الاتحاد

دنيا

ابنك بخير لكنه سيموت

تعرّض شاب من أقاربنا لإصابات بليغة نتيجة حادث دراجة نارية، ووصلت أمه إلى المستشفى أثناء إجراء عملية ترميم جمجمة ابنها وهي ترتجف من هول الصدمة. أخذنا نهدئ من روعها ونطمئنها بأي شيء يخطر على بالنا: نزيف الدم من رأسه بشارة خير لأن النزيف الداخلي أخطر، القشرة التي تحمي الدماغ سليمة، عموده الفقري لم يتأذى، الأطباء مشهود لهم بالتميز. وفعلاً هدأت الأم وبدأ اللون الأصفر ينحسر من وجهها تدريجياً.
تجمّع عدد كبير من أقاربنا في مقهى المستشفى لمتابعة تطورات العملية التي استغرقت خمس ساعات، وبدأت أعصابنا ترتخي وانفعالنا يخفّ مع دخولنا في ساعات الفجر الأولى، بينما بقيت الأم واجمة ونحن نتحدث في أمور شتى. وفي أثناء ذلك قفزت واحدة وقالت إن العملية مضمونة، لكنه سيعاني مستقبلاً من صداع مزمن، وذكرت شواهد على كلامها. وبعد قليل قال أحدهم يُطمئن الأم: لا تخشي على ابنك، فصحيح أن هذا المستشفى كان يسمى سابقاً «المجزرة»، لكنها حالياً يعد من المستشفيات المتطورة. ثم جاء ثالث وقال موجهاً كلامه إلى شباب العائلة الذين يملكون بدورهم دراجات نارية: ألم أقل لكم بأن الدراجات خطرة وأن نسبة الموت معها مرتفعة؟ هنا كان وجه الأم قد اصفرّ تماماً وأصبح مثل زهرة دوار الشمس ذابلة.
في اليوم التالي، كانت صورة الشاب وهو في غيبوبة منتشرة في هواتف كل المعارف والأصدقاء وطلبة الجامعة التي يدرس بها، فأجريت تحقيقاً سريعاً واكتشفت أن أحد الأعزاء هو الذي صوره بهذه الحالة، فوبّخته وسألته عن الدافع، فقال إنه أراد أن يوجه دعوة إلى الجميع كي يدعوا له بالشفاء العاجل، فقلت له: وما علاقة الدعاء له بنشر صورته وهو بتلك الحال المروعة؟ فقال: كي يعرفوا الشخص الذي سيدعون له، فقلت له: إنهم في دعائهم سيتوجهون إلى الله تعالى، وهو جلّ شأنه يعرف أن هذه الأدعية مقصود بها فلان الذي في غيبوبة.
نجحت العملية لكن الشاب بقي تحت التخدير لمدة عشرة أيام، مجرد جثة على قيد الحياة. وخلال هذه الأيام ماتت أمه ألف مرة بفضّل فضول بعض الأقارب والمعارف وتفلسفهم في أمور لا يعرفون عنها أي شيء، فهذا يشرح لها بدقة دور كل جهاز برغم أنه يرى الأجهزة لأول مرة، وآخر يقترح على الأطباء نزع أجهزة التنفس الصناعي ثم يهمس في أذن الأم بأن فلاناً توفي بسبب الأوكسجين الزائد الذي دخل إلى رئته. وواحدة تقول للأم إن ابنها يعاني من الآلام ويشعر بنا، بدليل إنه يحرك رجليه بين الحين والآخر.
بفضل الله وكفاءة الجهاز الطبي فتح الشاب عينيه أخيراً، لكنه كان مجرد مستمع لا يقدر على الكلام ومربوط في جزئه العلوي لئلا يتحرك ويفسد كل شيء، وهنا حضر أحدهم ووقف ينظر إليه وهو غاضب، ووجه إليّ الكلام كأنني المتسبب في الحادث أو الضابط المسؤول، قائلاً: هل هذا معقول، هو في هذه الحالة والمتسبب في الحادث حر طليق؟ أين القانون؟ أين الشرطة؟ ثم وقف على أصابع قدميه وأخذ يتأمل جمجمة الشاب المصاب الذي كانت عيناه تدوران في رأسه يريد أن يعرف ماذا حصل له. ثم قال له: أنا أخلي مسؤوليتي منذ الآن، لأن الأطباء الأغبياء وأفراد عائلتك الكرام يرفضون نقلك إلى الخارج لاستكمال علاجك.



أحمد أميري
Ahmedamiri74@yahoo.com

اقرأ أيضا