الاتحاد

رمضان

سياسيون ومفكرون: الحياة على فوهة زلازل الفاقة والجوع! والأمراض


عواصم - الاتحاد خاص:
حين حدث الزلزال في ذلك الجزء من آسيا، أين كان الآخرون؟ للتو·· ائتلاف دولي لانقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن هل هذا ما تحتاجه البشرية فعلا؟
حين انحسر الزلزال المائي ، ظهر على الطبيعة، ذلك النوع الآخر من البشر الذي يجعل الكاتب الألماني غانتر غراس يقول: إننا متورطون في ثقافة النسيان وفي ثقافة العدم·
أجل متورطون، والمخرج الشهير فرنسيس فورد كوبولا يرى اننا بحاجة إلى ائتلاف أخلاقي وفلسفي أكثر من حاجتنا إلى ذلك الطراز من الائتلاف لوجود خلل في العلاقات بين الإنسان والإنسان·
زلزال في التشكيل الجيولوجي للطبيعة، ولكن ألسنا بحاجة إلى زلزال في التشكيل الجيولوجي للكائن البشر؟
بين سريلانكا والمريخ
نصبح بشراً حين نكون موتى· هذه الصرخة للزنجية الأميركية توني موريسون الحائزة على جائزة نوبل في الآداب، هل فعلاً انها تضيء واقع الأوديسه البشرية، خصوصا في هذا الوقت بالذات، وحيث يشعر الواحد منا أن جزءاً من الإنسان الذي فيه يتفكك لمصلحة الجانب البربري من العصر·
بين كبار المفكرين في العالم، ثمة من يقول ان زمننا الراهن هو بين كل الأزمنة، الأكثر اهتماماً بالإنسان، منظمات لحقوق الإنسان، هيئات للرصد السياسي والاجتماعي والثقافي، كاميرات تلفزيونية تلاحق الثغرات في أداء البشر (باتجاه الآخرين)، لاسيما أداء السلطة، وسواء كانت هذه سياسية أم مالية، ومع هذا نقرأ للمفكر السويسري جان زيغلر: كل ما نفعله الآن هو للحد من الانحدار، لا ندري إلى أين ننحدر، ولكن بالتأكيد إن الإنسان يضيع···
الزلزال المائي فتح العيون· أين هي الامبراطوريات؟ وأين هي الأدمغة؟ وأين هي التكنولوجيا؟ يسأل زيغلر: لا شك أن المسافة بين أميركا والمريخ هي أقرب بكثير من المسافة بين أميركا واحدى قرى سريلانكا·
ذلك النوع من البشر
كثيرون كتبوا في المناسبة: هل كان الزلزال ضرورياً لكي يكتشف القياصرة انه لايزال هناك ذلك النوع من البشر· للتو تم تشكيل ائتلاف دولي لتقديم المساعدات· إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ربما بعد فوات الأوان· لكن المشكلة ليست هنا، الطبيعة رفعت الغطاء، ثمة حقائق مروعة لا تصل إليها الكاميرات، ثمة بشر يعيشون تحت خط البشر، فكيف ينظر الأدباء والقانون والمفكرون لما حدث؟
فرنسيس فورد كوبولا، المخرج الأميركي الشهير الذي وضع الاكوليبس الآن أو الرؤيات الآن في تلك البانوراما القاسية (والرؤيوية) حول الحرب في فيتنام، يعتبر انه إذا ما استمر التجاهل الراهن لتلك الحالات البشرية المبعثرة في آسيا وأفريقيا، فإن الكرة الأرضية ستكون أمام زلزال من نوع آخر·
