الاتحاد

تقارير

عنف المكسيك··· مستورد من الشمال

أسلحة العصابات المكسيكية تأتي من الولايات المتحدة

أسلحة العصابات المكسيكية تأتي من الولايات المتحدة

في وقت مبكر من القرن الماضي، وقريباً من نهاية سنوات حكمه الدموي التي استمرت لمدة 34 عاماً متصلة، قال الطاغية المكسيكي الراحل ''بورفيريو دياز'' مازحاً ذات مرة: ''من سوء حظ المكسيك أنها وقعت في منطقة نائية جداً من الرب، وشديدة القرب من الولايات المتحدة الأميركية''! وقد عادت فطنة هذا الطاغية الهرم إلى الأذهان لدى إعلان المسؤولين الأميركيين خلال الأسبوع الماضي، مشاركة بلادهم في جهود السلطات المكسيكية، التي أسفرت عن اعتقال ما يزيد على 730 شخصاً لهم صلة بعصابة ''سينالوا'' لتجارة المخدرات· وتعد هذه العصابة الأقوى بين كافة العصابات الناشطة في تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة الأميركية· وقد أدت الحروب والنزاعات الداخلية التي خاضتها هذه العصابات ضد بعضها البعض، ثم مقاومتها معاً للحملة التي تقودها ضدها الحكومة المكسيكية، لانطلاق دوامة من العنف لم تشهد لها البلاد مثيلاً منذ ''حروب كريستيرو'' التي اندلعت في عشرينيات القرن الماضي· وبسببها فاق عدد القتلى المكسيك الـ6 آلاف قتيل خلال العام الماضي وحده·
ويتخوف الكثيرون من أن تنزلق المكسيك إلى حالة من الاضطرابات المدنية، بسبب تزايد لجوء عصابات المخدرات لاستخدام العنف والرشاوى، بغية المحافظة على مصالحها واستثماراتها· وليست هذه بالقصة الجديدة في دول المنطقة اللاتينية الأخرى على أية حال· وللسبب عينه أصدر ثلاثة من الرؤساء اللاتينيين السابقين، بمن فيهم الرئيس المكسيكي السابق إرنستو زيديلو -الذي تولى رئاسة المكسيك لولاية واحدة فحسب- تقريراً عن أوضاع تجارة المخدرات والعنف في دول المنطقة، طالبوا فيه واشنطن بتقنين تجارة ''الماريجوانا'' على الأقل· وبالطبـــع يعــــد هـــذا التنازل السياسي، مكسباً كبيراً لتجار المخدرات·
وفي الوقت نفسه صدر عن النائب العام ''إريك إتش هولدر'' تصريح مثير للجدل خلال مؤتمره الصحفي الذي عقده في الأسبوع الماضي، بقوله إن على الولايات المتحدة الأميركية أن تعيد العمل بتشريعها السابق الذي يحظر بيع الأسلحة الهجومية· ويحتوي ذلك الحظر الذي أقر في عام ،1994 على مادة تطالب الكونجرس بتجديد سريان الحظر بعد مضي 10 سنوات على تشريعـــه· غير أن الكونجرس لم يجدد سريان الحظر، وليس في هذا ما يثير دهشة أحد· وبالنتيجة، استمر تدفق الأسلحة الهجومية الصغيرة، بما فيها المسدســات شبــــه الآليــــة، والبنـــادق مــــن طراز 50-caliber وغيرها، إلى عصابات تجارة المخدرات المكسيكية عبر الحدود الأميركية· وتشير التقارير إلى ضلوع نحو 6 آلاف من تجار الأسلحة الأميركيين في كل من تكساس ونيو مكسيكو وأريزونا وكاليفورنيا في عمليات التصدير هذه· وتتسم المكسيك بتعقيد واقعها، إلى جانب وفرة الموارد البشرية المبدعة بين مواطنيها· إلا إن تجارة المخدرات تعصف بها، شأنها في ذلك شأن بقية دول أميركا اللاتينية الأخرى، إلى جانب مشكلاتها الاجتماعية، وتفشي ممارسات الفساد، وعدم عدالة توزيع الثروة، وانتشار وباء العنف السياسي فيها· وبسبب هذه المشكلات جميعاً ظلت المكسيك عرضة للتشوهات الاقتصادية الاجتماعية المؤلمة، التي تسهم فيها بدرجة كبيرة أميركا وحاجتها المستمرة للمزيد من المخدرات·
