الاتحاد

الملحق الثقافي

تصبحون على وطن ·· رسالة من غزة

غزة تعيش تحت الحصار: لا ماء، لا كهرباد، لا غذاء· غزة تعيش تحت القصف: موت ودمار·· هذا ما تتداوله وسائل الإعلام يومياً، وهو في مجمله صحيح، ويختزل أبلغ عذابات البشرية بسبب القهر والاحتلال· لكن في غزة المحاصرة بالبارود والنار كان يحدث شيء آخر· يحدث ما لا ترصده عدسات المراسلين ولا تقتفي أثره تحليلات الاستراتيجيين· كان يحدث في غزة حراكاً ثقافياً واسعاً، عماده الكلمة والصورة، النغمة والحركة، الفكرة والريشة·
عكاظ شعرية
وجعي على الفصحى رماها معشر
من أهلها شلت يمين الرامي
بهذه الكلمات افتتح المركز الثقافي الفلسطيني ومجموعة جذور للثقافة والفنون بغزة، أمسيتهم الشعرية ''عكاظ'' في قالب مسرحي·
وقال ناهض زقوت رئيس المركز الثقافي الفلسطيني في كلمة الافتتاح: ''عكاظ، ليست عودة إلى الماضي، إنما هي استلهام الماضي بمنطلقات الحداثة والعصر الحديث، هي إعادة قراءة للتراث العربي برؤية جديدة وأدوات جديدة''· وأضاف: ''وعكاظ··· هو تاريخنا، هو ماضينا، هو تراثنا، ومن ليس له تاريخ أو تراث أو ماضي حضاري لا يستحق الحياة· فلماذا نسير خلف حداثة الأيام، وننسى حداثة السنوات الماضية، ما كان في وقته حداثيا ومع توالي السنوات صار قديما وتلك سنة الحياة· وأكد زقوت انه ''ليس من العيب، وليس من التخلف، وليس من الرجعية، بعث تراثنا الحضاري القديم، بثوب جديد أو رؤية حديثة· إننا مازلنا نردد إلى اليوم بل إلى الغد، أشعار أصحاب المعلقات· فهؤلاء هم أجدادنا الذين علمونا قول الشعر وفن القول ونظم القصيدة، هؤلاء هم ''ديوان العرب''·
وقد غصت قاعة سعيد المسحال للثقافة والفنون في غزة بالحضور، وقدمت مجموعة من الشباب عرضا مسرحيا، هو أقرب إلى أن يكون قالبا مسرحيا يرافق الشعراء الذين يلقون أشعارهم، مستلهمين تصورات سوق عكاظ العربي القديم، بحيث يكون عريف الأمسية (أشهب) الذي قام بدوره الشاب أنس السعافين ممثلا لدور مروج السوق (الدلال) الذي يقوم بتقديم الشعراء إلى الجمهور الجالس على خشبة المسرح الذين يمثلون علية القوم، والجمهور الجالس في قاعة العرض· ومثل كل من أبو عتب (خليل شراب) وادهم (محمد إسماعيل) علية القوم الذين يستحسنون قول الشاعر فيلقون بالنقود إلى الدلال كتعبير عن سعادتهم وتحفيزا للشاعر، أما جحدر (محمد قطيفان) فكان كالشخص الغامض الذي يظهر فجأة على خشبة المسرح لينتقد علية القوم ثم يختفي، ليظهر من جديد منتقدا الواقع الذي يعيش فيه، مبرزا انعدام الأمل في التغيير·
وألقي كل من الشعراء الشباب: محمد دويدار (أخر أنفاس الورد)، واحمد النجار (صمت المقابر)، نصر شعت (حدس)، محمود سعيد (حب في المقبرة)، حازم البحيصي (حب كزخات المطر)، ومحمود أبو سل (على أعتاب جهنم، وفي شرع الإنصاف) أشعارهم التي نالت استحسان الجمهور رغم أنها من الشعر العمودي· ونشير أن الشابة المبدعة علا حسب الله ألقت قصة قصيرة بعنوان ''الجريدة'' بطريقة الأداء التمثيلي لشخصيات النص ومن الجدير ذكره أن كاتب النص المسرحي هو الشاب المبدع محمود أبو سل، كما قام بإخراجه على خشبة المسرح· ونفذ تقنيات الصوت والإضاءة الشاب الموسيقي محمود أبو غلوة· وكان للشاب الشاعر محمد أبو امونة الدور الأبرز في الإشراف الفني على تجهيزات العرض·
··و''بريك دانس''
من الكلمة والحركة إلى الموسيقى والحركة، فقد اختار شبان فلسطينيون نمطا موسيقيا جديدا على الأسماع والمشاهدة، للتعبير عن أنفسهم بأداة مختلفة قالبين رأسا على عقب الافكار الراسخة حول مفهوم الهوية الجامد والتقليدي الذي يرى بأن كل ما هو خارج التراث والفولكور محاولة للتغريب معلنين فسحة جديدة تخرجهم من طور المحلي الى العالمي·