في نظره، ان الضمير البشري يتحلل بفعل الضغط الثقافي الراهن، الثقافة ذات البعد الانتروبولوجي بطبيعة الحال، هنا ثقافة الاستهلاك التي تنزع من الكائن البشري، تدريجاً، تلك الرغبة في التأمل، اننا، وببساطة، مجتمعات لا تتأمل، ليلاحظ أن هناك في الولايات المتحدة نزعة للالتحاق بالقبالاه (الصوفية اليهودية الحلولية) والبوذية والزرداتشية والهندوسية، أي أن ثمة بحثاً عن الانسان الآخر بعدما تكثفت الحالة الخشبية داخل كل منا·
المسألة لا تحتاج إلى إئتلاف عملاني للمساعدة بواسطة علب الحليب، والأدوية، والمواد الغذائية، بل انها تحتاج، في رأي فورد كوبولا، إلى ائتلاف أخلاقي وفلسفي من أجل ضبط العلاقات في العالم وعدم ترك الأمور للعشوائية وللفظاعة·
اختلال بين الإنسان والزمن
هذه ليست دعوة مثالية لاقتناعه أن الواقع يضغط، في أكثر من مكان ضربه الـ تسونامي ظهر الاختلال في الربط بين مجتمع ما والزمن الراهن· ماذا يحدث حين يكون هناك اختلال بين الإنسان والزمن؟ هذا لا يعني الأباطرة الذين أخذوا بالاعتبار انه لابد من وجود مستوطنات القاع· لا يستغرب هذا رجل مثل روبرت كاغان الذي قال: نحن الأميركيون أبناء الزهرة، الآخرون أبناء المريخ·
تعقيب المخرج الشهير عاصف على هذا الكلام: إنني أميركي، إنني بشري، وأرفض أن أكون ديناصوراً·
زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر وأحد الباحثين المستقبليين البارزين، لا يتوقف كثيراً عند الجانب الأخلاقي من الحدث· هذا لأن التاريخ (مع أن الجغرافيا هي التي فعلت ذلك) يفرغ بين الحين والآخر ما في جوفه· ما علاقة التاريخ هنا إلا إذا كان القصد- وهو ما يعنيه- ان الأمم والمجتمعات لا تحاول تطوير علاقاتها، وبالصورة التي تضمن المعالجة السريعة والحاسمة لأي كارثة· لقد قتل نحو 150 ألف شخص، عشرات الآلاف سيموتون بتأثير الجوع أو البرد أو المرض· هذا يبدو بمثابة فائدة على ذلك الدين الراعب الذي رتبته الطبيعة على أناس يفترض أن يكونوا الأقل إفادة منها·
هؤلاء المعوزون، المحطمون، لم يفعلوا أي شيء يمكن أن يثير غيظ الطبيعة، كثيرون منهم يمشون حفاة، وكثيرون منهم يستخدمون الحطب أو روث الحيوانات المجفف من أجل إشعال النار، بدائيون ورائعون، قد يكونون سمعوا بأن قاذفات القنابل أو الصواريخ أو الدبابات يمكن أن تصنع ذلك، أما ان تكون البحار هي المسؤولة عما حصل، فهذا لم يكن بإمكانهم تصوره، فالكثيرون منهم يعتاشون مما تأتي به الزوارق البدائية التي تجوب المياه بحثا عن الأسماك وليس بحثاً عن اللآلئ·
بريجنسكي يقترح إنشاء قوة دولية للتدخل السريع في الكوارث· يقول انه طرح مثل هذا الاقتراح في النصف الثاني من السبعينات، ولكن يبدو ان الكثيرين في العالم الصناعي كانوا يعتقدون ان الطبيعة دخلت في الغيبوبة الكبرى: كيف يمكن أن يكون هناك من يفكر بهذه الطريقة، إننا محكومون بذلك القدر الجغرافي الذي لا يعرف أحد إلى أين يذهب بنا·
إذا هوى القمر
