الاتحاد

عربي ودولي

مفارقة أم مصادفة؟! ... الذاكرة الليبية.. ومتلازمة سنة 11

طيلة أشهر الصراع السياسي والصراع المسلح خلال ثورة 17 فبراير نجح الدعم الإعلامي الخارجي بشكل كبير في دفع الجماعات المسلحة المتطرفة إلى منطقة الظل، والتغطية عليها

طيلة أشهر الصراع السياسي والصراع المسلح خلال ثورة 17 فبراير نجح الدعم الإعلامي الخارجي بشكل كبير في دفع الجماعات المسلحة المتطرفة إلى منطقة الظل، والتغطية عليها


لتفاعل التاريخ والسياسة أحياناً اتفاقات ومفارقات ومفاجآت، لعل من أكثرها غرابة، ما يمكن تسميته بقليل من التجوُّز المفهومي «متلازمة العام 11» بالنسبة لتاريخ ليبيا السياسي، فكثيراً ما يحمل هذا العام من كل قرن جديد، إلى الليبيين أحوالاً من الاضطراب والاحتراب، يكون لها ما بعدها فيما تبقى من القرن، في انتظار، العام الـ11 من القرن التالي. وهو ما يستدعي في الأذهان، بصورة أو بأخرى، مسألة عمر الدولة ودورة حياة العصبية عند ابن خلدون، حين اعتبر أن عمر أية دولة يتراوح بين 100 و120 سنة. ثم يبدأ ظهور عصبية ودولة جديدة تمر هي أيضاً مع ذات الأطوار ودورة الحياة نفسها(15).
ففي مطلع القرن السادس عشر حل عام 1511م على ليبيا والليبيين، وقد وقعت طرابلس للتو في أيدي الغزاة الإسبان المتوثبين بعد سقوط غرناطة واكتشاف أميركا عام 1492م، لاحتلال الثغور والمدن الساحلية في الضفة الجنوبية للمتوسط(16). وفي مواجهة فظائع الاحتلال الإسباني الغاشم انخرط الليبيون في حرب طاحنة لتحرير بلادهم، وساعدهم في ذلك العام (1511) الحكم الحفصي بإرسال محمد أبي الحداد قائد منطقة توزر في إقليم الجريد التونسي، وبعد حروب وأهوال استمر الاحتلال الإسباني بكل فظاعة وبشاعة أعماله. وبعد عقدين خلفه احتلال فرسان القديس يوحنا الذين اقترفوا هم أيضاً فظائع وإبادات بحق أهل الأرض. وفي منتصف ذلك القرن ضم العثمانيون، أخيراً، ليبيا إلى إمبراطوريتهم من خلال قائدهم البحري سنان باشا، وبدأ تاريخ ليبيا العثماني الصعب(17).
وفي عام 1611م كانت ليبيا أيضاً على موعد آخر مع بداية عصر من الاضطراب والاحتراب، حيث حدث تمرد وانقلاب من طرف الانكشاريين على الباشا والسلطة المركزية العثمانية، وتبعت ذلك فتن وصراعات طيلة تلك الفترة المعروفة باسم «عهد الدايات» كان نصيب الليبيين البسطاء منها البؤس والمجاعات والإبادات(18). ولم تنتهِ القلاقل والمشاكل طيلة ما تبقى من ذلك القرن حتى جاء عام 1711م، مع سيطرة أحمد باشا القرمانلي، الضابط التركي العثماني، على ليبيا، حيث بدأ تأسيس الدولة القرمانلية، وعلى رغم تحمُّس الليبيين لقيام هذه الدولة في البداية للتخلص من جوْر الانكشارية، ومع حال الأمان والاستقرار الذي فرضته في بدايات عهدها، إلا أنها ارتمت هي أيضاً فيما تلا ذلك من عقود بقية القرن في أتون صراعات طاحنة على الزعامة بين رؤوس الأسرة القرمانية نفسها(19). ومع مطلع القرن اللاحق دخلت الدولة الليبية القرمانية في حرب بحرية طاحنة ضد أساطيل الولايات المتحدة الأميركية الناشئة وقتها، والساعية لإيجاد موطئ قدم لها في ضفاف البحر المتوسط.
