الاتحاد

الاقتصادي

تزايد الطلب على النفط يشجع التنقيب بالقطب الشمالي

فنيون في وحدة للغاز الطبيعي بروسيا

فنيون في وحدة للغاز الطبيعي بروسيا

اشتدت العواصف الثلجية قبالة الساحل الشمال شرقي جزيرة سخالين الروسية إلى درجة اضطرت عاملي إكسون موبل في حقل أودوبتو العام الماضي لاستخدام الجواريف في شق طريقهم للخروج من ثكناتهم لإزالة الجليد من صمامات النفط وأنابيبه. ويقول بافيل جاركين مدير عمليات الحقل إن الأمر وصل إلى درجة إخلاء نصف العاملين في بعض المواقع.
ومع ذلك تطمح موسكو الى اجتذاب كبرى شركات النفط الدولية الى مواقع بالغة القسوة أخرى في مياهها القطبية الجليدية.
ويفيد تقرير أصدرته الوكالة الأميركية للمسوحات الجيولوجية بأن القطب الشمالي الذي تتقاسمه كل من كندا وروسيا والولايات المتحدة والدنمارك وأيسلندا والنرويج قد يحتوي على نحو خُمس احتياطيات العالم من النفط والغاز.
وشهدت السنوات القليلة الماضية تسارع النشاط في منطقة القطب الشمالي، إذ تقوم شركة كيرن اينرجي البريطانية المصدرة للنفط بعمليات حفر للتنقيب عن النفط قبالة ساحل جرينلاد الغربي، بينما تنشط شركة ستاتويل النرويجية إحدى أكبر مصدري النفط البحري شمالي اسكندينافيا في عمليات حفر آبار داخل الدائرة القطبية الشمالية أسفل أعماق البحر النرويجي وبحر بارنتس.
يذكر أنه في شهر سبتمبر الماضي أنهت روسيا والنرويج نزاعاً دام 40 عاماً على الحدود البحرية في بحر بارنتس، الأمر الذي أتاح لروسيا الإسراع في زيادة عمليات التنقيب تحت قطاعها المائي بعد ثلاث سنوات من إعلان بمطالباتها بأجزاء في القطب الشمالي من خلال إرساء صاري علم في قاع البحر على عمق يتجاوز أربعة كيلومترات أو نحو ميلين ونصف الميل تحت القطب الشمالي.
وقد تسفر هذه المساعي عن مردود هائل، إذ تتوقع روسيا، أكبر منتج نفط في العالم التي تنتج أكثر من 10 ملايين برميل نفط في اليوم، أن تحتوي منطقتها القطبية على قرابة 51 مليار طن من النفط أو ما يكفي لتلبية الطلب العالمي لأكثر من أربع سنوات بالإضافة الى 87 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي.
لم تنتج روسيا بعد (على عكس النرويج) من مناطق مياهها القطبية غير أن وزارة الموارد الطبيعية الروسية تقول إنها ترغب في استثمار حد أدنى قدره 310 مليارات دولار بحلول عام 2039 لاستغلال تلك المناطق وان معظم هذا المبلغ سيخصص للمنطقة القطبية.
ورغم فتح روسيا لمياهها الشمالية للاستكشاف فان هناك أسباباً تدعو إلى التريث، فبعد تسرب بي بي الكبير في خليج المكسيك في الربيع الماضي يحذر مسؤولون وخبراء روس من أن تسرباً نفطياً أسفل الثلج ربما يكون أسوأ كثيراً من نظيره في مناطق دافئة. ذلك أن بُعد مسافة القطب الشمالي ونظمه البيئية الهشة وظلامه ودرجات حرارته الأدنى من الصفر وثلوجه وشدة رياحه كلها عوامل تجعل معالجة تسرب نفطي مهمة شديدة الصعوبة.
وخلال مؤتمر سنوي لشركات النفط والغاز العالمية في جزيرة سخالين في أواخر سبتمبر الماضي، تنبه مسؤولو الحكومة الروسية وتنفيذيو صناعة النفط البحرية إلى مخاطر عمليات الحفر في منطقة القطب الشمالي القارية.
وقال مايكل براثو خبير صناعة طاقة الشرق الأقصى الروسي والبروفيسور في جامعة ليسيستر في انجلترا: “لقد حضرت 13 مؤتمراً من مؤتمرات نفط سخالين الأربعة عشرة، وهذا المؤتمر هو الأول الذي يبدي فيه المسؤولون الحكوميون قلقهم إزاء مخاطر تسريبات النفط البحري”.
وقال نيلز ماسفي أحد مديري الشركة النرويجية لتقييم المخاطر البحرية ديت نورسكي فيريتاس إن احتمال حدوث تسرب في المنطقة القطبية لا يزيد على احتماله في مناطق أكثر دفئاً. غير أنه لا يمكن التكهن بأن المخاطرة تتساوى في الأجواء الباردة. بالتأكيد المخاطرة أكبر”.
ويضيف ماسفي الذي تقوم شركته بفحص وإجازة المعدات المستخدمة في إنتاج النفط والغاز البحري مثل خط أنابيب الغاز الشمالي الجاري بناؤه تحت بحر البلطيق لحساب شركة جازبروم الروسية: “تتوقف أحياناً عمليات البحث والإنقاذ ليلاً نظراً للظلام الدامس. غير أنه إذا حدث شيء في بحر بارنتس القطبي في نوفمبر فإننا لن نتمكن من الذهاب هناك إلا في مارس”.