المفكر الفرنسي رجيس دوبريه يذهب، في خياله، إلى أبعد من ذلك: إننا نعيش في ظل نظام كوني لا نعرف سوى القليل جداً عن آلية عمله، في لحظة ما قد يحدث خلل في عمل هذا النظام، ماذا لو ان القمر أفلت فجأة من مكانه وهوى باتجاه الأرض، هذا يمكن أن ينسحب على أي كوكب آخر· لكن المشكلة ليست هنا، فالحديث عن نهاية مفاجئة للبشرية قد يستعمل لتبرير التلكؤ· حقا إننا نخون البشرية حين نقول هكذا، ما أود قوله هو ان ثمة مناطق من العالم مهددة بكوارث من كل نوع· الآن كولومبا أو سومطرة وغداً سان فرنسيسكو أو موناكو· لا أحد يمكنه التكهن· حتى أن أنظمة الانذار المبكر ماذا تستطيع أن تفعل حين لا يكون هناك سوى بضع دقائق على الانفجار الجيولوجي؟·
يقول دوبريه ان ردات الفعل العاطفية كانت محدودة، ثم كاهن في بطرسبرغ قال للذين حضروا قداس الأحد ان عليهم أن يقدموا صلاتهم من أجل أولئك المعذبين الذين تربطنا بهم علاقة القلب· هذا كلام رائع فعلاً· العالم بحاجة إذاً، وبالدرجة الأولى، إلى اعادة تأهيل علاقات القلب· لكن النصوص المقدسة تقول ان الصراع بدأ منذ الخطوة البشرية الأولى، قابين قتل هابيل بحجر· البشر بدوا دائماً وكأنهم ورثة ذلك الصراع، النصف ضد النصف الآخر، متى يشكل النصفان واحداً؟
كسل في الحالة الإنسانية
دوبريه يعتبر ان ثمة كسلا في الحالة الإنسانية· صحيح ان العصر راح ينطلق بسرعة تفوق التصور، لكن هذا لا يبرر السكينة أو الاستكانة، يفترض أن يعمل الإنسان كي لا يكون هناك سكان أكواخ· في الهند ظهرت عائلة من الهياكل العظمية· ماذا يربط هذه العائلة بدورة الحياة؟ رغيف الخبز· يصرخ دوبريه، إذ يفترض بالمجتمعات ان تكون تجاوزت منذ سنوات، أو منذ عقود، قضية الخبز، ليضيف: هل شاهتم كيف يتلقف الضحايا صناديق المساعدات؟ الطبيعة تقتل، البشر الذين في الأعلى هم الذين يتولون عملية الانقاذ، يا للمهزلة···
النجمة الايطالية مونيكا بيللوتشي تقول انها أجهشت في البكاء، عندما رأت المشهد· لم تكن تتصور أن الماء يمكن أن يصنع الحرائق أيضا· حدثت حرائق مائية في مئات القرى وقضى الآلاف· هذه صورة لابد أن تعذب امرأة مرهقة مثل مونيكا التي تضيف انها أجرت اتصالات بفنانين من بلدان غربية عدة، وأن هذا الفريق سيقوم بجمع التبرعات كي يثبت الفرد البشري انه مع الفرد الآخر، دون أن تتفرد الدول أو المؤسسات بتقديم يد العون·
في رأيها اننا كلنا مسؤولون، باستطاعة أي واحد منا أن يصوم يوماً واحداً من أجل أولئك المعذبين· حصيلة ذلك اليوم البشري تدفع للضحايا· مونيكا تؤكد أن الدعوة ستكون للجميع، يفترض أن يتجاوب مليار بشري، الكل سيساعد على جمع المال، هذا لأن إنسانيتنا بحاجة إلينا، إذا لم نبادر، فلاشك اننا نغدو في مرتبة الذئاب، أرفض أن أكون ذئبة وأسكت، سأفعل كل ما في وسعي لكي أجعل الآخرين يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم في ذلك المكان·
تطور الجيولوجيا البشرية