وإلى جانب ذلك حمل أيضاً عام 1811م نوعاً جديداً من أسباب الاحتراب والاضطراب الداخلي إلى ليبيا، ففي هذا العام بدأ انحلال دولة أولاد محمد في إقليم فزان في الجنوب الليبي، مع ما اقترن بذلك من صراعات وفتن ومحن. كما وقعت أيضاً في العام نفسه مذبحة القلعة الشهيرة في القاهرة التي تم فيها التنكيل بالمماليك -الشراكسة في معظمهم- وقد فرّ عدد محسوس من الشراكسة إلى ليبيا، واستقروا في مدن مثل مصراتة (ومن ثم شاع لدى العامة أن أصل تسمية مصراتة هو تعبير «من مصر أتى»، وهو في الحقيقة من اسم مسراتة وهي قبيلة بربرية- أمازيغية تحدث عنها ابن خلدون في تاريخه). ومع هذه الهجرة دخل مكون سكاني مؤثر جديد إلى الغرب الليبي، بعد أن كان الوجود التركي- الشركسي- الكرغلي محدوداً للغاية، ولا يتجاوز أعداداً من انكشارية وموظفي الدولة العثمانية، وأفراد أسرهم. وقد زاد هذا المكون التركي- الشركسي، بأعداد لاحقة من المهاجرين الجدد إلى ليبيا طيلة بقية القرن، ومن ضمنهم بعض مهجّري مسلمي جزيرتي رودس وكريت ومناطق أخرى، بعد وقوعها من أيدي الدولة العثمانية. وقد حمل بعض هؤلاء الوافدين الجدد إلى ليبيا نوعاً من المغايرة الثقافية وأحياناً أيضاً كثيراً من أعباء الذاكرة التي يحملونها تجاه السلطة العثمانية، ولذلك تواصلت الصراعات والملاحم والتظلمات والمظالم طيلة ما تبقى من القرن الأخير من العهد العثماني، ولم تكن القلاقل والمشاكل تهدأ إلا لتندلع من جديد، ما كان له أبلغ الأثر، في تشكل تاريخ البلاد الصعب في معظم عقود القرن التاسع عشر(20).
وعاودت أيضاً «متلازمة عام 11» التذكير بنفسها مجدداً في القرن اللاحق، وتحديداً بحلول عام 1911، حيث تعرضت ليبيا لغزو الاستعمار الإيطالي، وقد ارتمت في حروب مقاومة وملاحم، وفتن وصراعات وإبادات، فاقت كل ما يمكن تخيله، وربما قصر فيلم «عمر المختار» الشهير للمخرج مصطفى العقاد وأقعدت به ملَكات المخيال المجنّح، على رغم ملحميّته، عن وصف فظاعة وبشاعة ممارسات الاحتلال الإيطالي في ليبيا(21). ولم تنتهِ محنة الاستعمار الإيطالي حتى هزيمة النظام الفاشي ودول «المحور» في نهاية الحرب العالمية الثانية التي شارك في ملاحمها الليبيون مع «الحلفاء» في معارك «العلمين» و«سيدي البراني»، حيث وُضع إقليما طرابلس وبرقة تحت الوصاية الإنجليزية، وإقليم فزان في الجنوب تحت الوصاية الفرنسية، حتى الإعلان رسمياً عن استقلال «المملكة الليبية المتحدة» بكفاح وطني وقرار أممي. وبعد 42 عاماً من عهد القذافي، كانت ليبيا أيضاً على موعد آخر جديد في عام 2011 مع «متلازمة عام 11»، باندلاع ثورة 17 فبراير 2011 ضمن ثورات ما سمى «الربيع العربي»، وما تبعها من مظاهر اضطراب واحتراب ما زالت فصولها جارية حتى اللحظة.

الثورة.. ضد الدولة
وقد اندلعت ثورة 17 فبراير ضد نظام القذافي في سياق ما سمي «الربيع العربي» تفاعلاً مع الحالتين المجاورتين، التونسية والمصرية. وكانت شرارتها المباشرة قمع تظاهرة احتجاج في بنغازي لأسر ضحايا مجزرة بوسليم، وفي ذكرى ضحايا مجزرة أخرى وقعت بعدها لتفريق احتجاج أمام القنصلية الإيطالية على خلفية ما عرف بالرسوم الدانمركية المسيئة(22). ولكن أسباب اندلاع ثورة 17 فبراير، والتدبير لها، ربما كان سابقاً حتى على الثورتين المجاورتين، التونسية والمصرية. فصراع نظام القذافي وصَفـُّـه القبلي الضمني(23) -قبائل القذاذفة وورفلة والمقارحة وورشفانة والنوايل والعجيلات والصيعان.. الخ في الغرب والجنوب الليبي- ضد صف قبائل شرق ليبيا وخاصة من قبائل السعادي (المنتسبة لقبائل بني سُليم) الكثيرة التي تحالفت معها قبائل من الغرب في مصراتة -حيث العرب وأيضاً الحضور القبلي المؤثر للمكون ذي الأصل الشركسي والتركي- الكرغلي، وقبائل الأمازيغ كلها في مناطق زوارة وجبل نفوسة، فضلاً عن الزنتان، هذا الصراع هو الوجه الآخر، غير المعلن، لما سيسُمي إعلامياً وسياسياً، فيما بعد، بثورة 17 فبراير، التي كان بعض تجلياتها تعبيراً، بصيغ مختلفة، عن لحظة حسم لثأرات قبلية وحساسيات جهوية وصراعات عصبيات مرحّلة ومؤجلة منذ عقود.
كما كانت هذه الثورة أيضاً لحظة تصفية حساب آخر بين نظام القذافي وجماعات الإسلام السياسي، وقد لعب تحالف «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة» دوراً لافتاً في الجُهد العنيف من الثورة، وكان هذا التيار قد انخرط في العمل المسلح ضد نظام القذافي منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكانت له معسكرات في شمال تشاد المجاورة، بدعم من دول غربية، خلال فترة الصراع الليبي- التشادي. كما كانت لـ«المقاتلة» أيضاً معسكرات في أفغانستان خلال عهد الجهاد الأفغاني، وفي فترة حكم حركة «طالبان» وتنظيم «القاعدة» الذي أعلنت رسمياً الانضمام إليه في فترة لاحقة. وقبل ثورة 17 فبراير بفترة وجيزة، وفي خضم تدافعات وتطلعات مشروع «ليبيا الغد» الذي أطلقه سيف الإسلام القذافي، لتحديث الدولة سياسياً ومؤسسياً على الأرجح لتسويق وتسويغ ما سمي حينها «التوريث»، أعلنت هذه الجماعات عن إصدار كتاب «مراجعات تصحيحية» تحت عنوان: «دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس»، وقد تمكنت قيادات من الجماعة «المقاتلة» والتنظيم «الإخواني» من ضمنها «الإخواني» علي الصلابي -المصنف على قائمة الإرهاب التي أصدرتها الدول العربية العام الماضي- ووجوه أخرى «إخوانية» و«سلفية جهادية»، من إقناع سيف الإسلام بـ«جدية» هذه المراجعات ونهائيتها. فأطلق سراح مئات من عناصر التنظيمين الإرهابيين في أواخر سنة 2009، كانوا هم رأس الحربة في بداية الجهد المسلح من ثورة فبراير، وكان من ضمنهم زعيم «المقاتلة» السابق عبدالحكيم بلحاج الخويلدي -المصنف أيضاً على قوائم الإرهاب.
وطيلة أشهر الصراع السياسي والصراع المسلح خلال ثورة 17 فبراير نجح الدعم الإعلامي الخارجي بشكل كبير في دفع صور الجماعات المسلحة المتطرفة إلى منطقة الظل، والتغطية عليها، وعدم إبراز دورها أو حضورها في الصراع، لضمان استمرار التدخل الخارجي من طرف حلف شمال الأطلسي «الناتو» ودول أخرى داعمة للثورة الليبية لأسباب إنسانية، وبقرار من الشرعية الدولية.
كما لم يتم أيضاً إبراز دور أصوليتين أخريين أقل حضوراً وتأثيراً من الأصولية الإسلامية، ولكنْ كان لهما أيضاً وجود محسوس ودور ملموس في الثورة، ونعني الأصولية القومية الأمازيغية المتشددة التي كانت خصماً تاريخياً عنيداً لنظام القذافي بسبب توجهاته القومية العربية التي يرى الأمازيغ (البربر) أن فيها افتئاتاً وتعدياً على خصوصيتهم وحقوقهم الثقافية، وهي خصوصية زادها بروزاً أيضاً، إلى جانب المغايرة العِرقية مع الأغلبية العربية، وجود مغايرة مذهبية، حيث يتبع بعض الأمازيغ الليبيين المذهب الإباضي، في حين تتبع الأغلبية العربية المذهب المالكي.
وأما الأصولية الثانية فأقل حضوراً سكانياً وإن لم تكن أقل دوراً في الثورة، ونعني الأصولية الشركسية- التركية- الكرغلية في مدينة مصراتة ومناطق أخرى عديدة. وطيلة فترة الثورة ظلت هذه الأصوليات الثلاث: الإسلاموية المتطرفة، والأمازيغية القومية المتشددة، والشركسية الحضَرية ذات الحساسية المفرطة تجاه قبائل «البدو» التي كان نظام القذافي يعتمد عليها، ظلت كلها مغيّبة إعلامياً مع أنها مؤثرة، بدرجات قد يزيد الشعور بها أو يقل، في مجريات، إن لم يكن، في القرص الصلب للثورة، وذلك لضمان استمرار الدعم الخارجي، والغربي منه بشكل خاص.

القوى الجديدة القديمة.. ونظام القبيلة والغنيمة
وبُعيد التحرير مباشرة، وفي لحظة مؤسِّسة فارقة، تنحّت قيادة ثورة 17 فبراير، حيث تم حل، أو تنحّي، المجلس الانتقالي الذي مثل زعامة سياسية كانت طيلة أشهر الثورة محل إجماع وإشادة، في الداخل والخارج، وكان برئاسة وزير العدل السابق المستشار مصطفى عبدالجليل. وحُل أيضاً المجلس التنفيذي الذي مثل حكومة تسيير أعمال فعالة برئاسة الدكتور محمود جبريل. واعتُمد ما سمي «الإعلان الدستوري» كنظام جديد للحكم. وبانسحاب وغياب القيادتين السياسية والتنفيذية للثورة، اللتين أدارتا أشهر الصراع بكفاءة، في تلك اللحظة الفارقة، بدل قيادتهما المرحلة الانتقالية اللاحقة حتى اكتمال العبور الحرج من نقـْـع غبار الثورة إلى استعادة استقرار الدولة، بكل ذلك انفصل رأس ثورة فبراير ومصدر ترشيدها عن الكتلة الملتهبة من المجموعات السياسية والقبلية والمليشيات المسلحة المتزاحمة المتلاطمة داخلها. وراحت هذه الكتلة الملتهبة تفرض، مع مرور الوقت، شرعيتها الثورية الجديدة، في غياب إطار ناظم وقواعد اشتباك وضبط وربط قادرة على ترويض جموحها وجنوحها نحو الاستمرار في التغول والعنف والعسف والاستثمار في الفوضى، وفرض قانون القوة بدلاً عن قوة القانون.
