الاتحاد

رمضان

فلسطين الجديدة يحكمها التكنوقراط


تشكل إقليما مع الأردن وإسرائيل
أحمد خضر :
اختلف الوضع داخل السلطة الفلسطينية في ضوء المطالب الأميركية لشكل ومحتوى الدولة الفلسطينية المفترضة، حيث صار المطلوب من هذه الدولة أن تتحول الى دولة ديموقراطية حسب المفهوم الأميريكي، وأن يتم تغيير هيكلها وشكلها السياسي والبرلماني والاقتصادي، أي أن تتوافق مع الشكل الذي تطالب به واشنطن ، وهذا النموذج لا يتناغم مع تنظيمات وشخصيات معينة، فعندما تكون هذه الدولة في حدود 1967 في حدها الأقصى من وجهة نظر السلطة، فإنها دولة مجزأة، ودورها أمني ليس إلا حسب الفهم الإسرائيلي فمعنى ذلك أنها تحولت الى حالة من الصراع الدائم على الأرض، ودلالة على ذلك ما يحدث من مظاهرات واعتراضات، وما تؤشر عليه حالة الاحتقان الأمني والسياسي، حيث يعمل الرئيس أبو مازن شخصياً على التهدئة من خلال الحوار المتواصل مع قيادات حماس والجهاد الإسلامي، وبقية الفصائل الفلسطينية·
تهدئة من أجل الحوار
وهذه الحالة من التهدئة، وعدم اللجوء إلى العنف، تتفق مع ما هو مطلوب أميركيا من السلطة الفلسطينية، التي يقودها أبومازن وبعض المسؤولين الفلسطينيين الذين يراهنون على أن العلاقات الحضارية الجيدة بينهم وبين الجانب الإسرائيلي، والحوار والعودة إلى طاولة المفاوضات هو أفضل وسيلة للتوصل إلى حل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي·
وفي اعتقاد بعض الأوساط القيادية الفلسطينية أن هناك تقاطعاً واضحاً بين ما تروج له الإدارة الأمريكية، وبين مطالب السلطة التي يقودها أبو مازن وقريع للوصول إلى الحقوق والدولة الفلسطينية، والحالة هذه جاءت ثمرة الانتخابات الرئاسية التي أتت بأبي مازن، والحالة الديموقراطية والجدل الصحي على الساحة الفلسطينية، ولكنها أيضاً بقايا العلاقات الناشئة مع واشنطن والقبول من الجانب الاسرائيلي، حيث أن هذا التيار الذي كان ينادي بوقف عسكرة الانتفاضة، مراهناً عليه ليكون بديلاً لعرفات، والأكثر من ذلك ضرب التنظيمات ( الإرهابية )، والقبول بأنصاف الحلول التي رفضها عرفات، وهذا لا يعني أن القيادة الجديدة ستقر بالمطالب الإسرائيلية وتتنازل عن الحقوق ، خاصة وأن مفاوضات عسيرة تنتظرها، وإسرائيل تطرح مطالب تعجيزية·
النموذج الأميركي
إن الرئيس أبامازن الذي هو مهندس أوسلو وأحمد قريع رئيس وزرائه وساعده الأيمن متفقان على تهئية المسرح السياسي، والدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، والقيادة الفلسطينية تسعى أيضاً لاستقطاب الموقف الجماهيري، والعربي ، ولا توجد لديهم أي ضمانات تذكر، لكن واشنطن تفتح ذراعيها للقيادة الفلسطينية الجديدة، التي تعلن تباعاً حسب تصريحات وزيرة الخارجية رايس أن أبامازن يعلن تباعاً أن الانتفاضة والعنف ضد إسرائيل كانا خطأ، وأنه سيحاول القضاء عليهما، لأن النموذج المطلوب للدولة الفلسطينية القادمة ليس النموذج الاسرائيلي، بل المطلوب هو النموذج الأميركي الذي ينبغي أن يكون حالة يجب أن تسوق في منطقة الشرق الأوسط، حتى نموذج شارون فان البعض يعتقد أنه مطلوب مرحليا لتفعيل الحالة السياسية في المنطقة بما يتماشى مع المصالح الأميركية·
دولة ديمقراطية