وول سوينكا ، النيجيري، الحائز على جائزة نوبل في الآداب، يلفت إلى طراز آخر من الزلازل: أليس الايدز زلزالا؟ أليست الفاقة زلزالاً؟ أليس الخراب الذي حدث في الحلم زلزالا؟ إنه يتعاطف مع الضحايا الذين ما برحوا على قيد الحياة، ليسأل: ماذا نكون قد فعلنا حين نعيدهم إلى وتيرة الحياة اياها؟ هل هذه حياة فعلا؟·
سوينكا يعتبر ان الزلزال الاقتصادي (والفلسفي) الذي أحدثه التطور في الجيولوجيا البشرية جعلنا نذهب أبعد وأبعد في الخطيئة، ليضيف اننا بحاجة إلى ذلك الزلزال الآخر الذي يعيد ترتيب القيم، إنه ينصح بإعادة قراءة النصوص المقدسة بصورة أدق: لتكن قراءة أفقية هذه المرة، ولسوف نشعر كما ان الإنسان- حين يكون إنساناً- يمكن أن يكون مفيداً للإنسان·
الكاتب النيجيري يخشى أن تموت لحظة الكارثة فينا، قد يكون بالإمكان الرهان على صدمة ما خارج الضجيج الإعلامي: أتصور انه لايزال هناك في داخلنا ذلك الشيء الذي يمكن أن يغير أي شيء· هل يستطيع الأدب أن يفعل شيئا؟ الحقيقة انني فكرت في لحظة ما اعتزال الكتابة لأن الروح البشرية تبدو لي وكأنها جهزت على نحو حديدي لتدفع الأحاسيس بعيداً· الحاجة ماسة إلى إجراء اصلاحات بنيوية في الروح· كيف؟ يرى أن هذا ليس من مصلحة الكهنة وحدهم، بل انها من صلاحياتنا جميعاً، حتى الآن لانزال نمشي على قدمين، لم يحدث التحول في الجسد البشري، وإن أصبح أكثر هشاشة بفعل الضغوط المادية والبيئية والنفسية· إذاً، بالإمكان، ثانية، الارتقاء بالروح·
ثقافة النسيان
الكاتب الالماني غانتر غراس الحائز بدوره على جائزة نوبل في الآداب، يهزأ من قارعي الطبول في الجنازات الكبرى· في نظره ان ثمة تصدعاً آخر حدث، ولكن في الحالة البشرية: لقد نظرت في المرأة ولم أعثر على وجهي· إنه الشعور بالعار حيال آخرين: إننا ضالعون بل ومتورطون في ثقافة النسيان، ولكن أين ترانا نكون حين لا يكون الآخرون هناك؟·
هذا كل ما يحدث: على نحو احتفالي يمشي الأباطرة في جنازة أولئك الذين يمكن وصفهم دون تردد بأنهم مواطنو العدم: أيضا متورطون في ثقافة العدم·
لا تتحدثوا أمام الأديب الألماني عن الخلاص لأن البشرية، في نظره، تندفع نحو الخواء مادامت الدول الكبرى لاتزال تتبارى في حيازة الترسانات الهائلة: حين يكون هناك من يعيش في ظل تلك الارمادا، هل يمكن أن يفكر بالطريقة التي يريدها الله؟·
سؤال رائع، ليلاحظ أن هناك نقصاً في الروح، كيف يمكن معالجة هذا الوضع؟
غراس يرى ان ما حدث في تلك المناطق الآسيوية كان هائلاً· الماء تحول إلى حيوان اسطوري وراح يبتلع كل شيء: نوع من هيروشيما مائية، كل شيء تحول إلى خراب: الأشجار بدت حزينة، الأوراق وهي تتناثر بدت وكأنها الدموع، كانت الطبيعة قاسية، وظهرت كما لو انها تثأر منها· تثأر ممن؟ إنني أعتذر حين أقول أن الماء راح يفتش عن المعذبين ليدفع بهم إلى خارج هذه الحياة التي قد لا تستحق·· الحياة!
أورينت برس

اقرأ أيضا