محمد واحمد وعبدالله الغريز، فهد ابو نمر، مروان ابو عريبان، ابراهيم رمضان، محمد حمدان، احمد المزرعاوي، وابراهيم الاشرم هم اعضاء فرقة ''كامبس بريكرز'' CAMPS BREAKERZ من مدينة غزة، التي تقدم عروضها الغريبة على المدينة وأهلها· يقول محمد الغريز مؤسس الفرقة: ''اننا نقوم بعروض فنية مختلفة تحمل عناوين وطنية مثل الحصار وجدار الفصل العنصري وغير ذلك· اننا نستخدم فن ''البريك دانس'' وهو فن استعراضي راقص نشأ في امريكا بهدف التعبير عن النفس والشعور بالحرية النفسية، ويعتبر هذا الفن من اكثر الفنون العالمية تميزا لاحتوائه على جزء موسيقي ورياضي وفني استعراضي''·
نشأت الفرقة في مخيمات اللاجئين في غزة، حين عرف محمد عن هذا الفن من خلال تصفحه للانترنت وشعر بأنه فن قوي ومعبر، وبدأ محاولاته لتأسيس الفرقة عام 2004 بالبحث عن عدد من الشباب للانضمام للفرقة، وحاليا تلاقي الفرقة الكثير من النقد من قبل المجتمع سواء من الاهل او حتى المؤسسات التي توجهت اليها الفرقة بسبب بنية المجتمع· ويعيق الحصار تدريبات أعضاء الفرقة حيث كانوا يتدربون على شاطئ البحر· وقد نجحت الفرقة بأول عروضها عام ،2006 ورغم انها لم تلق الدعم اللازم لتطورها لكنها أصرت على المواصلة والتدريب وتطوير هذا الفن الراقص، وبدأ الاهتمام بهذه الفرقة خلال العرض الذي قدم في المركز الثقافي الفرنسي بغزة والذي أبهر الجميع، وما زالت الفرقة تعتمد في تمويل أنشطتها وعروضها على المجهودات الذاتية·
يقول محمد عن اختيار اسم الفرقة انه قصد ان يعرف العالم بمخيمات اللاجئين وظروف معيشتها وظروف القهر والحصار والفقر التي رغم وجودها فإنها يمكن ان تخرج فنانين مبدعين وبأن الشاب الفلسطيني لايقف في وجه طموحه أي عائق· ويضيف أن ''هذه الرسالة وجهها ايضا للشباب الفلسطيني لتحدي كل المعوقات المجتمعية والمادية في سبيل ايصال صوتهم''·
وقدمت عروضا في رأس السنة الميلادية عام 2007 ـ 2008 وفي يوم الأم، وعيد الموسيقى، وعيد الحب وخلال حفل لشركة الاتصالات الخلوية جوال لمناسبة المليون مشترك، وفي اختتام العام الدراسي 2008 لمدارس الاونروا الاعدادية وأمسيات رمضانية، وفي افتتاح حديقة حيوان للاطفال في مدينة رفح جنوب غزة وتقديم عرض مشترك مع فرقة ''ماب'' الفرنسية في المركز الثقافي الفرنسي وإحياء حفلات اخرى مع مؤسسات أهلية واجتماعية عديدة·
تشكيليات غزة
من جهتها استضافت جمعية بادر للتنمية والاعمار في غزة المحاصرة معرضا للفنانات التشكيليات حمل اسم ''تصبحون على وطن'' والذي تنظمه جمعية المرأة المبدعة·
رحب عبدالحليم الغول المدير التنفيذي للجمعية بالمشاركة المميزة للفنانات الشابات باللوحات والتي تؤكد على أن المرأة الفلسطينية صانعة الأجيال، ومتحدية الصعاب·
وشكرت دنيا الأمل إسماعيل جمعية بادر والقائمين عليها لاستضافتهم هذا المعرض بلوحاته رغم الصعوبة المادية·
وألقى الشاب الجريح محمد الزعنون قصيدة شعرية، وعرض فيلما أعده يصور لقطات لجرحى أطفال وشباب وشيوخ·
موسيقى لهم
وكان قد تم افتتاح أول مدرسة لتعليم الموسيقى في غزة برعاية مؤسسة عبدالمحسن القطان، وعن هذا المشروع يقول مدير المدرسة أبو أنس النجار: اكتشفت وزملائي أن الحركة الفنية والثقافية في غزة تتراجع إلى الوراء بسبب الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها غزة، فقررنا الاعلان بالصحف عن افتتاح مدرسة لتعليم الموسيقى وقد تقدم لها الكثير من الأطفال ممن هم دون سن العاشرة واخترنا خمسة وعشرين طفلا وطفلة كمرحلة أولى من التجريب·
ويضيف: يتوفر في المدرسة امكانية تعلم العزف على جميع الآلات الموسيقية، وقد فوجئنا بوجود الموهبة لدى الطلبة الذين وقع عليهم الاختيار·
تحدث الطفل عبدالعزيز عن تجربته قائلا: أنا احب الآلات الموسيقية رغم أن حجمها يفوق حجمي، وأحلم بأن أكون عازفا مشهورا·
أما سعاد ذات الثماني سنوات فتقول: مع الموسيقى أحلم بمستقبل أفضل، أحلم ببيت جميل لا يهدمه الاحتلال وبطعام لذيذ، وليس ذلك الطعام الذي نحصل عليه من الأونروا!
لوريس ترزي وأختها التحقتا بالمدرسة مع ابنة عمهما وهما تجيدان العزف على الكمان والبيانو ويقضين أسعد اوقاتهن في غرفة الموسيقى بمدرستهن·
وتقول لوريس: أتمنى أن أصبح معلمة موسيقى، فأنا حين أعزف أشعر أني أطير وأنسى أني في غزة حيث كل شيء ممنوع ومحاصر·

اقرأ أيضا