الاتحاد

الإمارات

مبدعون: الاستراتيجية الثقافية للدولة ترسخ لقيمة الهوية الوطنية، وتتواصل مع الفضاء الثقافي العالمي والإنساني

تفرض مناسبة مهمة مثل الاحتفال باليوم الوطني الـ 39 عاماً لقيام الاتحاد، الكثير من الاسترجاعات والانتباهات المتعلقة بالتنمية الثقافية التي تشهدها الدولة في ظل التحولات الكبيرة التي طرأت على ملامح وبنية المكان، وكذلك في ظل القفزة النوعية التي لامست أنشطة وفعاليات مسرحية وشعرية وسينمائية وموسيقية وتشكيلية أسست فيما بعد لحراك ملحوظ في الوعي الإبداعي لمعنى الثقافة ومعنى انتاجها، والاشتباك بالتالي مع البعد الحضاري والمنفتح لهذه الفعاليات على المناخ العالمي وبكل ما يضمه هذا المناخ من رغبة في الحوار والتواصل والتبادل الفني والمعرفي مع الآخر ومع كل الأنماط الثقافية المعاصرة والمتمايزة.
ومن هذا المنطلق فإن احتفاء المبدع الإماراتي بهذه المناسبة الوطنية إنما ينبع من هاجسين لا يفترقان إلا لكي يلتقيا في مسار واحد ومشترك فيما بعد، فالهاجس الأول مبعثه الارتباط بفكرة الاتحاد من منطلق الذاكرة الشخصية والمكانية، أما الهاجس الثاني فيذهب باتجاه الحاضر والمستقبل فيما يشبه الأمل الجماعي والإصرار المشترك على دوام التجربة واستمراريتها، كونها تجربة معنية حتى العظم بخصوصيتها وفي ذات الوقت هي لا تلغي ولا تنبذ مبدأ التعاطي مع الحداثة وما بعدها، لأنه مبدأ يحمل ذخيرته وعدّته الكافية لاستشراف ومواجهة الأسئلة والتحديات القادمة.
في الاستطلاع التالي يفصح عدد من السينمائيين والشعراء والتشكيليين والمهتمين بالتراث الشعبي عن آرائهم وانطباعاتهم حول قيمة ومعنى الاحتفال باليوم الوطني بالدولة، وما يحمله هذا الاحتفال من ذكريات وتطلعات أيضا.
رمز التحول
ويقول حبيب الصايغ رئيس مجلس إدارة اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات إن اليوم الوطني هو يوم مجيد يشتمل على ذاكرة حيّة ومتجددة. نتذكّر في هذا اليوم الآباء المؤسسين وعلى رأسهم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “طيب الله ثراه”، ومجد أولئك يتجدد اليوم مع القيادة الرشيدة ومع شعب الإمارات التواق أبداً إلى خلق تنمية تليق بطموحات هذا الشعب. واليوم الوطني بالنسبة لنا كأدباء هو رمز للتحول الذي تحقق في هذه الدولة. وشخصياً أتذكر عندما كنا صغاراً كانت هناك دروس في الإنشاء عن “الإمارات بين الماضي والحاضر” كنا نجيب عن ذلك “بسذاجة” وتلقائية، الآن ونحن في هذا العمر وبعد أن مرّ على النشأة تسع وثلاثون عاماً وهذه التجربة الواسعة وعندما نتذكر الفرق الهائل بين الماضي والحاضر ونهر التطور الذي جرى بينهما فإن السؤال ذاته عن “الإمارات بين الماضي والحاضر” نجد أن هذا السؤال صعب جدا ويسأل المرء نفسه: كيف يمكن لي أن أعبّر عنه؟ هل نجيب بالطريقة الأولى ذاتها؟
هذا اليوم ليس عادياً في تاريخنا، ربما لدى البعض من الشعوب بالنسبة لها يكون اليوم الوطني يوماً عادياً لأن الفارق ليس بهذا الحجم بين الماضي والحاضر. باختصار، إنه يوم له ما بعده.
التراث
يقول مدير إدارة التراث بثقافية الشارقة الباحث والشاعر عبدالعزيز المسلم “ إن الإسهامات التي قدمتها تجربة الاتحاد للمنجز التراثي هي إسهامات قوية وملحوظة، وهي نابعة من الاهتمام الشخصي للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “طيب الله ثراه”، والذي كان دائما ما يولي الجانب التراثي ما يستحقه من عناية وترويج وتوثيق أيضا”.