وبالنسبة لدولة تعتز كل هذا الاعتزاز باستقلاليتها الثقافية مثلما عرف عن المكسيك تقليدياً، فإن من السخرية أن تسود في مخيلة الشعب العامة، الصور الرومانسية لثقافة تجارة المخدرات وتمجيد العنف ورموز العصابات· والدليل أن تجار المخدرات والمتطلعين للانضمام إلى عالم المخدرات وعصاباته في المدن الواقعة شمال وغرب العاصمة مكسيكو، يقلدون في ملابسهم وأنماط الوشم التي يرسمونها على أجسادهم، تلك الرموز المميزة لعصابات شوارع لوس أنجلوس الأميركية· بل يلاحظ خلال الآونة الأخيرة انتشار الأغنيات الحديثة التي ترسم صورة رومانسية تمجد تجارة المخدرات في الثقافة العامة· من بين هذه أغنيات ''ناركو كوريدو'' الشعبية التي تعود جذورها في الأساس إلى موسيقى رقصة ''نورتينو'' التي ولدت في تجمعات وأندية رقص وحانات لوس أنجلوس ووادي كوشيلا· وينسب هذا النمط الموسيقي إلى موهبة المؤلف الموسيقي الشاب، روزالينو سانشيز· وكان سانشيز قد ولد أصلاً في موطنه المكسيك، إلا إنه تعين عليه الهرب والتسلل إلى ولاية كاليفورنيا ضمن مجموعات المهاجرين غير الشرعيين إلى أميركا، بسبب تورطه في جريمة قتل ارتكبها بحق أحد تجار المخدرات قبل فراره·
وحقق هذا الموسيقي الشاب نجاحاً كبيراً في الترويج لهذا الفن في أندية المدن الواقعة جنوبي كاليفورنيا بالذات· غير أن ذلك النجاح تضمن إنتاج أغنيات ومقاطع موسيقية مولها في بعض الأحيان تجار المخدرات أنفسهم، بهدف الترويج لثقافتهم من خلال مضامين الأغاني المسجلة على الأسطوانات وأشرطة الكاسيت· لكن وما أن عاد إلى مسقط رأسه في ''سينالوا'' لإحياء حفل موسيقي تم التعاقد معه عليه، حتى قتل دون أن يُعرف قتلته إلى اليوم· والحق أن مأساة الموسيقي ''سانشيز'' هذه وما يلفها من غموض وغرابـــة، فيهـــا ما يرمز إلى مأساوية العلاقة المدمرة الغامضة التي تربــط ما بين أميركــا والمكسيك· ذلك هو رأي الصحفي والكاتب الأميركي ''سام كوينوز'' الذي جاء في كتابه عن ''سانشيز'' الذي حمل عنوان ''حكايات حقيقية من المكسيك الأخرى'' أن لوس أنجلوس هي مصنع الثقافة المكسيكية·
والمشكلة أن في وسع حرب المخدرات المكسيكية هذه أن تتصاعد لتصل إلى حرب أهلية شاملة، تكون لها عواقبها الوخيمة على الأمن الأميركي، وبخاصة الجزء الجنوبي الغربي منها· ولن تفعل أميركا شيئاً سوى خداع النفس، فيما لو اعتقدت أن حرب المخدرات، مشكلة محلية خاصة بالمكسيك وحدها، وفي الإمكان حلها بعيداً عن حدودنا الجنوبية·

تيم روتن
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة
لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا