الاتحاد

تقارير

موسكو وواشنطن: تقاطعات في أفغانستان

غادرت أخر قوات تابعة للجيش الأحمر السوفييتي العاصمة الأفغانية كابول عام 1989، وقد أرغمت على الانسحاب منها بعد تسع سنوات من هجمات المجاهدين الذين كانت تدعمهم الولايات المتحدة الأميركية. ورغم الاختلافات الكبيرة بين الحربين الروسية والأميركية في أفغانستان، فهناك عدة تقاطعات وتشابهات بينهما. فقد مر يوم الجمعة الماضي هادئاً في أفغانستان، ففيه حلقت الطائرات العمودية في دوريات عادية لها، بينما مرت الأفواج العسكرية آمنة عبر الطرق الصحراوية، ولم تقع أي هجمات على الجنود الأميركيين المرابطين في نقاط التفتيش في المناطق الجبلية الوعرة. غير أن انقضاء يوم الجمعة الماضي، يشير إلى أمر بالغ الأهمية في المقارنة بين الحربين. ففي ذلك اليوم بلغت الحملة العسكرية الأميركية على أفغانستان، ذات المدة الزمنية التي استغرقتها الحرب السوفييتية على الدولة نفسها سابقاً، مع العلم أنها كانت حرباً طويلة، استنزافية ومثبطة للروح المعنوية القتالية. ففي الخامس عشر من فبراير 1989 دحرت قوات الجيش الأحمر السوفييتية الغازية من أفغانستان أمام نيران المجاهدين، بعد أن استمر احتلالها لأفغانستان تسع سنوات و50 يوماً. ومن فرط شراسة أولئك المقاتلين وقدرتهم على المناورة والكر والفر- رغم أنهم كانوا يرتدون أسمالاً بالية وينقصهم الكثير من العتاد الحربي- فقد وصفتهم قوات الجيش الأحمر السوفييتية بعبارة dukhi التي تعنى "الأشباح". وربما كانت هذه التسمية ملائمة جداً لمقاتلي بلد طالما وصف بأنه "مقبرة للغزاة".
والحقيقة أن الكثير من أفراد القوات الأميركية المنتشرين حالياً في أفغانستان، والذين يبلغ عددهم 100 ألف جندي، لم يكونوا قد ولدوا حينها أو كانوا صغاراً جداً لدرجة أنه يصعب عليهم تذكر أي شيء عن أحداث الاجتياح السوفييتي لأفغانستان. ورغم أن زعيم حركة "طالبان"، الملا محمد عمر، كان قد فقد إحدى عينيه في تلك الحرب، فإنه كذلك يصعب على الكثيرين من مقاتليه المشاة تذكر تلك الأحداث الآن. هكذا يمكن القول إن الغزو السوفييتي لأفغانستان قد أصبح جزءاً من التاريخ القديم نوعاً ما. ومع ذلك فآثاره وبقاياه لا تزال تنتشر في المشهد الأفغاني كله إلى اليوم. فهناك في جوف الوديان وفوق رؤوس الجبال، لا تزال ترقد الدبابات والمصفحات الروسية المحطمة، وكذلك الطائرات السوفييتية المقاتلة التي أسقطت أثناء الحرب. كما لا تزال الألغام الأرضية مزروعة في الكثير من المناطق، رغم مضي سنوات عديدة من جهود إزالتها. وتوجد هناك أيضاً بعض بقايا البنية التحتية السوفييتية، بما فيها مهبط معدني للطائرات، لا تزال تستخدمه الطائرات التجارية إلى اليوم. أما أكبر قاعدة جوية أميركية في باجرام، الواقعة شمالي العاصمة كابول، فقد كانت إحدى القواعد السوفييتية الرئيسية ذات يوم.
وفي هذه الحرب أيضاً يدور التاريخ ويلتف على نفسه. ففي الحرب السوفييتية كانت واشنطن تدعم المجاهدين وتقدم لهم كافة أشكال العون والمساعدات. أما في الحرب الأميركية اليوم، فيزداد دعم موسكو وتعاونها مع قوات حلف "الناتو" الشريكة لواشنطن في الحرب. وخلال الشهر الحالي وافقت روسيا على السماح بمرور المدرعات والمصفحات الغربية إلى أفغانستان عبر أراضيها. وبالنسبة لمن عايشوا تلك الحرب السوفييتية في أيامها وكانوا جزءاً منها، لا تزال ذكرياتها باقية في عقولهم ووجدانهم دون شك. وهذا ما أكده أندريه لوجونوف -الذي كان رقيباً شاباً ساعة الغزو السوفييتي لأفغانستان، ويتولى الآن قيادة إحدى أكبر المنظمات الروسية لقدامى المحاربين، بقوله: لن أنسى أبداً ذلك اليوم الذي دخلت فيه وحدة الجنود المشاة التي كنت ضمن أفرادها الأراضي الأفغانية. فقد عبرنا إليها من أوزبكستان دون أن نضطر لإطلاق رصاصة واحدة. وهناك جلسنا فوق سياراتنا المصفحة وتأملنا جمال الطبيعة الأفغانية المسالمة الهادئة في الريف. ولم يكن في كل ما حولنا ما يحفز على الاستعداد لخوض أشرس المعارك الدموية التي عصفت بنا هناك.
يذكر أن الغزو السوفييتي لأفغانستان قد تم بدوافع الصراع الجيوبوليتيكي بين موسكو والغرب في سياق الحرب الباردة. وكان هدف الغزو الإبقاء على نظام شيوعي حاكم لا يتمتع بشعبية في كابول. أما الغزو الأميركي لأفغانستان فيستهدف ملاحقة وتعقب قادة تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان". ويذكر أن الغزو الأخير قد بدأ بقصف جوي لأفغانستان في 7 أكتوبر 2001، أي بعد أقل من شهر على هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة.
هذا وقد دأب المسؤولون الغربيون على رفض أي مقارنات بين الغزوين السوفييتي والأميركي لأفغانستان، بحجة الاختلاف الجوهري بين الاثنين، سواء كان من ناحية الأهداف أم الطريقة والأساليب القتالية، أم من ناحية عدد القتلى، وطريقة معاملة المدنيين الأفغان في الحربين. لكن يظل التشابه قائماً بين الغزوين. ففي كليهما اكتشفت القوة العسكرية الضاربة الكبيرة أن جبروتها العسكري لا يضمن لها الفوز بالحرب مطلقاً في مواجهة عصابات متمردة مسلحة، ذات خبرة عالية في خوض الحروب الاستنزافية الطويلة. كما واجه الجيشان الغازيان ذات الغضب الشعبي في وجه التدخل الأجنبي في إدارة الشؤون والصراعات الداخلية الأفغانية. ولم يقلل من حدة هذا الغضب كون الأميركيون والغربيون طعّموا غزوهم الحالي ببرامج مساعدات إنسانية وتنموية للمواطنين الأفغان.
والحقيقة أن كره الأفغان للتدخل الأجنبي في شؤون بلادهم -أياً كانت دوافعه وأهدافه- هو الذي أعطى أرضهم صفة "مقبرة الغزاة" الملازمة لها عبر التاريخ. وفي نظر المحللين العسكريين الروس، لا يبدو تفاؤل أوباما بقوله الأسبوع الماضي في لشبونة: "نحن أفضل حالاً الآن في أفغانستان، مقارنة بما كنا عليه في العام الماضي"، لا يبدو في محله. فمن وجهة نظرهم أن واشنطن لم تتعلم درساً واحداً حتى الآن من دروس الغزو السوفييتي لأفغانستان.


لورا كنج
سيرجي إل. لواكو
كابول وموسكو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشونال»

اقرأ أيضا