وبسرعة صار في كل مدينة ليبية مجلس عسكري خاص بها، وأصبحت لكل قبيلة مجموعة كتائب مسلحة تكاد تقتصر على أبنائها، دون غيرهم. وارتسمت خطوط صدع وردع واستقطاب وتحالف قبلية جديدة تستدعي في الذاكرة بعض اصطفافات وتقاليد «الصفوف» القبلية القديمة. وكان الطابع الجهوي للمجالس العسكرية، والطابع القبلي لكتائب الثوار، مخصوماً، بالقوة والفعل، من فرص إعادة بناء مؤسسات الدولة السيادية الحيوية كالجيش الوطني والمنظومة الأمنية المركزية. وقد حمل ذلك، طبعاً، في طياته بذور صراعات الموجة الثانية التالية، شبه المعلنة دون مواربة، على خطوط صدع جهوية وقبلية ما زالت مستمرة حتى الآن، وخاصة مع إغراءات وجود الغنيمة المثيرة، ممثلة في المدخرات السيادية الكثيرة، والعائدات الريعية النفطية الكبيرة.
وبسرعة ظهرت ثلاثة مراكز قوى جهوية كبرى، هي قوى الثوار «الشراقة» من قبائل ومدن برقة، التي اكتسبت الكثير من السلاح الداخلي والخارجي خلال أشهر الثورة. ومجموعات مدينة مصراتة التي تزعمت ثورة الغرب الليبي وتمكنت بعض كتائبها من نهب مخازن سلاح جيش القذافي عند تحرير طرابلس، وتحالفت معها خلال التحرير وبعده مليشيات مدن جبل نفوسة من الزنتان والأمازيغ. كما نجحت مصراتة أيضاً، في تعبئة تحالف ضمني من «الحضَر» بحشد تحالف من بعض أهم مدن الغرب الليبي كزليتن والخمس والزاوية وغريان وزوارة، لتقليص أي دور أو حضور لـ«البدو» في الغرب الليبي الذين كانوا يعتبرون هم القرص الصلب والشريحة النافذة في عهد القذافي وخاصة قبائل ورفلة والقذاذفة والمقارحة وورشفانة والعجيلات والنوايل والصيعان.. الخ. وأما مركز القوى الثالث فظهر في الجنوب في مدينة سبها، عاصمة إقليم فزان، ممثلاً في قبائل أولاد سليمان، وزعامتهم التاريخية التقليدية أسرة سيف النصر(24)، وقد لعبت هذه الأسرة دوراً مؤثراً في ثورة فبراير ولها خصومة مزمنة مع نظام القذافي، وأحياناً بعد الثورة مع قبيلة القذاذفة.
وراحت هذه المراكز الثلاثة للقوى، تتفاعل مع بقية مفردات المعادلة الليبية الأخرى، في ضوء موازين القوى الجديدة، وهو ما أدى إلى صراع الكل ضد الكل بعد فترة وجيزة لاحقة. وقد اصطدمت القوى المدنية والقبلية في برقة مع المليشيات الإسلامية المتطرفة، واصطدمت مليشيات المصاريت في طرابلس مع أهل المدينة، ومع كتائب الزنتان كـ«الصواعق» و«القعقاع»، ما أدى لإخراج هذه الأخيرة من المدينة وإحراق مطار طرابلس العالمي، كما اصطدمت مع قبائل أخرى كثيرة منها ورفلة في بني وليد، وورشفانة في سهل جفارة. وفِي الجنوب اصطدمت أيضاً قبيلتا أولاد سليمان والزويّه مع قبائل التبو ذات الأصول الإفريقية. واصطدم هؤلاء مع الطوارق.. الخ. وكان من المفارقة أن كل طرف في هذه الصراعات اللاحقة كان يستند في دعاواه ودعايته إلى مبدأ «الشرعية الثورية»، تماماً كما كان الحال في عهد نظام القذافي.
والأدهى من ذلك والأنكى -وربما الأبكى- أن نظام الشرعية الثورية الجديد هذا ظهر أيضاً حاملاً معه بذور استدامته واستمراره، مرسخاً بذلك وصفة فشل مستدامة لعرقلة مشروع إعادة بناء الدولة من جديد.

تغول «الإخوان» وتغلغل «المقاتلة»
وكان أخطر ما في الحالة السياسية الجديدة في ليبيا ما بعد سقوط نظام القذافي، وبداية احتشاد كل عوامل الانفجار والفشل، ركوب تحالف «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة» لموجة الثورة وسعيهما في مرحلة ما بعد التحرير لفرض أجندتهما، المفارِقة لأهداف الثورة بما هي أشواق للحرية والتغيير والحقوق المدنية والديمقراطية والتنمية.. الخ. وتغلغل «الإخوان» في برلمان «المؤتمر الوطني» بحكم قدراتهم المادية والتمويل الخارجي الذي يلقونه من قطر وتركيا، فيما ركز تنظيم «المقاتلة» على التغلغل في الأجسام العسكرية التي تزعُم وصلاً بالثورة وشرعيتها. وراح «الإخوان» يشكلون حزبهم «العدالة والبناء» وأحزاباً أخرى حليفة أو رديفة، ويستحوذون على مواقع صنع القرار والمناصب- المفاتيح في نظام الحكم الجديد وفي الإعلام عبر قناة «النبأ»، وقناة «التناصح» التابعة للمفتي «الإخواني» الصادق الغرياني، كما كانوا ينخرون من الداخل أيضاً كثيراً من المليشيات ذات المسميات الجهوية والقبلية الفضفاضة.
وساعد أيضاً الإعلام التلفزيوني الداعم للإرهاب تنظيم «المقاتلة» على السيطرة على مواقع- مفاتيح في طرابلس، منذ يوم تحرير- سقوط العاصمة الليبية بأيدي الثوار. حيث ظهر زعيم «المقاتلة» عبدالحكيم بلحاج في بث مباشر من قناة «الجزيرة» القطرية، من مقر القذافي السابق في معسكر باب العزيزية، يوم تحرير طرابلس، وقدمته بصفته «قائد المجلس العسكري لطرابلس»، رغم دوره المحدود في الجهد المسلح! ومنذ تلك اللحظة سيطرت «المقاتلة» على قاعدة معيتيقة الجوية، المطار الثاني في المدينة، الذي سيحوله بلحاج لاحقاً إلى مقر لشركة النقل الجوي التي أنشأها! كما سيطرت «المقاتلة» أيضاً على سجن بوسليم وأطلقت منه ما تبقى من مسلحيها الذين اعتقلوا خلال الثورة، وبسطت نفوذها على كثير من المواقع السياسية والسيادية الأخرى. وأقامت سجونها الخاصة كسجن الهضبة وسجن معيتيقة. وشكلت مجلساً محلياً للمدينة يرأسه بلحاج، ومساعده المهدي الحاراتي، الليبي- الإيرلندي، قبل أن ينخرط هذا الأخير في الحرب السورية في صف الجماعات المتطرفة. وقد أدى تغول تنظيم «المقاتلة» إلى ظهور كثير من المليشيات السلفية- الجهادية الحليفة والعنيفة، حيث تم في كثير من الأحيان تغيير أسماء كتائب ثوار خلال 17 فبراير إلى أسماء «جهادية» صريحة، كـ«كتيبة راف الله السحاتي» في بنغازي التي تحول الجهد الرئيسي منها إلى تنظيم «مجلس ثوار بنغازي» وكذلك تنظيم «أنصار الشريعة» الإرهابيَّين. وضمن دورة حياة مخرجات قمقم تنظيم «المقاتلة» انخرط أيضاً كثير من أتباعه لاحقاً ضمن ما سمى تنظيم «داعش» في مدينتي سرت وصبراتة، وفي مواقع مختلفة أخرى من الصحراء الليبية.
