الاتحاد

تقارير

صفقة مع «الشيطان» في أفغانستان!

في أي مكان آخر من العالم، كان سيبدو المشهد عاديّاً: حوالي عشرة رجال يعملون بمشروع لإنشاء طريق جديد. أما هنا في أفغانستان، فمشهد عمال يعملون في مشروع إنشاء طريق عام من المرتقب أن يربط هذا الإقليم الواقع شمال العاصمة كابول، فيعتبر استثنائيّاً وغير عادي. وفي هذا الإطار، يقول محمد قيس، وهو سائق شاحنة أوصل للتو إمدادات إلى موقع الأشغال: "إنها مناسبة سعيدة جدّاً أن ترى الشبان يعملون بجد وإخلاص على هذه الطريق"، مضيفاً "قريباً سيصبح لدينا طريق معبد. أما في الماضي، فقد كنا نضطر لوضع شخص مريض على ظهر حمار أو نقالة ونمشي لساعات للوصول إلى المستشفى، غير واثقين مما إن كان المريض سيصل إلى هناك في الوقت المناسب".
ومع هذا يعتبر قيس أن الفضل في إنشاء هذا الطريق الجديد لا يعود إلى الحكومة المركزية أو المساعدات الخارجية، بل يشكر "طالبان" لأنها سمحت بإنجاز المشروع إذ يقول: "ليبارك الله في طالبان لأنها سمحت لنا بالعمل على هذا الطريق. وإلا، فمن كان سيتجرأ على العمل هنا؟".
ومثله، يرى أمير الله، وهو زعيم قبلي محلي في منطقة "تاجاب" بالإقليم، أن "طالبان" هي المسؤولة عن نجاح المشروع في نهاية المطاف وعن ذلك يقول: "إن السبب الذي يفسر عدم وجود خوف هو أن طالبان رخصت لنا في هذا المشروع. فلو كانت رفضته، لما وجدت شخصاً واحداً هنا الآن"، مضيفاً "هذا شيء جيد قامت به طالبان، خاصة أن فصل الشتاء على الأبواب، والناس في تاجاب أميون وعاطلون عن العمل. وبالتالي، فهذا المشروع يعني أن المنطقة ستشهد أعمال بناء، وأن الناس سيستطيعون كسب لقمة عيشهم".
غير أن السبب الذي جعل "طالبان" تتخلى عن معارضتها المعتادة لمثل هذه المشاريع ما زال موضع نقاش. فالمسؤولون المحليون يقولون إنهم استطاعوا الضغط على "طالبان" ودفعها لضمان أمن وسلامة المشروع. أما الحركة نفسها فتقول إنها سمحت بمضي العمل قدماً كعربون حسن نية تجاه السكان المحليين. ولكن مهما يكن السبب، فإن مشروع بناء الطريق يمثل تغيراً واضحاً في تكتيكات المتمردين.
ففي الماضي، كان إقليم "كابيسا" ينال نصيبه من هجمات المتمردين على المشاريع المرتبطة بالحكومة أو حلفائها الدوليين. وكان الإقليم يتعرض لهجمات كثيرة من قبل عناصر "طالبان" إلى درجة أن أي شخص يعمل على مشاريع التنمية أو يتقاضى أجراً من منظمات المساعدات الدولية كان يتعرض في الغالب للترهيب أو الاختطاف أو القتل.
وفي هذا الإطار، يقول سلطان محمد ساباي، رئيس الحكومة المحلية في "نجراب"، إن المتمردين اختطفوا شابّاً كان يعمل في مشروع بناء طريق العام الماضي. وقد وُجدت جثته لاحقاً معلقة على شجرة.
ثم بلغت الأمور مرحلة دقيقة في شهر أغسطس عندما اختطف عناصر "طالبان" اثنين من عمال كانوا يبنون طريقاً في منطقة "نجراب". فعندما رفض المتمردون الإفراج عن الرجلين، حمل السكان المحليون السلاح وأمَّنوا الإفراج عنهما بعد معركة نارية قصيرة. وبعد ذلك، بدأ الزعماء المحليون محادثات مع "طالبان" بهدف إقناعها بالسماح بتنفيذ المشاريع التي تفيد الأهالي.
ويقول حجي محمد خان، وهو زعيم قبلي محلي، إن المفاوضات، التي قامت بها وفود تضم أشخاصاً نافذين عقدوا اجتماعات وجهاً لوجه مع قادة "طالبان"، كانت صعبة في البداية، موضحاً أن "المحادثات كانت مركزة على بناء المدارس والمراكز الصحية والجسور والقنوات والمجاري والسدود -وكلها مشاريع تصب في مصلحة السكان... ولكنهم قالوا لنا إنهم سيناقشون الأمر بينهم وسيخبروننا بالنتيجة لاحقاً. وبعد ذلك، سمحوا لنا بتنفيذ مشاريع تفيد السكان".
وقد عبَّر حاكم إقليم "كابيسا" بالوكالة محمد شريف عن رضاه عن نتيجة المحادثات بعد أن وافقت "طالبان" على السماح بإنجاز مشاريع الأشغال العامة في مناطق "ألاساي" و"تاجاب" و"نجراب"، على أن مزيداً من مشاريع التنمية من المحتمل أن يبدأ قريباً كذلك. ويقول شريف: "لقد أدركت طالبان أن هذه المشاريع تفيدها هي أيضاً؛ ولذلك، فإنها لم تعد تتدخل لتعرقل المشاريع التي تخدم السكان؛ وبات باستطاعة المهندسين والعمال والسائقين اليوم العمل في أمان وبدون خوف".
ويعترف زعماء المتمردين المحليين بأن تغيراً قد طرأ على موقفهم، ولكنهم يشددون على أن الأمر يتعلق بقرار داخلي، وليس بتنازل فرضه عليهم السكان المحليون الغاضبون. وتعليقاً على هذا الموضوع، يقول قائد محلي لـ"طالبان" تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه: "إن المشكلة الحقيقية هي أننا كنا نعارض المشاريع التي تفيد السكان، فانقلب بعض الناس في تاجاب علينا. ولكن طالبان لا ترغب في أن يكون الناس مستائين منها".
ويقول إن "طالبان" لم تكن تعارض مشاريع البناء العامة، وإنها كانت تهاجم المدارس والمراكز الصحية وغيرها بسبب وجود جنود أفغان. أما اليوم، يضيف القائد المحلي من "طالبان"، فـ"لدينا مخطط يسمح بالمشاريع التي تفيد السكان. إننا نعارض المشاريع المرتبطة بالجيش فقط، فتلك مشاريع لن نسمح بها أبداً".


مايواند سافي
إقليم كابيسا - أفغانستان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا