية

يتميز الاقتصاد المبني على المعلومات باعتماده على فريق العمل، لأن المنتجات الجديدة تنتقل من المصممين إلى المنتجين ثم إلى الموزعين، وأخيراً إلى العملاء، وذلك بكل سرعة ممكنة. ويشكل هؤلاء جميعاً فريق عمل واحداً، وإن كان متباعداً وموزعاً في أرجاء الأرض جميعها، وتسعى الشركات دوماً إلى زيادة سرعة العمل للوصول إلى دورة حياة منتج أقصر فأقصر بصورة متواصلة.

النظم المالية

عندما أصبح الإنتاج والتسويق عالميين بدأت الأموال تتحرك بسهولة وسرعة عبر الحدود، وقد نشأ عن ذلك تناقضات بين العولمة والنظم المالية الوطنية، مما يمكن أن يؤدي في النهاية إلى سقوط النظم المالية القديمة، ليصبح النظام المالي أكثر مرونة وأكثر قدرة على تلبية متطلبات الشركات، وعلى مواجهة الأزمات المحلية الصغيرة. وبالمقابل كلما صغرت الحواجز بين النظم الاقتصادية الوطنية أو ألغيت تماماً، فإننا نلاحظ نتائج سلبية واضحة لهذا الاتجاه، لأنه يذكي سعير المضاربات ويزيد من خطورة الانهيار الشامل.

نظام جديد لخلق الثروة

بمقدار ما تنمو أسواق رؤوس الأموال وتتواصل مع بعضها بعضاً من هونج كونج إلى طوكيو وباريس ونيويورك ولندن، فإن المال يجري بسرعة أكبر، إذ أن شبكات الاتصال الإلكترونية تتيح جمع أو توزيع مليارات الدولارات في ثوانٍ معدودة، وهكذا يتدفق المال بتسارع متزايد، وهو يتدفق بسرعة شبكات الاتصال نفسها، وبذلك تنتقل القوة المالية من يدٍ إلى يدٍ بسرعات متزايدة.

مصادر الثروة

كان رأس المال يشتري المعرفة العلمية ويوظفها في خدمة خطوط إنتاجه الكثيفة في المراحل السابقة جميعها بدءاً من الثورة الصناعية، أما اليوم، فإن المعرفة العلمية أو بعبارة أخرى (المعلومات) تحولت إلى مصدر من مصادر الثروة، ولعله سيكون أحد أهم مصادرها في القرن الحادي والعشرين، فقد ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين مجموعة من أقوى الشركات العالمية لم تستند في قوتها إلى أرصدتها المالية أو إلى موجوداتها المادية من بناء أو تجهيزات أو آلات، بل استندت إلى الكفاءة التنظيمية لدى الإدارة ومجموعة العلاقات والصلات والتطوير المستمر والإبداع والطرح المستمر لمبادرات جديدة.

النقد الإلكتروني

تتجاوز التغيرات البنيوية المعاصرة مجرد ظهور المعلومات كمصدر جديد للثروة والسلطة، فالتبادل النقدي اليوم بحد ذاته لم يعد سوى أرقام ورموز مسجلة على حواسيب الشبكات الدولية. وتبدو العملة الورقية اليوم وكأنها تسير بثبات نحو نهايتها المحتومة كعملة ثانوية إلى جانب أشكال النقد القديم: الذهب، الفضة، وإلى جانب أشكال النقد في الأزمان الغابرة كالنحاس والمرجان والتبادل العيني، فالنقد الإلكتروني ليس سوى مجرد تتابع دقيق للأصفار والآحاد تنقل من حاسوب إلى آخر عبر الشبكة الدولية.

القوة العاملة والبطالة

يشهد العالم منذ مشارف القرن الحادي والعشرين تطوراً مماثلاً في مجال الصناعة، فقد انتهت في الدول المتقدمة المهن الصناعية الخطرة والصعبة والشاقة، وتم استبدالها بآلات مبرمجة وعدد قليل من العمال يراقبون عملها، ولذلك نلاحظ توجهاً ثابتاً ومستمراً نحو زيادة عدد العاملين في قطاع المعلومات، وبالمقابل تقلص عدد العاملين في الزراعة والصناعة، وبالفعل فقد وصل عدد العاملين ممن يتصل عملهم بأنظمة المعلومات أكثر من ثلاثة أرباع القوة العاملة في الولايات المتحدة.

إن البطالة في مجتمع وعصر المعلومات مشكلة نوعية وليست كمية، فقد استطاع اقتصاد الثورة الصناعية أن يخلق سوقاً واسعاً للأيدي العاملة ينتقي منه ما يشاء، ويستطيع أن يستوعب عمال النسيج المسرحين في مصانع الأسمنت أو الحديد، لأن العمل لم يكن يتطلب سوى مقدار محدود من المهارات والكفاءة التي يمكن أن يكتسبها العامل الجديد بسرعة مقبولة، أما سوق العمل اليوم، فيتميز بالطلب على الأيدي العاملة التي تتمتع بمهارات وكفاءات وخبرات عالية وقابلة للتطور المستمر، فإذا لم يكن العاطلون عن العمل قادرين على التكيف مع هذه المتطلبات، فإن الأعمال الجديدة لن تتمكن من استيعابهم.

انتهاء ظاهرة التوظيف مدى الحياة

يشهد القرن الحادي والعشرون انتهاء عهد استمرار الفرد في عمل واحد لدى شركة أو مؤسسة واحدة طيلة حياته العملية، بل سنجد أن الكثيرين سيضطرون لتغيير وظائفهم ومهنهم وأماكن عملهم بشكل مستمر كل ثلاث أو خمس سنوات.

ومن المتوقع أن يزداد عدد المتعلمين الكبار أكثر من أي وقت مضى، ففي ظل عصر المعرفة ستكون الحاجة للتربية والتعلم المستمرين متطلبات جوهرية للحفاظ على قدرة الفرد على البقاء في الوظيفة، ولا يعني هذا أن التعليم في المدارس الثانوية أو الجامعات سينتهي، ولكنه سيكون متطلباً أساسياً ومستمراً أثناء حياة الإنسان العملية كلها.