وكان لدور وحضور «المقاتلة» في ثورة فبراير تأثير مدمر في فترة ما بعد انتهاء الثورة، حيث إن ذاكرة عناصر التنظيم المثقلة بأعباء السجون والمطاردات في عهد النظام السابق، والسابقة الأفغانية لمعظمهم، جعلتهم ينخرطون في أعمال قتل متسلسلة، طالت حتى -قبل استكمال الثورة- اللواء عبدالفتاح يونس العبيدي قائد جيش ثوار فبراير، حيث صفـّي معه عناصر محسوبون على «المقاتلة» حساب مطاردتهم في كهوف منطقة الجبل الأخضر خلال منتصف التسعينيات، عندما كان يونس قائداً لسلاح الطيران في عهد القذافي، أو هكذا يسود الاعتقاد على نطاق واسع بين كثير من الليبيين. كما انخرط عناصر التنظيم أيضاً بعد التحرير في عمليات اغتيال لمئات من ضباط الجيش الليبي وضباط الأمن في عهد النظام السابق. ومع كثافة اغتيال ضباط الجيش وانهيار الحالة الأمنية، وفشل النظام الجديد في وضع حد لذلك، أمسك العسكريون الليبيون زمام المبادرة من جديد، وشرعوا في بناء جيش وطني ليبي جديد يكون بديلاً للمليشيات والمجموعات المسلحة، وبهذه الكيفية انطلقت عملية «الكرامة» بقيادة اللواء -ثم الفريق والمشير- خليفة بلقاسم حفتر، الذي عينه مجلس النواب في طبرق قائداً عاماً للجيش الوطني الليبي، وقد انخرط منذ ذلك الحين في صراع مرير ضد المجموعات المتطرفة المسلحة في شرق ليبيا خاصة.
وبدافع من الاستفراد بالسلطة انخرط «الإخوان» أيضاً في عملية تصفية للطبقة السياسية السابقة، وحتى الطبقة السياسية الجديدة من غير المحسوبين على تيارهم، ففصّلوا ما يشبه «لجنة اجتثاث» لكل من لم يكن «إخوانياً» تحت دعاوى عزل «فلول» النظام السابق. واستهدفوا بذلك بشكل خاص قيادات التيارين الليبرالي والقومي من الليبيين وحتى بعض التكنوقراط البيروقراطيين، وخاصة بعد خسارتهم في ثاني تجربة مع صندوق الاقتراع في انتخابات مجلس النواب اللاحقة سنة 2014 التي رفضوا الاعتراف بنتائجها. وبدأ لأول مرة ظهور برلمانين، أحدهما منتخب ومقره في طبرق بشرق ليبيا برئاسة المستشار عقيلة صالح، والثاني برلمان «المؤتمر الوطني» منتهي الولاية الذي رفض التسليم بالنتائج أو حل نفسه في طرابلس. وترتيباً على نزاع الشرعية بين البرلمانين تشكلت أيضاً حكومتان، إحداهما برئاسة عبدالله الثني وهي في صف البرلمان المنتخب الذي يدعمه الجيش الليبي بقيادة حفتر، والثانية برئاسة خليفة الغويل وهي في صف «الإخوان» و«المقاتلة» و«المؤتمر الوطني» وجناحهم المسلح المعروف بمليشيات «فجر ليبيا» وبدعم خارجي من قطر وتركيا، وقد تمكنت مجموعات مسلحة في فترة لاحقة من طرد هذه الحكومة «الإخوانية» من طرابلس، وتخليص العاصمة من سيطرتها. ثم ظهرت الحكومة الثالثة، تالياً، بضغط دولي خارجي بعد استحقاق اتفاق الصخيرات في المغرب سنة 2015، وهي الحكومة المعترف بها دولياً برئاسة المهندس فايز السراج، والمستندة الآن في طرابلس على مليشيات جهوية وقبلية بعضها منشق عن «فجر ليبيا»، كما تلقى أيضاً دعماً إيطالياً ملموساً وأوروبياً محسوساً. ووسط نزاع هذه الحكومات والشرعيات الثلاث ازداد تهميش وتهشيم مركزية الدولة، وسلطتها، بشكل غير مسبوق، حمل كل أعراض -وأمراض- ظاهرة «الدولة الفاشلة»، تقريباً. وقد دلّ حال العاصمة طرابلس الآن، وتهميش وتهشيم مركزيتها، والصراع على رمزيتها، دلالة عميقة على حال التحدي الذي تواجهه الدولة الوطنية الليبية ككل.

