الاتحاد

الإمارات

صناعة الأدوية الوطنية بلا مناعة


تحقيق - عبد الحي محمد:
منذ سنوات ونحن نسمع عن اتفاقيات ومصطلحات التجارة الحرة والعولمة والقرية الكونية والعالم الواحد التي تؤكد جميعها كسرالحواجر بين الدول وفتح المنافذ لتنساب السلع والخدمات وحتى الأفكار من دون جمارك أو رسوم أو عوائق· وبدأت تتحول تلك الاتفاقيات والمصطلحات إلى واقع يفرضه الأقوياء لأنهم يملكون الأدوات التى تجعل الجميع أمام أدواتهم لا يملكون إلا الموافقة والسير في ركاب هذا العالم الجديد بكل مفرداته ومفاهيمه ولكن هذا ليس هو موضوع تحقيقنا الذي اخترنا أن يكون الدواء ،هذه السلعة الإستراتيجية، أساسه ومفصله الأول لاسيما وأن هذه السلعة المنقذة للحياة يدور حولها نقاش كبير في خضم هذه الأجواء الجديدة·وتعتبر اتفاقية 'التربس' وهي باختصار 'حماية حقوق الملكية الفكرية لبراءات الاختراع والنماذج الصناعية' العالم الثالث والذي نحن منه مازال في طور تسجيل هذه البراءات فقط ومن واجبه حمايتها·وقبل أن تظهر اتفاقية 'التربس' إلى العلن بقوة وبفضل المعطيات الدولية الجديدة كان العالم الثالث يبني شركاته ومنتجاته على الإنتاج المقلد واستثمر المليارات من الدولارات لإنتاج الكثير من الأدوية التي يتناولها اليوم وتعتبر أساسية وضرورية لبقاء مئات الملايين من المرضى على قيد الحياة· وتؤكد نصوص 'التربس' أنه بعد 20عاما من حق العالم الثالث أن ينتج أدوية من دون أن يتعرض لمشاكل قانونية وعقوبات ولكن اليوم الوضع مختلف تماما والعالم الثالث كله أمام مفترق طرق إما أن يبقى ينتج الأدوية خارج الزمن وقد انتهت صلاحيتها أو أن ينصاع ويكتفي بدور التسجيل فقط لأدوية الشركات العالمية بأسعارها الخيالية والالتزام وعدم الخروج من إرادة الشركات الكبرى التى تستثمر المليارات في هذا المجال وتقاتل من أجلها حتى تبقى وتتضاعف وتجني المزيد من الأرباح·
منذ بداية العام الجاري ومع التطبيق الشامل لاتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية لاختراعات الأدوية التربس تعاني شركات الأدوية الوطنية من مشكلات كبيرة تضعها في مهب الريح وقد تعصف بكيانها وإنجازاتها التي تحققت خلال السنوات الماضية· وتشكو الشركات من خنق الاتفاقية لها وحرمانها من تصنيع أدوية كثيرة انتهت حقوق ملكيتها الفكرية كما تشكو الشركات من تعسف وزارة الصحة في تطبيق الاتفاقية مؤكدة أن الوزارة لا تبالي بشكاويها ولا تقدم لها أي دعم حقيقي مقارنة بدول مجاورة عديدة·
وأكد رؤساء وممثلو الشركات أن الوزارة ليست مؤهلة بصورة جيدة لتطبيق الاتفاقية حيث لا يتواجد بها مكتب لمنح براءات اختراعات الأدوية فضلا عن أنها غير مؤهلة لإيجاد تبادل معترف بين شهادات التسجيل لديها مع أميركا ودول الاتحاد الأوروبي كما لا توجد بها القوانين المنظمة لتسجيل براءات الاختراع·وتخوفوا من اقتصار الوزارة في تسجيل الأدوية على قانون براءة الاختراع الاميركي مؤكدين أن ذلك يمثل ظلما للشركات الوطنية حيث تتواجد أدوية أوروبية كثيرة ليس لها أصل أميركى· كما أكدوا أن الشركات العالمية تتعنت في منح الشركات الوطنية تراخيص لتصنيع مستحضراتها محليا وطالبوا الوزارة بحل تلك الإشكالية حتى لا تندثر صناعة الأدوية الوطنية·
شكاوى عديدة