ان المسؤولين الأميركان وعلى رأسهم الرئيس بوش يعلنون صباح مساء أن هذه الدولة يحتاجونها، وهذا القرار يتناغم الى حد كبير مع المصالح الاميركية الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط ·
إن النموذج المطلوب من وجهة نظر واشنطن هو إقامة دولة ديمقراطية يستطيع الشعب فيها أن يحكم نفسه بنفسه ، وأن يعيش إلى جانب إسرائيل، هو نموذج دولة ديمقراطية حقيقية، ويجب أن يكون أنموذجا للديمقراطيات المفترضة في منطقة الشرق الأوسط، أي الديمقراطيات التي تستجيب للمصالح السياسية والأمنية الأميركية في المنطقة، وحتى تكون هذه الدولة مستجيبة بالكامل مع هذه الشروط لا بد أن يتدخل الأميركان فيها مباشرة، وقد طالب مارتن أنديك الذي كان سفيرا في اسرائيل في مقال له نشر في الواشنطن بوست أن تفرض أميركا وصايتها على المناطق الفلسطينية، وأن تبني أجهزة السلطة بشكل ديمقراطي حقيقي حتى تصبح الدولة الفلسطينية مثالا يحتذى به في منطقة الشرق الاوسط ·
نموذج جاذب
هذا هو السياق المطلوب لهذه الدولة من أجل أن تكون عامل جذب للجانب الاسرائيلي أولا، وللجانب العربي ثانيا، والمطلوب أميركيا أن تكون هناك علاقات مفتوحة أو شكل من أشكال العلاقات المتميزة الأردنية الفلسطينية الاسرائيلية كون هذه الأطراف الثلاثة تشكل اقليما اقتصاديا، هذا الاقليم الذي تسعى أميركا لتسويقه، ومن خلاله تسيطر على منطقة الشرق الأوسط أمنيا واقتصاديا وسياسيا، وتحقق بشكل عملي ردا على المحاولات الروسية الايرانية السورية المفترضة لقيام محور في مواجهة المصالح الأميركية ·
وفي الدولة الفلسطينية القادمة فان الطاقم الذي سيقود الدولة هو شخصيات شابة من فئة التكنوقراط ربما كنموذج ناصر القدوة وحنان عشراوي وسري نسيبة وصائب عريقات الذي يعتبر شخصية تفاوضية معروفة على المستوى العالمي ومن الشباب الفلسطينيين الأكاديميين الجيدين ، بل ان بعض الأوساط تقول إن واشنطن تطرح مروان البرغوثي نظراً لشعبيته الكاسحة في أوساط الشعب الفلسطيني، ولأنه كان ناطقا اعلاميا باسم الانتفاضة وكل ما ادعته اسرائيل بأنه المسؤول عن العديد من العمليات العسكرية محض أكاذيب ·
انتخابات شفافة
لكن ليس المهم هو المسميات، ذلك أن الأمور وصلت الى إجراء انتخابات رئاسية شفافة، يعقبها الانتخابات التشريعية بحيث يفرز الفلسطينيون من داخلهم قيادات شابة تدخل المجلس التشريعي، وهذا المجلس هو الذي يختار الحكومة التي ستقود دفة الأمور في البلاد، بمعنى أن الناس الذين سيقودون العمل السياسي هم من قطاعات الشعب، وستكون كل هذه الأمور منجزة خلال عدة أشهر، أما بالنسبة لبعض الوجوه التقليدية التي تريد أن تبقى في الحكم مدى الحياة، وكل الأسماء والمسميات والآباء، والمنتفعين، والمستوزرين والموسومين بالتطرف ، والاستبداد فإنهم راحلون، وتجاوزتهم المرحلة السياسية، وكل من يختاره الشعب هو الذي سيشكل الحكومة على قاعدة سياسية محددة، بمعنى المطلوب سياسيا وأمنيا واقتصاديا من هذه الدولة كجزء من اقليم الشرق الأوسط، أي لا يستطيع أحد أن يقول نحن دولة تريد أن تطرح برنامجا أمميا، أو حرب تحرير شعبية طويلة الأمد، لأن الكل سيتجمع ضد هذا الطرح ويطيح بهكذا حكومة التي تسعى عبر شعارات عبثية الى تدمير آمال الشعب الفلسطيني· ففي ظل الأوضاع الدولية الجديدة والعالم الذي تسيطر عليه