يذكر أن إحدى أسوأ حوادث التسريب في روسيا وقعت في شهر أغسطس 1994 حين انفجرت شبكة خط الأنابيب المتهالكة في جمهورية كومي الشمالية وسربت 585 ألف برميل نفط حسب ما أعلن رسيماً رغم أن جهات مستقلة قدرت حجم ذلك التسريب آنذاك بنحو مليوني برميل.
وبالمقارنة قدر تسريب بي بي بنحو أربعة ملايين برميل نفط في خليج المكسيك. وبعد شهرين من بداية تسريب كومي حطمت عاصفة من الأمطار الغزيرة سداً كان قد احتوى النفط ما أسفر عن إطلاق بقعة ضخمة من النفط في الأنهار وغابات التندرة القريبة من مدينة يوسنك. وتقول لوكويل التي تعتبر كومي إحدى أكبر مناطق إنتاجها البترولي إنها أنفقت 4,6 مليار روبل أو 150 مليون دولار من عام 2000 الى عام 2005 لتطهير ما زاد على 10 كيلومترات مربعة من الأراضي.
وقامت الشركة بتدوير أكثر من 230 ألف طن من النفط المهدر، حسب ما أفادت، وغيرت 878 كيلومتراً من خطوط الأنابيب القديمة. يذكر أن آخر تقديرات بي بي لإجمالي تسريب خليج المكسيك يبلغ 40 مليار دولار.
وتقول جماعات بيئية إن تسريب كومي دليل واضح على مدى صعوبة معالجة تسريب نفطي في بحار منطقة القطب الشمالي.
وقال فلاديمير تشابروف كبير خبراء الطاقة بجماعة السلام الأخضر في روسيا: “إن كانت الشركات عاجزة عن معالجة 50 متراً من الكتل المتجمدة فما بال تسرب في بحار مفتوحة في سخالين أو منطقة القطب الشمالي؟”.
في روسيا تضع دائرة الطوارئ والغوث البحرية الحكومية المسؤولة عن مواجهة تسريبات النفط البحرية، معدات معالجة التسريب النفطي في موانئ روسيا التسعة الكبرى ومرافئها الرئيسية. كما أن في ميناء مورمانسك المطل على بحر بارنتس سفن قطبية متخصصة وكاسحات جليد مرافقة. تقنيات متخصصة أما في الولايات المتحدة تلتزم خفر السواحل وشركات النفط وشركات مواجهة الطوارئ المتعاقدة معها بأن يكون لديها معدات تطهير وتقنيات متخصصة تتحمل الأحوال الجوية القطبية، غير أنه رغم الاستعدادات المكثفة فإن الأحوال الجوية القاسية تحد من انتشار المعدات ما يترتب عليه ما تسميه الصناعة “فجوة المواجهة”.
أما النرويج التي لديها بعض أكثر قوانين سلامة النفط صرامة فقد اكتسبت خبرتها من خلال درس صعب. ففي عام 1977 تسبب انفجار في منصة ايكوفيسك البحرية في تسريب نفطي لثمانية أيام ما أطلق نحو 202,381 برميل نفط، ويصبح آنذاك أكبر تسرب يحدث في بحر الشمال وتعزى ضخامة أضرار ذلك التسرب إلى تدني أداء المعدات آنذاك.
وبعد سنة من حادث المنصة هذا شكلت النرويج “الجمعية النرويجية للبحار النظيفة للشركات العاملة” التي كثفت جهودها في تطوير تقنية مواجهة حوادث التسرب.
يذكر أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما قررت إيقاف عمليات الحفر البحري في ألاسكا لغاية عام 2011 كحد أدنى لإعادة النظر في قوانين السلامة والبيئة. وفي شهر سبتمبر قال بيل كيه رايلي رئيس مساعد لجنة تسريبات النفط بالبيت الأبيض إن تسرب بي بي أثبت أنه حتى في الأجواء الدافئة لم تستطع أحدث طرق مواجهة وتطهير التسريب النفطي مواكبة مشاريع التطوير البحرية.
وتعد كندا والدنمارك مكلفتين بمواجهة تسربات النفط في جرينلاند التي وفقاً لصندوق الحياة البرية العالمي ليس لديها معدات مواجهة حوادث تسرب نفطي طارئة.
ولكن حتى لو أن شركات التشغيل غير مستعدة لمواجهة تسرب قطبي فإن الحظر الذي فُرض بعد حادثة بي بي لن يستمر إلى الأبد. كما أن انفراج مشكلة الحدود بين النرويج وروسيا جعل الدولتين تسرعان من أعمال التنقيب في المنطقة.
فالنرويج تخطط لبيع حقوق 51 قطاعاً تنقيبياً في منطقتها ببحر بارنتس، كما أن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين ومسؤولي الطاقة الروس يطمحون إلى مزيد من التنقيب النفطي البحري في منطقتهم من بحر بارنتس.


ترجمة عماد الدين زكي
نقلاً عن انترناشيونال هيرالد تريبيون

اقرأ أيضا

«الدولي للتنمية الإدارية»: الإمارات الأولى عالمياًً في 5 مؤشرات