صحيفة الاتحاد

دنيا

"اليازرة" حارسة الماء التي هجرها المزارعون

«اليازرة» تجلب الماء من الآبار الصغيرة

«اليازرة» تجلب الماء من الآبار الصغيرة

«آه يا زمن»، كلمة من القلب يرددها المزارعون الإماراتيون القدامى اليوم وهم يتذكرون «اليازرة»، التي ارتبطوا بها كارتباط جذور الشجر بالأرض، صوتها الذي يرتفع في الضحى وقبيل المغرب ليخبرهم بأن عرقهم يروي الأرض العطشى، وأن جهدهم ينساب في السواقي ليروي جذور الشجر.
«اليازرة» وسيلة ابتكرها القدماء لحاجتهم إليها، يجلبون بواسطتها الماء من الآبار قليلة العمق نسبية، وهي هيكل مكون من جذوع أشجار النخيل «يتشكل من أربعة قوائم»، تنصب فوق البئر، ويعلق فيها بكرات كبيرة يلقى فوقها حبل يربط بطرفه دلو ضخم يصنع من الجلد.
يجاور البئر ممر طويل متجه إلى أسفل يمشي فيه «الثور» عادة ليجر الحبل ساحباً بذلك الدلو الجلدي بعد امتلائه بالماء من البئر ليقلبه عند فوهة البئر، مفرغاً منه لماء في خزان صغير كي ينساب من هناك في قنوات تجري عبر مزارع النخيل.
حول ظهور هذه الحرفة وأهم أدواتها واعتماد المزارعين عليها بشكل أساسي، يقول سلطان بن هلال «أحد المعروفين بهذه الحرفة في الفجيرة»: تعتبر (اليازرة) من أقدم وسائل الري في مناطق الساحل الشرقي مثل الفجيرة ومربح وقدفع ودبا وخورفكان، وكانت موجودة بلا شك في المناطق الزراعية الأخرى في الدولة مثل مدينة العين، وهي حرفة تعتمد بشكل أساسي على الثور وسيلة لري النخيل».
ويتابع سلطان: هناك معايير ومواصفات معينة في اختيار الثور لهذا العمل، ومنها أن يكون هذا الثور قوياً و»مطواعاً» وكثير التحمل، لذلك يعمل المزارعون على تربية ثور «اليازرة» بطريقة خاصة و»يطبخون» له طعاماً معيناً يسمى «الفخارة»، فالمزارعون يبدؤون عملهم في الري بعد صلاة الفجر مباشرة وتستمر عملية «اليزر» حتى وقت الضحى، وتعاد الكرة بعد صلاة الظهر وحتى قبل الغروب؛ لذلك تتطلب عملية «اليازرة» جهداً وأدوات خاصة، بالإضافة إلى الثور.
عن هذه الأدوات، يتابع سلطان: الحبل الذي يربط في الغرّب «دلو من الجلد» يسمى في مناطق أخرى: «الغرفّ، الغرافّ»، ويصل إلى قمة ارتفاع السارية في المنيور «البكرة»، ويُطلق عليه حبل «كمبار»، وهو من الحبال المعروفة والمشهورة بالقوة، ويسمى هذا الحبل «الرشا».
أما جذوع النخيل المعلقة فوق البئر «التراكيب»، فهي تشكل العمود الفقري ويتراوح ارتفاعها بين 5 و6 أمتار لسحب المياه من البئر إلى الحوض. فهذه الجذوع ذات صلابة وقوة، بحيث تتحمل سحب الثور للدلو من البئر وهو مملوء بالماء، أما الممر المائل الكبير الذي يمشي فيه الثور، فيسمى «المخب».
يعمل على «اليازرة» شخصان الأول يقوم بمساعدة الثور وحثه على المشي، والآخر يشرف على عملية توزيع المياه بالتساوي على المزارع. وكانت معظم المزارع تستعين بـ»اليازرة» خاصة المزارعين الذي يمتلكون الثيران، أما المزارعون ذوو الإمكانات المحدودة، خاصة من لا يستطيعون توفير الثور، فإنهم عادة يلجأون لـ«اليزر» الفردي، وهو أقل مفعولاً في استخراج كمية المياه على الرغم من استخدام الأدوات المستخدمة في «اليازرة» باستثناء الثور.
في «اليزر» الفردي، يقوم المزارع باستعمال يده لسحب الدلو بمساعدة البكرة، وكانت هناك عشرات المزارع على مستوى الفجيرة تعتمد على «اليازرة»، إلا أن اليوم أصبحت «اليازرة» بشكلها الحقيقي موجودة فقط في قرية الفجيرة التراثية، وذلك بهدف تعريف الناس بدور «اليازرة» في الماضي وأهم أدواتها للحفاظ عليها من الاندثار.
يتابع سلطان: ينتج عن حركة المنيور أثناء سحب الماء من البر صوت عال يجده المزارعون ممتعاً، وحاولوا تحسينه ليصبح أقرب للموسيقى المنغمة، عبر إضافة بكرات أخرى «منايير» أو تعديل أوضاع الحبل على رقبة الثور الذي كثيراً ما يتفاعل أيضاً مع هذه الموسيقى.
وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود من هجران «اليازرة» باعتبارها واحدة من وسائل الري القديمة، لا يزال كبار السن «الشواب» محتفظين بذكرياتهم الحياتية مع «اليازرة»، يرددون كلمات وأغانٍ خاصة كانوا يستعملونها وهم «ييزرون» (يسقون) على أصوات المنيور «البكرة»، ويرددون «حبيبي سرح مع السرح وأنا تميت أسقي نخيل.. هو سار بزهو وفرح وقلبي من فراقه عطيل.. يو عين.. هذا حال أهل المحبة.. يو عين يو عين».