وأشار المسلم إلى أن ظلال الاتحاد وانعكاساته على الحياة المهنية والإبداعية للمثقف الإماراتي تؤكد على الارتباط الحيوي بين الفعل والذاكرة، وبين محددات الهوية وروح المكان، وهي كلها عوامل تسعى لتجذير العلاقة بين المبدع وبين محيطه الذي يتداخل مع وعيه وانتاجه النوعي.
وأضاف المسلم أن بصمات الاتحاد وإنجازاته باتت واضحة في المؤسسات والمراكز البحثية المهتمة بالتراث والشعر الشعبي، مثل بيت الشعر بأبوظبي، ونادي تراث الإمارات ومركز الشارقة للشعر الشعبي، وأكاديمية الشعر، والمراكز البحثية والهيئات المهتمة بتوثيق التراث وتعريف الأجيال الجديدة بمكوناته ومفرداته، وأكد المسلم على أن الاهتمام الرسمي بالتراث أدى إلى عقد اتفاقيات دولية وعالمية مهمة من أجل تطوير البحث في فضاءات التراث الثقافي.
المؤسسات الثقافية
أما الشاعر أحمد العسم فيشير إلى التطور الكبير الذي لامس معظم المؤسسات الثقافية في الدولة والذي كان لمسيرة الاتحاد المتلاحقة والمتسارعة دوراً في تأكيد هذا التطور والرهان عليه، خصوصا مع وصول صوت المثقف الإماراتي إلى المحافل الخليجية والعربية والدولية، وهو إنجاز تدعمه وتقف وراءه جهات مختلفة مثل وزارة الثقافة وهيئة أبوظبي للثقافة والتراث والدوائر الثقافية في إمارات الدولة المختلفة، والتي ساهمت وبشكل مؤثر وحيوي في تفعيل الحراك الثقافي.
وقال العسم “إن ملامح هذا التطور باتت ملحوظة من خلال الأنشطة النوعية والإصدارات الكثيرة التي يقدمها اتحاد الكتاب الذي انتسب إليه” فاتحاد الكتاب، كما يضيف العسم” لم يكن لينجح في تنفيذ معظم خططه وفعالياته لولا الدعم الكبير من الوزارات والمؤسسات التي تعمل تحت ظل ونهج الهاجس الوطني الشامل والمعني بجعل الثقافة ركيزة مهمة من ركائز التنمية الشاملة في الدولة”.
المشهد الثقافي
ويرى الشاعر عبدالله السبب أن عقد مقارنات بين حال المشهد الثقافي في الإمارات قبل قيام الاتحاد وبعده، يؤكد على مدى ما وصل إليه هذا المشهد من ذروة وحراك وحيوية بات الجميع في الداخل والخارج يشعر بعمقها وتأثيرها وقدرتها على تطوير أدواتها باتجاه ما هو أجمل وأكثر إشراقا.
وأوضح السبب أن صوت الأندية الثقافية الذي كان خافتا في الستينيات والسبعينيات تحول الآن من خلال المؤسسات الثقافية العملاقة في الوقت الراهن إلى صوت مسموع بقوة وبات صداه واضحا في ملامح ونمط الاستراتيجية الثقافية التي ترسخ لقيمة الهوية الوطنية، وتتواصل في ذات الوقت مع الفضاء الثقافي العالمي والإنساني، حيث إن حوار الحضارات هو مربط الفرس هنا في تحقيق حلم المجتمعات الطموحة مثل مجتمع الإمارات.
تحول في المعنى الثقافي
بدوره يرى الشاعر والروائي وكاتب السيناريو محمد حسن أحمد أن التحولات التي شهدتها الإمارات في ظل الاتحاد هي تحولات هائلة وساهمت في تغيير الوعي بقيمة ومعنى الثقافة، بحيث أصبحت كل إمارة من إمارات الدولة تقدم أجندة سنوية لأنشطتها الثقافية التي تسعى لتوسيع رقعة الاهتمام بهذا المنحى الحضاري الملحّ والمطلوب في الوقت الراهن.