لكن الشركات العالمية تقلل من شكاوى الشركات الوطنية مطالبة بضرورة أن تتحلى بالشفافية وأن تلتزم بالاتفاقيات التي وقعتها دولة الإمارت مؤكدة أن الإمارات أفضل دولة عربية من حيث تطبيق اتفاقيات حماية حقوق الملكية الفكرية كما أن تلك الاتفاقيات خاصة اتفاقية التجارة الحرة مع أميركا ستدر استثمارات ضخمة في مجال الأدوية للإمارات كما ستشكل فرصة كبيرة للشركات الوطنية للحصول على تراخيص بتصنيع أدوية الشركات العالمية شريطة أن تستوفي متطلبات التصنيع الجيد·وطالب خبراء أدوية بضرورة أن تندمج شركات الأدوية الوطنية وأن تتعاون مع الشركات العربية وأن تخصص جزءا كبيرا من أرباحها للأبحاث مؤكدة أن اتفاقية التربس ستؤدي خلال السنوات المقبلة إلى اختفاء الشركات البديلة التي لم تطور نفسها·
بدأت الاتحاد لقاءاتها مع عبد الرزاق يوسف العضو المنتدب لشركة الخليج للصناعات الدوائية (جلفار) أقدم وأكبر شركات الأدوية الوطنية حيث لم يستطع إخفاء تخوفه من الآثار السلبية لتطبيق اتفاقية التربس ومنطقة التجارة الحرة مع أميركا على صعيد الدواء رغم تأكيده على إيجابياتهما وقال: دولة الإمارات لها خصوصية معينة خاصة في مجال الأدوية حيث تستورد نحو 69% من أدويتها من الخارج وبالتالي فهي ليست دولة مصنعة للأدوية لكنها دولة تتواجد فيها صناعة ناشئة قوية تحتاج لمن يدعمها ·
وأضاف قائلا:من المهم جدا أن نحدد الهدف الرئيسي من وجود صناعة الدواء في الإمارات وهل هي صناعة للتفاخر أم صناعة إستراتيجية أم صناعة للتصدير والحمد لله فإن المسؤولين بوزارة الصحة يؤكدون أنها صناعة إستراتيجية لكن تلك الصناعة لها متطلبات ولابد هنا أن تكون الوزارة قوية في تلبية متطلباتها سواء للصناعة الوطنية أو للأدوية المستوردة وكلما كانت الوزارة قوية في تسجيل الأدوية فإن الصناعة المحلية ستقوى ولابد أن تنشئ الوزارة مكتبا لمنح براءات الاختراع وليس لتلقيها أو تسجيلها كما هو حاليا ولابد أن تؤهل الوزارة نفسها بحيث يكون لديها تبادل معترف في شهادات تسجيل الأدوية مع الدول الأخرى مثل أميركا ودول الاتحاد الأوروبي وأن تكون شهاداتها معترفا بها عالميا وخاصة في أميركا وكذلك لابد أن تتوافر لديها المختبرات القوية والموظفون أصحاب الكفاءات العالية·
الحماية العمياء
واكد أن الشركات الوطنية ليست بحاجة إلى حماية من الوزارة أو غيرها لأنها إن لم تستطع المنافسة محليا وعالميا فلا جدوى من وجودها كما أننا لا نحتاج إلى الحماية العمياء التي لا تفهم المتغيرات الدولية والاحتياجات الوطنية للدولة والشركات ومطلوب من الوزارة أن تسوق للصناعة الوطنية عن طريق زيارات معالي وزير الصحة للمصانع الوطنية والتأكيد على أنها صناعة قوية تمتلك تقنيات عالية جدا والافتخار بها داخليا وخارجيا وأن تكون صناعة الدواء الوطنية على رأس أولويات عمل الوزارة والوزير ولا تقل في الأهمية عن إدارة المستشفيات وأن تسعى الوزارة لتذليل المشاكل التي تواجهها الشركات الوطنية محليا وخارجيا وأن تساعدها في تسجيل أدويتها وتضمن لها هامش أرباح معقولا خاصة على الصعيد الخارجي ومن المهم أن تأخذ وتتفهم الوزارة نصوص القانون الدولي بعين الاعتبار عند مناقشتها للشركات العالمية في نصوص حماية حقوق الملكية الفكرية ومن المهم أن تشرك الوزارة الشركات الوطنية في مفاوضاتها سواء مع الشركات الأميركية أو غيرها وأن تتعرف على وجهات نظرها·وشدد على أن الشركات المحلية لا تستطيع بأي حال من الأحوال اختراع أدوية جديدة حيث أن إمكانياتها المالية لاتسمح بذلك مجتمعة وهنا لابد أن يكون للوزارة والحكومة دور كبير حيث أن الشركات العالمية لا تقوم باختراع الأدوية إلا بمنح من حكوماتها مثل الشركات الأميركية مثلا التي تلقى دعما كبيرا من مراكز الأبحاث في الجامعات الأمير كية وتستثمر فيها الحكومة بأموال ضخمة كما أن الحكومة الاميركية تدافع عن شركاتها في المحافل الدولية·وأضاف قائلا:ليس عيبا أن تتخصص شركة جلفار أو الشركات المحلية في إنتاج الأدوية