الاتحاد

الملحق الثقافي

جوجنهايم أبوظبي·· لمسة جيري

فرانك جيري

فرانك جيري

''فقط جيري من يستطيع تصميم بناء مثل هذا···'' عبارة يعرفها جيداً كل من وقف أمام مبنى من أعمال المهندس الأميركي الفذ فرانك جيري· وهي عبارة من المنتظر أن نسمعها قريباً تتردد فوق جزيرة السعديات وأمام متحف جوجنهايم أبوظبي الذي انتهى جيري من تصميمه مؤخراً· فخلال السنوات الخمس المقبلة ستصبح الجزيرة الإماراتية محط أنظار محبي الثقافة والفنون الراقية، وقبلة لعشاق المتاحف والصروح الحضارية من مختلف أنحاء العالم· فبحلول عام 2012 ستشهد المنطقة ميلاد صرح حضاري هو متحف جوجنهايم أبوظبي أكبر منشآت جوجنهايم العالمية، والمنتظر أن يضم أندر ما قدمته الإنسانية من إبداعات في الفن المعاصر·


غادة سليم

هذا المتحف ليس سوى فرع في شجرة وارفة بالحضارة مزهرة بالفنون ضمن أكبر واحة ثقافية ترويها أبوظبي في جزيرة السعديات· ولقد استطاعت الطبيعة المميزة للمكان والرؤية غير المسبوقة للمشروع أن تفتح آفاقاً رحبة من الخيال والإبداع أمام المهندس العبقري فرانك جيري الذي يرى أن المزج بين مياه الخليج الرائعة والبيئة الصحراوية الرملية سيساهم في خلق جو لا مثيل له لمتحف لا نظير له·
جوجنهايم أبوظبي
ومن المقرر أن يقام متحف جوجنهايم أبوظبي على مساحة 320,000 قدم مربع· وأن يضم قاعات عرض خاصة ومركزاً للفنون والتكنولوجيا ومركزاً لتعليم الفنون للأطفال، ومكتبة فنية، ومركزاً للأبحاث، ومختبراً حديثاً للمحفوظات النادرة· ولقد اعتمد فرانك جيري في تصميمه للمبنى على مبدأ الإضاءة الطبيعية إلى جانب نظام إضاءة متطور يوفر أجواء خاصة للمعروضات·
ويتكون تصميم المتحف من صالات عرض مركزية تحيط بساحة داخلية في كل طابق من طوابقه الأربعة· ومع الارتفاع تزداد الساحة اتساعاً حتى تصل في الطابق الرابع إلى قاعات أكبر حجماً توفر مساحات طبيعية رحبة لا توفرها المتاحف التقليدية في العالم·
وحرص جيري على أن يكون المبنى مستقلاً بذاته ولا تحده أي مبانٍ أخرى حتى يبرز مدى جماله ويظهر مستوى الإبداع والرقي فيه· وهو ليس بالأمر الجديد على جيري الذي استطاع بتصاميمه الثورية وبانتقائه لخامات جديدة بعيدة عن الكتل الخرسانية الصماء كالحديد والزجاج المضغوط أن يضمن لنفسه مكانة مرموقة في سجل عظماء المعماريين· فهو أحد أهم المصممين المعماريين في العصر الحديث وأكثرهم شهرة·
وهوالحاصل على عدد من الجوائز العالمية أبرزها جائزة ''بريتزكر المعمارية'' أرقى تكريم في هذا المجال على مستوى العالم·
إبداعات الطفولة
ولد فرانك جيري عام 1929 في تورونتو بكندا· وكانت جدته في سنوات طفولته الأولى تضع أمامه المكعبات الخشبية وتجلس معه على الأرض تراقبه وهو يصنع منها أبراجاً عالية ومباني متكاملة· وفي سنوات المدرسة أبدى ولعاً بالألوان والرسم حتى أن والديه كانا يعتقدان أنه سيدرس الفن، إلا أنه خالف ظنهما واختار دراسة الهندسة· وعندما بلغ السابعة عشرة انتقل مع عائلته إلى لوس أنجيلوس بالولايات المتحدة عام ·1945 تخرج جيري في قسم العمارة بجامعة جنوب كاليفورنيا