أميركا لم يعد بامكان الفلسطيني أن يحلم كثيرا، هناك ناحية عملية مطلوبة من أجل أن يستجيب القادة الفلسطينيون الجدد حتى يستجيبوا لطموحات الشعب الفلسطيني وطموحات الاقليم، حيث ستؤثر هذه الدولة وتتأثر بسوريا ولبنان والأردن واسرائيل وحتى تكون بمستوى متطلبات الإقليم لا بد أن تكون دولة مختلفة، إذ لا يجوز بعد مئة سنة من الكفاح الفلسطيني ولادة دولة مسخ، أو دولة مشوهة، وغير مسموح للجانب الاسرائيلي أن يأخذ حقوق الفلسطينيين على المستوى المطلبي اليومي الحياتي عبر المفاوضات، حيث يقومون بتجزئة الدولة وتحويلها الى كانتونات، وهو ما عبر عنه بوش نفسه حين وصف تلك الدولة بأنها ينبغي أن تكون متصلة حتى تتمكن من البقاء، بعد مئة سنة من النضال لا يجوز أن تتحول الدولة الى اقطاعيات سياسية أو عشائرية، المفترض أن تكون دولة بالمعنى الكامل لمصلحة الشعب الفلسطيني، من أجل طموحاته الوطنية، ومتطلباته اليومية والحياتية على كل صعيد، بعد مئة سنة يجب الا يسمح الشعب الفلسطيني أن تكون هذه الدولة دولة الفرد الواحد، أو دولة ديكتاتورية، كائنا من كان الرجل الذي يقف على رأس النضال الفلسطيني عظيما أو رائعا أو بطلا، يجب الا يسمح له بأن يكون صاحب القرار رقم 1 والقرار رقم ،100 بل دولة مؤسسات، وإذا لم تتشكل قيادة مناسبة لمصالح الشعب الذي تقوده فان النتيجة الطبيعية لهذه الدولة أنها ستغرق في الديون وفي المشاكل السياسية مع الجيران والقلاقل الداخلية وبالتالي الى العدم ·
تكنوقراط سياسي
إن خطوة أبوعلاء بتشكيل وزارة تكنوقراط ومن خارج المجلس التشريعي هي إنهاء لأزمة داخلية في هذه المرحلة، حيث انقسمت حركة فتح التي تسيطر على المجلس إلى قسمين، ومن هنا كان لا بد من الخروج من عنق الزجاجة، لكن هذا التكنوقراط يؤخذ عليه كذلك بأنه سياسي، وليس تخصصياً، بمعنى أن أغلبية الأعضاء من حركة فتح أو المتعاطفين معها، ولا تتمثل فيها سوى ثلاثة تنظيمات مع أنه كان بالإمكان أن تتشكل عبر إطار وطني أوسع ·
الواقعية الفلسطينية
لكن هذه الحكومة موجودة في خضم واقع صعب تشتبك فيه القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية، والمطلوب منها إبراز الموقف الفلسطيني التفاوضي الواقعي، والسعي الحثيث للمطالبة بالحقوق على المستوى الإسرائيلي والأمريكي والدولي، وتنفيذ المطالب اليومية الملحة للسكان، وتهيئة المناخ للانتخابات التشريعية القادمة، وعلى رأس الأولويات المحافظة على الأمن والهدوء وضبط فوضى السلاح ·
وهذا التحليل بطبيعة الحال مفرط في التفاؤل، ويعتمد على حسن النوايا من قبل القيادة الفلسطينية، لأن هناك انحيازاً أميركياً كبيراً لإسرائيل، وواشنطن مستعدة لقبول المبررات الإسرائيلية بخصوص الجدار، والمستوطنات، وتعديل الحدود، واللاجئين، والقدس، والقيادة الفلسطينية التي وافقت على خارطة الطريق، وثمنت عالياً طرح بوش لدولة فلسطينية وهو أول رئيس أميركي يرفع هذا الشعار، لا تملك سوى أن تتفاءل فيما الأرض تميد من تحت أقدام الفلسطينيين في الأرض المحتلة التي يملؤها الإسرائيليون بالمستوطنات والطرق الالتفافية، لربط المستوطنات مع بعضها ، هذه الطرق الأكبر مساحة من مدينة مثل القاهرة كما قال عنها ادوارد سعيد، والمحرم على الفلسطينيين السير فيها·

اقرأ أيضا