البديلة لأن هناك آلاف الشركات التي تصنع الدواء البديل كما أن الشركات العالمية المخترعة للأدوية تنشئ اليوم شركات للأدوية البديل كما أننا نسعى إلى شراء براءات الاختراع كما حدث لنا مع دواء ميبو و فورإم سكس ولابد أن تساعدنا الوزارة في الحصول على براءات اختراع أخرى·كما شدد عبد الرزاق على ضرورة إعادة تسعير المستحضرات الوطنية سنويا بما يتوافق مع تغير سعر صرف العملات وأسعار استيراد المواد الخام والمعدات·كما طالب عبد الرزاق يوسف بأن تتضمن المعونات الإنسانية التي ترسلها الإمارات للشعوب الفقيرة والمنكوبة أدوية من الشركات الوطنية أسوة بأميركا التي تقدم معوناتها للدول على هيئة سلع وأدوية·
وردا على سؤال حول انخفاض أسعار أدوية الشركة في الدول العربية خاصة السعودية ومصر والهند مقارنة بأسعارها داخل الإمارات بصورة كبيرة للغاية ذكر أن ذلك يرجع لعدة أسباب أبرزها نظام التسعيرة في كل دولة حيث لاتسمح الدول بتسجيل أدوية الشركة بأقل من سعر أدويتها الوطنية كما هو موجود عندنا أيضا فضلا عن المستوى الإقتصادى لكل دولة ولا يعقل أن يكون سعر أدوية الشركة في دولة الإمارات التي تعد واحدة من أكبر دول العالم من ناحية دخل الفرد سنويا متساوية أو أقل من سعر أدوية الشركة في دولة ينخفض فيها الدخل بصورة كبيرة ولا تقارن بالإمارات مثل الهند أو مصر كما أن هذا الوضع ينطبق على أدوية الشركات الأجنبية أيضا حيث تبيع تلك الشركات أدويتها في الإمارات بسعر أعلى بكثير مما تبيعه في مصر والسعودية والأمثلة كثيرة سواء أدوية علاج الضعف الجنسي أو الأمراض المزمنة وغيرها وإذا أردنا مقارنة عادلة فلابد أن نقارن الأسعار بين دولة الإمارات والإتحاد الأوروبي أو أميركا مثلا وبشكل عام فإن أسعار أدوية جلفار داخل الدولة وخارجها ليست مرتفعة ومناسبة لدخول المواطنين وغير المواطنين·
وردا على سؤال حول ارتفاع أسعار أدوية الشركة داخل الدولة عن أسعار أدوية شركات أجنبية عديدة أوضح أنه لا يوجد دواء لدى الشركة يزيد في سعره عن سعر الدواء الأجنبي الأصلي المخترعوقد تكون أصناف تلك الشركات الأجنبية بديلة وقرار وزارة الصحة بالتسعيرة ينص على أن يكون سعر الشركة الوطنية أقل من سعر الشركة الأصلية بنسبة 20%وبعد ذلك يأتي سعر أدوية الشركات الأجنبية البديلة، وهنا لاينبغى أن تقارن أسعار شركة جلفار بأسعار الأدوية الأجنبية البديلة بل بالأدوية الأصلية، والقول بأن سعر الدواء الوطني لابد أن يقل سعره عن الأجنبي بنسبة كبيرة قد تصل إلى 50% أو أكثر بسبب أن الشركات الوطنية لا تنفق الأموال الكبيرة على اختراع الأدوية وبالتالي فإن تكلفة إنتاجها للدواء قليلة هو قول يحتاج إلى مراجعة لأن أسعار المواد الخام والمعدات ومصاريف الإنتاج مرتفعة جدا ونحن مقبلون على مناطق واتفاقيات للتجارة الحرة يكون فيها البقاء للأفضل والأقوى فعالية وليس للأرخص ولابد أن تطبق الوزارة قرار التسعيرة·
مشكلة كبيرة
ويؤكد الدكتور ماجد عامر مدير عام شركة جلوبال فارما بدبي أنه لا يوجد أي تحفظ لدى الشركات الوطنية تجاه نصوص إتقافية التجارة الحرة مع أميركا أو اتفاقيات التربس والجات موضحا أن المشكلة الحقيقية التي تواجهها الشركات الوطنية هي أن التطبيق الفعلي لتلك الاتفاقيات في مجال الدواء غير مطابق للنصوص الدولية، كما لا يوجد لدى دولة الإمارات مكتب لتسجيل براءات الاختراع بل إن وزارة الصحة تتلقى فقط براءات الاختراعات، وبالتالي لا توجد القوانين المحلية المنظمة لتسجيل البراءات، وأحيانا تكون براءة الاختراع صادرة من دول أوروبية وانتهى تسجيلها في بلد المنشأ منذ سنوات ولا تنتبه الوزارة لذلك وترفض تسجيل أدوية تلك الشركات الأوروبية للشركات الوطنية، كما أن الاقتصار على تطبيق قانون براءات الاختراع الأميركى فقط يمثل ظلما كبيرا للشركات الوطنية لأنه ليست كل الأدوية لها براءات اختراع من أصل أميركى، وبالتالي فيجب عند انتهاء سنوات براءة الاختراع لمستحضر ما في بلد المنشأ التصريح به في الإمارات بغض النظر عن موقف أميركا أو الشركات الأمير كية ونحن هنا لا نطالب بالاستثناء بل بتطبيق نصوص القوانين الدولية لحماية حقوق الملكية الفكرية في مجال الدواء·
ويضيف قائلا: في غالب الأحيان وزارة الصحة لاتملك أي سند قانوني يمنع تسجيل الأدوية التي انتهت سنوات حماية براءات الاختراع لها وتكتفي فقط بخطابات الشركات الكبرى ومنها الشركات الأميركية بأن هذا الدواء مازال محميا وأحيانا لا تقدم الشركات الأجنبية أي سند قانوني لدعم موقفها بعدم تسجيل الدواء الأجنبي لشركة وطنية والأغرب أن الوزارة تطالب الشركات الوطنية بتقديم الدليل على صحة مواقفها بالتقدم لتسجيل الأدوية علما بأن المطلوب منها العكس وهو مطالبة الشركة الأجنبية بأن تثبت أن دواءها مازال متمتعا بالحماية وبلاشك فإن الحل الفعال للخروج من تلك المشكلة التي ستؤثر على الشركات الوطنية بصورة سلبية كبيرة خلال السنوات المقبلة هو مساعدة الوزارة للشركات الوطنية عن طريق دفع الشركات العالمية لمنح الشركات الوطنية تراخيص لإنتاج أدويتها وليكن نصيب كل شركة وطنية 5مستحضرات كل 5سنوات كما لابد أن تثق الوزارة والحكومة في الدواء الوطني وفعاليته وتطبق ذلك عمليا عن طريق زيادة حصتها من الشراء المباشر من أدوية تلك الشركات الوطنية وبالأسعار الربحية للشركات مما يؤهلها لإنتاج أصناف أخرى أفضل كما يحدث في المملكة العربية السعودية وعندنا في الإمارات فإن الشركات الوطنية تدخل المناقصات الحكومية في سوق مفتوح دون أي أفضلية أو ميزة سعرية تذكر للدواء الوطني وينبغي أن لا ننسى أن الشركات الوطنية في الإمارات شركات صغيرة الحجم تصارع ضد الشركات العالمية الكبرى التي تتكتل يوميا في شركات عملاقة وهى شركات أي الشركات الوطنية لا تملك حجم رؤوس الأموال الضخمة التي تمكنها من اختراع أدوية جديدة أو تسويق أدويتها بصورة متميزة عالميا خاصة وأن نحو 90%من مستحضراتها تصدر للخارج ولا ينبغى أن نتركها هكذا بدون دعم أو حماية أو أية مساندة تذكر من أية جهة وهذا غير معقول أو مقبول·
رأي الصحة
واستغرب حميد الشامسي الوكيل المساعد بوزارة الصحة لشؤون الصيدلة من مطالبة الشركات الوطنية للوزارة بإنشاء مكتب لمنح براءات الاختراع موضحا أن المرجعية في ذلك هي وزارة المالية والصناعة حيث يتوفر لها هذا المكتب وتقوم وزارة الصحة بإخطارها عند وقوع أية مشكلة مع الشركات العالمية وننتظر قرارها بتنفيذه ونحن لسنا الجهة المخولة بذلك ووزارة المالية هي المسؤولة عن حماية حقوق الملكية الفكرية لبراءات اختراع الأدوية· وردا عن سؤال حول أية مخالفات جديدة للشركات الوطنية بعد مخالفة إحدى الشركات لتصنيع مستحضر لعلاج الكولسترول قبل انتهاء سنوات حمايته الفكرية قال: لم نسجل خلال الشهور الأربعة الماضية أية مخالفات للشركات الوطنية ونؤكد أن تلك المخالفات أصبحت معدومة وذلك بفضل الرقابة القوية للوزارة على الشركات وتعاون الشركات الأجنبية والمحلية معها· وأجاب عن سؤال حول اتفاقية التجارة الحرة مع أميركا قائلا: الاتفاقية تتضمن مزايا عديدة لدولة الإمارات خاصة على صعيد الدواء ومازلنا ندرسها مع الجانب الأميركي ولم ننته بعد من مناقشات بنودها·

اقرأ أيضا

حاكم الشارقة يصدر قانوناً بشأن إعادة تنظيم جامعة الشارقة