معادلة المركز والهامش
وزاد من استعصاء استعادة مركزية الدولة في الحالة الليبية كون العاصمة طرابلس(25) تعتبر تقويماً اجتماعياً وسياسياً مختلفاً عن حال كثير من العواصم الأخرى الميتروبوليتية القوية القابضة، حيث يكون الميتروبول عادة مركز استقطاب تدور في فلكه -طوعاً أو كرهاً- الأطراف والهوامش من دواخل وقبائل وأقاليم وأرياف وقرى وبوادٍ، في عموم البلاد. هذا على رغم مركزية مدينة طرابلس التاريخية كعاصمة للغرب الليبي، وهو ما يفسر أصل التسمية وأصلها Tri-poli أي «المدن الثلاث»، حيث كانت اسماً للإقليم كله، الذي كانت تسوده في العهدين الفينيقي والروماني، ثلاث حواضر هي مدينة لبدة الكبرى (بضواحي مدينة الخُمس الحالية) ومدينة أويا (طرابلس الحالية)، ومدينة صبراتة (60 كلم غرب طرابلس). ولكن منذ ظهور الدولة الوطنية في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي أخذت طرابلس تفقد مركزيتها بعض الشيء، حيناً بإشراك بنغازي (عاصمة الشرق الليبي) اسمياً معها كمتروبولين لعموم البلاد، وحيناً آخر بنقل العاصمة إلى مدينة البيضاء في الجبل الأخضر بشرق ليبيا في أواخر عهد الملك إدريس. وأخيراً بتهميش طرابلس نفسها في آخر عهد القذافي، وجعل مدينة سرت عاصمة إدارية بدلاً منها.
والقصد من هذه الاستطرادات أن رمزية العاصمة في أي بلد كموقع ارتكاز واستقطاب وتركز للسلطة المركزية، تراخى بشكل محسوس في الحالة الليبية، ولهذا دلالته السياسية لجهة ترسيح تراخي مفهوم السلطة والدولة المركزية ككل. وزادت البنية السكانية للعاصمة الليبية الأمر هشاشة أيضاً في مواجهة الأطراف والدواخل والقبائل، حيث تحضر في الأقاليم العصبيات القبلية القوية، والحضرية الجهوية المتماسكة، في حين تغيب هذه المقومات في الحضر وخاصة طرابلس، حيث عرفت منذ ظهور النفط هجرة كثيفة من دواخل وقبائل الغرب الليبي، بحيث لم تعد فيها أية عصبية غالبة، ولا جهوية جامعة، فالأغلبية الساحقة من سكانها يعودون بولاءاتهم لانتماءاتهم القبلية والجهوية السابقة.
وغياب العصبية الغالبة في الميتروبول- المركز للدولة، وطبيعة الحضر أنفسهم بما هم ميّالون بطبعهم إلى الموادعة(26)، في مقابل البدو أهل العصبية القوية والشوكة والجسارة والمدافعة، كما يخبرنا بذلك ابن خلدون في المقابلة بين طباع أهل العمران الحضري وأهل العمران البدوي، كل ذلك كانت له تداعياته السياسية أحياناً مخصومة من قوة الدولة المركزية القابضة بما يؤدي إلى تحولها إلى بوتقة صهر خلاقة تنسحق وتنمحق في دورة حياتها العصبيات والهويات والولاءات الفرعية، القبيلة والجهوية. وغياب هذا العامل المؤثر في قيام واستقرار الدول المركزية كانت له انعكاساته على الحالة الليبية، منذ انهيار قبضة الإكراه السلطوية الجامعة في عهد النظام السابق. وكان من نتيجة ذلك انتعاش العصبيات والولاءات الفرعية، وظهور دعوات لاستعادة النظام الفيدرالي، وإلغاء المركزية كفكرة وكممارسة من الأساس. ولنتحولْ فيما يلي إلى بعض أبرز هذه المطالبات بإلغاء مركزية الدولة، واستعادة النظام الفيدرالي.

اقرأ أيضا

كوريا الشمالية: نزع السلاح النووي غير مطروح للتفاوض مع أميركا