وفي سؤال حول تأثير هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية على مواضيعه الأدبية والسينمائية أجاب محمد حسن “بأن النهضة الكبيرة والتغيرات الهائلة في البنى التحتية وفي منظومة الحياة الاجتماعية فرضت على نوعية كتاباتي وانتباهاتي السينمائية رغبة داخلية وجمالية في توثيق هذه التغيرات وتلمّس تأثيراتها، والدخول في تفاصيل القصص الإنسانية المتمحورة حولها”.
الفن التشكيلي
من جهته ينظر الفنان التشكيلي خليل عبدالواحد للمنجز الفني في ظل الاتحاد على أنه منجز ملحوظ وتمت ترجمته بشكل فعلي وواضح في الفعاليات التشكيلية المهمة مثل بينالي الشارقة والمعارض الفنية الكبرى في دبي وأبوظبي والإمارات الأخرى، ما يشير بقوة ــ حسب عبدالواحد ــ إلى دور اتحاد الإمارات من خلال الخبرة الثقافية المتراكمة في الاهتمام بالفن التشكيلي كمفصل ثقافي مؤثر في بنية التنمية الشاملة. وأشار عبدالواحد إلى أن ملامح هذا الاهتمام توضحت من خلال المشاركات المميزة للنتاج الفني المحلي في المهرجانات الثقافية الخارجية، حيث وصل صوت الفنان التشكيلي الإماراتي إلى قلب المراكز الثقافية في العالم، ليقول هذا الصوت ويؤكد على أن الإمارات وفي ظل تجربتها الوحدوية النادرة أصبحت تنافس فنياً وإبداعياً الحواضر العريقة والمتقدمة في جهات الدنيا الأربع.
أما الفنان علي العبدان فيرى أن التجربة التشكيلية في الإمارات قطعت مراحل مهمة في معية الأهداف النبيلة التي أسس لها صناع وبناة الاتحاد وعلى رأسهم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “ طيب الله ثراه” والذي أكد على أهمية التنوير الثقافي في نهضة وتطور الشعوب.
وأشار العبدان إلى أن احتكاكه وممارسته للفن بدأ من خلال الرصد البصري للتغيرات المذهلة التي طرأت على المجتمع مع المسيرة الحافلة لإنجازات الاتحاد، والتي طرحت ثمارا ثقافية مهمة روجت للفن وشجعت الفنان التشكيلي على خوض هذه التجربة الإنسانية والجمالية من خلال الدعم المتواصل للفنان ومن خلال النظر للفن من زاوية ارتباطه بالتراث والأصالة من جهة ومن ناحية انفتاحه على التجارب العالمية المعاصرة من جهة أخرى، وقال العبدان إن وجود شبان إماراتيين يقدمون أعمالا فنية حديثة ومدهشة ويتحاورن فيما بينهم من خلال حس نقدي عال ومتطور يؤكد على أن ثمار الاتحاد الثقافية والفنية باتت ناضجة ومهيأة لخلق جيل فني جديد قادر على التعامل مع أسئلة وتحديات المستقبل.
وأخيرا يرى الشاعر والسيناريست أحمد سالمين أن وجود مهرجانات سينمائية مهمة مثل مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي ومهرجان دبي السينمائي الدولي ومهرجان الخليج السينمائي بدبي وكذلك اهتمام المسؤولين بالفن السابع، يؤكـد أن مسيـرة الاتحاد التي انشغلت في بداياتها بتطوير البنى التحتية للدولة لم تهمل بعد ترسخها وتجذّرها قيمة وأهمية الفنون البصرية، خصوصا وأن الإعلام الداخلي والخارجي بات يعتمد وبشكل أساسي على الصورة وعلى إمكاناتها التفاعلية التي لا تحتاج للسان يترجمها، بقدر ما تحتاج إلى مضامين ورؤى إنسانية تشرحها وتؤكدها.
وحول ملامساته السينمائية التي تأثرت بالحراك الاجتماعي في ظل الاتحاد أشار سالمين إن أول سيناريو كتبه للسينما وحمل عنوان “ وجوه ونوافذ” كان أقرب للرصد البصري والجواني والعاطفي للتغيرات التي خلقت ملامح وانعطافات جديدة مقارنة بملامح ومكونات الماضي، والتي استفادت من هذا التغير، ولكنها لم تهمل الجانب النقدي الذي يعتبر من وظائف الجدل المطلوب إثارته في السينما وفي الوسائط الفنية والثقافية الأخرى.

اقرأ أيضا