عام 1954 وحصل على الجنسية الأميركية في العام ذاته· وبعد عام أمضاه في الجيش التحق بجامعة هارفارد لنيل درجة الماجستير في التخطيط المدني· ثم عاد إلى لوس أنجيلوس ليعمل مساعداً لاثنين من كبار المهندسين حتى عام ·1960 وبعدها بسنة انتقل مع زوجته الأولى وابنيه إلى باريس حيث أعجب بالكنائس الفرنسية الرومانية وشعر بالغضب لأن أساتذته لم يدرسوه شيئاً عنها· ولكنه سرعان ما ترك أوروبا عائداً إلى لوس أنجيلوس لينشئ شركته الخاصة عام ·1962 ومنذ ذلك الوقت تصاعد حجم المكتب بشكل كبير محلياً ودولياً في مجالات متعددة· وكان أول تصميم أبدعه فرانك جيري هو استوديو ''دون زيجر'' للتصوير السينمائي عام ،1964 ثم منزله الشخصي في سانتا مونيكا بكاليفورنيا عام ،1978 ومركز توزيع منتصف الأطلنطي بولاية مريلاند الأميركية عام ·1978 إلا أن أبرز أعماله التي لفتت انتباه المعماريين وأكسبته شهرة عالمية كانت متحف جوجنهايم بلباو بأسبانيا، ومطعم السمك فى اليابان، ومتحف سامسونج للفن الحديث في كوريا الجنوبية، ومدرسة لويولا للقانون فى لوس انجيلوس كاليفورنيا، ومتحف كاليفورنيا للعلوم الفضائية ومتحف الموسيقى بلوس انجيلوس، ومركز فونتز للدراسات الجزيئية بمدينة سينسيناتي بولاية أوهايو، وقاعة والت ديزني للحفلات في لوس أنجيلوس· وكان جيري في تلك الفترة يسافر كثيراً ويعمل لساعات طويلة ولا يأخذ إجازات أسبوعية· فانهار زواجه الأول وتزوج مرة ثانية وأنجب صبيين آخرين· والطريف أنه من أجل رغبته في مشاركة المرح لابنيه الصغيرين أخذ دروساً في رياضة التزلج على الجليد وهو في الخمسين من عمره· وعندما رفض المدرب تعليمه بحجة كبر سنه ازداد إصراره على التعلم· ولم لا؟ وهو الذي وضع قدميه على سلم العالمية بعد أن بلغ الستين من عمره!
روح الفريق
يضم مكتب فرانك جيري أكثر من 150 شخصاً يعملون بروح الفريق· ويمكن اختصار مهمة جيري في هذا المكتب في مسمى مسؤول التصميم المعماري الأول· ويساعده في العمل اثنان من كبار المهندسين المعماريين· ويتمتع جيري بأسلوب مميز في العمل يتبع مع كل مشروع جديد· إذ يحب أن يبدأ من الداخل إلى الخارج· وعندما يتحدث أو يفكر في مبنى يتخيله بأبعاد ثلاثية، فيشرع في وضع رسوم تصورية عابثة على الورق سرعان ما تنضج وتتحول إلى مجسم لأرض المشروع· ويقال عنه إنه عندما يرسم لا يرفع قلمه عن الورقة بل يسترسل حتى تختمر الفكرة· وهو يستخدم المجسمات المعمارية بشكل مكثف من أجل دراسة وتحديد المتطلبات الوظيفية والمظاهر الشكلية للتصميم· ثم يشترك اختصاصين عدة في استخدام الحاسب الآلي لإنهاء الأمور التصميمية والتنفيذية وعمل المجسمات· وأبرز ما يميز أسلوب فرانك جيري في العمل هو حرصه الشديد على مجالسة أصحاب المباني التي يصممها ورغبته في الاستئناس بآرائهم والاستماع إلى متطلباتهم· لذا تعتبر مشاركة العميل منذ البداية في العملية التصميمية إحدى الركائز المهمة للأسلوب التصميمي في مكتب فرانك جيري حتى أنه من الثابت أن جيري اعتذر عن حضور افتتاح ثلاثة مبانٍ من أعماله لأن أصحابها قد تغيروا عند افتتاحها· وعلى الرغم من حبه للناس وارتباطه بالعملاء إلا أنه يرفض تصميم البيوت الخاصة· ويقول إنه لا يملك من الصبر ما يمكنه من تحمل تذبذب أذواق أصحابها· وهو يتعجب دوماً عندما يجد مهندساً معماريا يتنازل عن رؤيته وشخصيته إرضاء لذوق العميل· كما يرفض جيري أن ينصح المهندسين الواعدين بالسير على خطاه· بل ينصحهم بأن يحافظ كل منهم على هويته الخاصة ولا ينقاد لفكرة التغريد وراء السرب· فكل إنسان لديه موهبة وما على الإنسان إلا أن يكتشف ذاته ويبرز مهاراته· وعندما يسأل جيري عن السعادة يقول إنها عندما يشعر أن سكان المدينة راضون عن تصميم المبنى الذي شيده على أرضهم، فسعادته أن يروه إضافة جميلة للمدينة وليس جسماً نشازاً وضعه مهندس مجذوب·
·· وتبدأ الحياة
واليوم تجاوز فرانك جيري السابعة والسبعين من عمره· وعلى الرغم من ذلك مازال هو المهندس العبقري ذا الشعر الأبيض الذي يعمل ويبدع ويعمر الأرض ويغرس فيها مباني جميلة ويهدي للعالم عمارة راقصة ومجسمات متفردة· يصفه المقربون بأنه رجل بسيط ملتزم يحب مخالطة الناس واحتساء فنجان القهوة وارتداء ملابس الجينز والتي شيرت· ويقولون عنه أيضا إنه مغامر مشاغب كثير الأسفار قليل الاستقرار يهتم باللغات الحية والفلسفة ويتأمل أعمال النحاتين والرسامين· يحب سماع موسيقى باخ وبيتهوفن ويجد فيها السلوى عن سماع أصوات الحفر والبناء· ويعترف فرانك جيري بأنه جاهل تماماً بأمور التكنولوجيا الحديثة للدرجة التي لا يعرف فيها كيف يشغل جهاز ''دي في دي'' أو أن يستخدم الأزرار الكثيرة لجهاز الموسيقى في سيارته الفارهة·
وتأخذ العلاقات الاجتماعية مكان الصدارة من حياة فرانك جيري فعلى الجدار المواجه لطاولة الاجتماعات في مكتبه تختلط صور أبنائه بصور أصدقائه المقربين وعملائه ومهندسي مكتبه· وهو يهتم كثيراً بمن يعملون معه كباراً وصغاراً، مهندسين وعمالاً· وتراه يتأكد بنفسه أن كل منهم راضٍ عن أجره مستمتع بدوره· وعندما يصدر عنه كتاب أو تتحدث عنه صحيفة يحرص على ذكر العاملين معه والإشارة إلى حصتهم من الفضل في التميز وتحقيق النجاح· وما يقلقه دائماً هو التفكير الدائم في مصير 150 موظفاً وعائلاتهم بعد رحيله عن الدنيا· فهذا الإنسان الموهوب ينظر إلى الحياة من زاوية لا يراها غيره· فعندما يتحدث لا يفارقه ذكر الموت· وكلما بدأ في مشروع جديد شغل نفسه بسؤال: هل سأعيش لأرى هذه الرسوم تتجسد واقعاً على الأرض؟· والعجيب أنه وهو في أوج مجده وفي عز تربعه على قمة الشهرة والثراء والتميز، باتت أقصى أمنياته أن يجلس في زاوية صغيرة في أحد مراكز التسوق ليقدم استشارات هندسية للبسطاء الذين يبحثون عن حلول لمنازلهم الصغيرة مقابل ربع دولار للتصميم الواحد··· وعندما سئل عن سر هذه الأمنية الغريبة قال: ''أحب أن أرى علامات الانبهار والإعجاب على وجوه الناس وهم يظنون أنني شخص عبقري لمجرد أنني أرسم أشياء بقلمي الرصاص·· إنها قمة السعادة والمتعة''·
هكذا هو المبدع فرانك جيري·· وهكذا هي الشهرة التي لا يحظى بها إلا القلائل في كل مهنة، ولا يظفر بها إلا العظماء في مهنة الهندسة·

اقرأ أيضا