الاتحاد

دنيا

الميكانيكيون العرب

بالتأكيد فإن الكثيرين منا تعرضوا لمثل هذا الموقف، فهو ليس بعيدا عن شيمنا وأخلاقنا العربية الأصيلة (كما نقول عندما تحصل حالة لا نرضاها)، بل هو في جوهر تفكيرنا، الذي يعتمد على التبسيط وتسهيل الأمور التي تحتاج الى تعقيد، لابل هي معقدة أصلا، في ذات الوقت الذي نقوم فيه بتعقيد الأمور البسيطة جدا ونحولها الى (هليلة). نسيت أن أذكر لكم الموقف: الموقف الذي (نحسد عليه) هو أنك عندما ترسل سيارتك الى الميكانيكي، وتعود اليه خلال التصليح أو بعده، تجد بجانب الرجل علبة حبلى بالبراغي والمرابط والرونديللات والترانزستورات والأسلاك، ويقول لك الميكانيكي إنه أخرجها من جثة سيارتك ولكن لم يعدها لأنه (ما إلها داعي).
لاحظوا كيف أن مساعد الميكانيكي الذي هو في الغالب غير مؤهل علميا ولايكاد أنهى المرحلة الإعدادية، ولم يدخل دورة ميكانيك، بل تعلم البيطرة على جحشاتنا المعدنية.. تخيلوا أن هذا الرجل بكامل قيافته الذهنية يطلق النار على كافة علماء وخبراء الفرنجة، ويكتشف بأنه قادر على إلغاء ما يريد ما دام الميكانيكي (لا يعرف) لماذا وضع هذا البرغي أو هذه القطعة، أو بالأحرى لا يعرف أن يعيدها الى مكانها، ومن اجل عدم افتراض سوء النية، هو يعرف في الواقع لكنه يتكاسل عن ذلك.
لو كان كلام الميكانيكي أي ميكانيكي صحيحا، فسوف يربح الملايين لو أخبر الشركة الصانعة بأنه قادر على توفير كيلوجرام أو اكثر بكثير من البراغي وأشباهها في كل سيارة، وهذا لا شك يخفض من تكلفة التصنيع عشرات الدولارات، وهذا (الابتكار) يتطلب جائزة كبرى قد تصل الى الملايين، لمجرد احتكاره من قبل احدى الشركات الصانعة للسيارات في العالم... لكني واثق، لو أن الميكانيكي العربي ذهب الى هناك وعرض اختراعه في المجالس الهندسية، لاشك بأنه سيدان بعدة جرائم قتل يتناسب عددها مع عدد المهندسين والعلماء الذين سوف (يموتون) من الضحك خلال ذلك العرض المسلي.
المشكلة أن مهنة الميكانيكي في بلادنا لا تحتاج الى متطلبات أكاديمية ومهنية، كل واحد قادر على فتح محل ميكانيكي، حتى لو كان عاجزا عن التفريق بين المفتاح والمفك. على الرغم من أن الميكانيكي يتحكم بحياة الناس اكثر من الطبيب، وفي عمله مخاطرة كبرى، ليس على صاحب السيارة فحسب، بل على أفراد عائلته وأصدقائه ومن يقلّهم معه، اضافة الى الراكبين في السيارات الأخرى خلال سواقته. مع ذلك يطلبون من الطبيب شهادة تسرق من عمره اكثر من 7 سنوات لافتتاح عيادة، بينما لا يطلبون من مدعي الميكانيك سوى التسجيل في الوزارة المختصة لغايات حفظ الاسم من التكرار واستغلال (السمعة)، والباقي على الله!!
الآن وبعد أن أشبعتكم حقدا ومسخرة من الميكانيكي، أقول لكم بكل صراحة ووضوح وأسف، أن هذا الميكانيكي، هو أنا وأنت سيدتى وأنتم وأنتن وهم وهن....... المكيانيكي هو نحن جميعا الذين نرتمي بكل نعس على قارتين.... نحن العرب أجمعين، «ميكانيكيون بالفطرة» أو على البركة.. والاستثناءات نادرة.
نحن الذين غالبا ما نضع البراغي في مكانها غير الصحيح، ونترك المكان الذي يفترض أن نثبته مخلخلا بدون دعم أو حماية. وبين الفينة والأخرى، فإننا نلغي كل فترة كومة من البراغي، دون أن ندري لماذا تم وضعها أصلا، ولماذا تم الاستغناء عنها، دون أن يتأثر أداء الجهاز الإداري، هذا إذا لم يتحسن للأفضل.



يوسف غيشان
ghishan@gmail.com

اقرأ أيضا