الاتحاد

الإمارات

الشجرة.. نصوص كتبتها سِيَر الشعوب وبوح الأرض

شجرة الرمان

شجرة الرمان

غالية خوجة (دبي)

منذ الأزمنة القديمة وللشجرة مكانتها الرمزية لدى مختلف الشعوب ومختلف الحضارات، ذكرتها الخرافات والأساطير والملاحم والحكايا الشعبية والقصائد، باعتبارها شجرة الحياة، وشجرة العائلة، وشجرة الوراثة، وشجرة الصمود فـ«الأشجار تموت واقفة»، و«شجرة الموت سدرة المنتهى»، وتعتبر الأشجار وبمفهوم ما حالة انتمائية، تتشكّل مع الموروث الثقافي بأشكاله المختلفة لتظل امتداداً في المعاصِر الثقافي المتنوع، الواضح كرموز أسطورية ووطنية ومحلية وتراثية في مختلف الأجناس الأدبية، وأولها الشعر، وفي مختلف أشكال الفنون ومنها الرسم والتشكيل والتصميم.

تقويم بيئي ذكي
تتميز الصحراء العربية، خصوصاً في الإمارات العربية المتحدة، منذ القدم، بطبيعة مميزة ومختلفة، تتلألأ بعراقتها كثيمة جمالية عميقة ممتدة في هذه الأرض الطيبة، ومن عناصر هذه الطبيعة الأشجار المختلفة، وأهمها وأندرها شجرة الغاف المضادة للتصحر، التي تمتد جذورها مسافة (50) متراً في الأرض باحثة عن المياه لتستمر في الحياة، وهذه الشجرة التي توجد في دبي بكثافة، تعتبر رمزاً للبيئة والطبيعة والحياة في الإمارات، كونها شجرة مفيدة للطقس والتربة، وترمز للصبر واللا مستحيل، إضافة إلى سرعة التأقلم مع المتغيرات، كونها شجرة تعرف التكيف مع البيئة المحيطة، لذلك تعتبر أكثر أنواع الأشجار المقاومة للحرارة، المثبتة للرمال المتحركة، الكاشفة عن المياه الجوفية، الصامدة أمام الرياح، المعطاءة لأنها تتكاثر بسرعة، وظلالها وارفة، وأوراقها تمتص الرطوبة، وثمارها مفيدة كأخشابها تماماً، وتسقط ثمار الغاف مرتين في السنة، وكأنها تمر برحلة الشتاء والصيف، كما أن ثمرتها تتألف، غالباً، من 12 قرناً وكأنها تذكرنا بعدد شهور السنة، مما يمنحها جمالاً إضافياً، أقرب إلى الفصول والساعة البيئية الأرضية الطبيعية.
وربما، ولأن الإنسان ابن بيئته، غالباً، نجد أن هناك تقارباً روحياً بين تضاريس المكان وكائناته والإنسان الذي ينتمي لهذا المكان، ولذلك نجد أن شجرة الغاف رمز جمالي خاص في الإمارات، تليها أشجار أخرى، مثل شجرة «السمر»، ولذلك اهتمت الدولة بإنشاء محميات طبيعية، وحدائق ومتنزهات وفضاءات لرموز بيئتها التي تكملها العناصر الأخرى مثل الصقور والبحر والجبال والسفن واللؤلؤ.

علامة التجدد والصداقة
يشتهر الكرز في اليابان كرموز ودلالات متفتحة تبدأ من اسمها بالياباني «ساكورا»، لتمنح الوجود رائحته وألوانه الجميلة كألوان أزهار الكرز وهي تنطلق مع شهر فبراير كل عام، ويعتبر الكرز رمزاً للمحبة والتضحية والإخلاص، ولذلك له مواسمه وطقوسه في اليابان، وتتنوع توظيفاته في المطعم الياباني بين أوراق وأزهار، كما تتنوع في المنتجات الطبية مثل «الكريمات» الطبيعية، والصابون، وتصنع منه العطور المميزة أيضاً.
وتعتبره اليابان هديتها الثمينة التي قدمتها للولايات المتحدة عام 1912، 3000 شجرة كرز، كما أهدت 2000 شجرة للصين لتوطيد علاقة الصداقة بين الشعبين، ولأن الكرز رمز وطني وشعبي مميز، فإن اليابانيين يبدعون في الاحتفاء به، فهو حاضر في عملتهم المعدنية، ولباسهم الفلكلوري، ومنها «الكيمونو» الأشهر، وحاضر في أطباقهم، ومفروشاتهم، وأعمالهم الفنية، وهو تاج على رؤوس النساء اليابانيات، وله ذاكرة مرتبطة بقوة بالمحاربين القدامى الذين دافعوا عن بلادهم في حروبها، فرسموا أزهاره على ثيابهم.

أسطورة البقاء
وإضافة لشجرة الغاف، نجد أن الإمارات وبعض الدول الأخرى، تتميز بأشجار النخيل المعمرة، المباركة، المذكورة في الكتب السماوية، الشامخة، المرتفعة، الدالة على العطاء والتسامح والصبر والتفاعل المشترك بين الناس، والتعاون الاجتماعي، ومعروفة ثمارها متكاملة العناصر والفيتامينات، وكيف تصبح بلحاً وتمراً وشراباً ومعجوناً، وكيف يدخل زيتها في الصناعات المختلفة، وكيف يتم تصنيع الأشياء الحياتية اليومية الفلكلورية والمعاصرة، فمن أليافها تصنع الحبال، ومن جريدها تصنع الكراسي والسلال ومن أوراقها القفف والأطباق والقبعات الشعبية.
ومع تطور دبي المدينة الذكية، نجد أن النخلة الذكية نخلة معاصرة بشكلها، ومفيدة بالتقنية الذكية التي تمنح الجالس قربها الظل والتواصل مع الشبكة الالكترونية.

ملاحم الجبال
ولا بد أن نذكر شجرة الأرز كلما ذكرنا جبال لبنان، وهذه الشجرة المنتمية للفصيلة الصنوبرية تحب المرتفعات والنمو الجماعي، وغاباتها تمتد عبْر الزمان بين جبال الأطلس وجبال هيمالايا والبحر المتوسط، وهي تشي بقرابة بين الجزائر والمغرب العربي وسوريا والأردن ولبنان الذي اتخذها رمزاً رسمياً وطنياً للدلالة على الشموخ والإباء، فهي شعار العلم اللبناني، وتشكل مصدر فخر واعتزاز وتلاحم، مستمد من عمرها البالغ آلاف السنين، وانتمائها لهذه الأرض الجميلة، وتتنوع دلالات شجرة الأرز المطلة بنقائها على العالم، وتتميز بأدوات دفاعية تصد الهجوم عنها، فهي تنتج براعم ثانوية دفاعية.
تحضر رمزية شجرة الأرز في محاور الحياة جميعها بدءاً من الشعارات والزينة وصولاً إلى الفلكلور والقصائد والحكايات والروايات والقصص والفنون التشكيلية المختلفة والأغاني ومن منا ينسى فيروز.

تاج شعبي
إذا ما اتجهنا إلى كندا فإننا سنجد شجرة «القيقب» الملقبة بـ«الشجرة الملكة»، لأنها تعتبر رمزاً كندياً وطنياً وشعبياً بامتياز، وذلك منذ أوائل القرن الثامن عشر، تتمتع بالجمال، وتمنح أخشابها للصناعات المتنوعة، ويصنع منها شراب خاص، ولها أنواع متعددة، وتاريخ مرتبط بذاكرة كندا مما جعل ورقة القيقب الحمراء الشهيرة رمزاً وطنياً يتوسط علم كندا، وهي شعار للنبالة والمَلكية يستخدمه أعضاء البرلمان والوزراء، كما أنها شعار للعديد من المقاطعات والأقاليم والإدارات الفيدرالية والقوات المسلحة والكلية العسكرية وشرطة الخيالة والمدارس والجامعات، وغيرها.
وكذلك تم توظيفها في كثير من جوانب الحياة اليومية مثل اعتمادها علامات للطرق السريعة، ولها ظهورها الواضح على الطوابع الحكومية وبعض فئات العملات الورقية، وجميع العملات المعدنية، ولذلك وصف جاك فيجر أول عمدة لمونتريال شجرة القيقب قائلاً: «ملك غابتنا».

رمز المحبة
وعندما نصل إلى أرمينيا نجد شجرة الرمان رمزاً حيوياً بفوائده الغذائية، وتحوله إلى رمز وهوية لأرمينيا، ومن دلالته فاكهة الحياة والخصوبة والحظ الجميل والشباب الأبدي والجمال، ويتمتع الرمان بثقافة شعبية واسعة لدرجة حضوره في الطقوس الدينية، وحضوره الضروري في الحلي والفنون والأدب والزخرفة والرسم والتصميم والأزياء، وتعود ذاكرة الرمان إلى قديم الأزمان، ودلالاته الأولى تشمل التوحد العائلي والاجتماعي، وعدد فصوصه وخاناته (12)، بينما عدد حبات كل خانة يتراوح بين 30 و31 حبة، وكأن كل حبة رمان تدل على سنة من الزمان، إضافة إلى جمال أزهاره البيضاء والجلنارية، وفوائده في الصباغة والتلوين، وحياكة الحكايات الشعبية حول الرمان، مثل حكاية الرمان طارد للطاقة السلبية، وجاذب للخير والمحبة والطاقة الإيجابية.

عنوان الحكمة
ترحل بنا شجرة الزيتون المعمرة والدائمة الخضرة إلى دلالات لا تحصى وردت في القرآن الكريم، كما أنها تبحر بنا إلى الحضارات القديمة وطريق الحرير، لنكتشف أن عمر جداتها يقارب العصر الحجري، حيث تدل المكتشفات الحجرية التي عثر عليها في أفريقيا على وجودها، كما أن المكتشفات الأثرية تدل على نشوئها في سوريا منذ أكثر من 6000 سنة، وهذا ما أكدته بعض الدراسات الأثرية والجيولوجية والأركيولوجية المبنية على ترسب حبوب الطلع في منطقة إيبلا الواقعة قرب حلب السورية، استناداً إلى معثورات مكتبة إيبلا من رقم وألواح طينية وآثار أخرى، ومن تلك الحفريات اكتشاف جرة زيت إيطالية تشير إلى عمق العلاقة التجارية بين إيبلا وإيطاليا، ومن ناحية أخرى، دلت الحفريات الأركيولوجية على وجود هذه الشجرة المباركة في جزيرة كريت اليونانية، وبلاد الشام ومنها فلسطين بالطبع وما ترمز إليه من صمود وتشبث بالأرض.
وعلى مر الأزمنة، شكلت هذه الشجرة بنية اقتصادية وتجارية واجتماعية تعود بتاريخها إلى الحضارات القديمة الأوغاريتية والإغريقية واليونانية والفرعونية والفينيقية والكنعانية فهي رمز الحكمة الخالدة في الثقافات القديمة وتمثلها الميثيولوجيا اليونانية الإغريقية، ونذكر أثينا التي قدمت شجرة الزيتون للبشرية، وهذا الغصن كان موجوداً في علم «إيثيكا» في اليونان القديمة، كما أن إرينا ابنة زيوس تحمل دائماً غصن زيتون، بينما تؤكد البرديات الفرعونية على أهمية هذه الشجرة وزيوتها، وكيف كانت توضع كأكاليل على رؤوس المومياوات وأبرزها «تاج العدل» الموضوع على رأس «توت عنخ آمون».
واستمرت أغصان الزيتون رمزاً للسلام العالمي، وأبرزها الحمامة البيضاء التي رسمها بيكاسو وتحمل في منقارها غصن زيتون، وكأنها ترجمة لحمامة نوح عليه السلام التي عادت إليه بعد الطوفان ومعها غصن زيتون، وهي ذاتها الشجرة التي نجد غصنها في المغارة ودلالتها السلام مع عيسى عليه السلام، إضافة إلى اتخاذ هذا الغصن شعاراً عالمياً للسلام، كما في علم الأمم المتحدة، وتمثل شجرة الزيتون وأغصانها رموزاً عالمية متنوعة، أهمها التعايش السلمي، ولذلك تحضر في العديد من الأعلام والشعارات، مثل علم جامعة الدول العربية، علم اليونيسيف، علم قبرص، علم أريتريا، علم ولاية أوكلاهوما، وشعار جامعة بيرزيت الفلسطينية.

خرافات أفريقية
وإذا ما اختتمنا رحلتنا في صحراء القارة الأفريقية، فإننا سنكتشف شجرة «الباوباب»، الضخمة، التي تنفض أوراقها على غير عادة الأشجار الاستوائية، لتبدو عارية لمدة 9 أشهر، مرتفعة، تمنح المشهد امتداداً تأملياً، تجعلنا نشرد قليلاً في جذعها الذي يخزن المياه مقاوماً الجفاف، وكأنها شجرة حبلى بالماء، وتظل تنتظر المطر، فاتحة أرواقها المركّبة للسماء، وكل ورقة مؤلفة من 5 أو 7 أوراق، فتبدو وكأنها أكفٌّ تبتهل، ولذلك تعتبرها بعض الأساطير والخرافات موطناً لأرواح الأجداد، وتعتبرها حكايات أخرى أقدم وجوداً على الأرض من الإنسان، وقد تبلغ الشجرة عمر 5000 سنة، بينما يعود تاريخ جدود هذه الشجرة إلى 200 مليون سنة، ولذلك تسمى «شجرة الحياة»، أو «شجرة الأرواح»، وتنتشر كثيراً في أفريقيا وأستراليا، ونجدها في السودان باسم «تبلدي»، وتتفتح براعمها الزهرية مساء مع موسم الأمطار، ولأوراقها التويجية الشمعية فوائد عديدة من الناحية العلاجية، ولثمارها التي تسمى «خبز القرود» نكهة خاصة، وبشكل عام تشكل عنصراً غذائياً هاماً للأطفال والكبار، وتدخل في بعض الصناعات الغذائية مثل «البسكويت».
ومن الحكايات الشعبية نذكر ما ترويه الأمهات للأطفال: ذات حفلة، اجتمعت حيوانات الغابة، فرحت، ورقصت، وفجأة، انهمر المطر، فهرب الجميع، ولكن الفيلة دعست أولاد التبلدي، فماتوا، فحزنت الشجرة وتساقطت أوراقها.
وتعتقد إحدى الخرافات الشعبية الأفريقية بأن الباوباب تمنح الصغار القوة حين يغتسلون بمائها، أما من يأكل بذورها فسيتعرض لخطر وربما تأكله التماسيح، ومن يقطع أزهارها التي تسكنها أرواح الأسود فستفترسه الأسود.

اقرأ أيضا

محمد بن راشد: آفاق جديدة للعلاقات مع أوزبكستان