الاتحاد

دنيا

الاتحاد مطلب الحق من الخلق

إن المتأمل في كلمة الاتحاد لا يجدها تقف في مدلولها ومعناها عند حد «الوحدة والترابط والألفة»، بل يجدها فوق ذلك تحمل مضامين تنسجم مع الفطرة والكون والحياة ، فالإنسان كائن إن تعددت أعضاؤه فإنها في النهاية تعبر عن جسد وكيان واحد، ولا يمكن أن ينزع إلى عمل من دون أن تتحد الأعضاء كافة في انسجام وتناغم للقيام بهذا العمل، والكون وإن تنوعت المخلوقات فيه من أرض وسماء، وشموس وأقمار إلا أنها تتحد في الغاية والهدف، وتعبر بمجملها عن مظهر واحد وهو ذلك الكون المحيط الذي خلقه الحق سبحانه وتعالى لخدمة الإنسان، كل ما فيه ومن فيه يسير في وحدة واحدة محاطة بسياج من الانسجام والتناغم « لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»يس 40 .
وبين الكون والإنسان استلهم العربي قديماً بحكمته ضرورة الوحدة والتآلف للكيان البشري، ورأى في ذلك مصدراً للقوة ومنبعاً للعزة والمنعة فقد جمع الأعرابي قديماً أبناءه من حوله، وأعطاهم عوداً من الحطب، وأمرهم بتحطيمه وكسره ففعلوا، ثم جمع عيدان الحطب في حزمة واحدة ودفعها إليهم، وأمرهم بكسرها فامتنعت الحزمة عليهم، فاستخلص من هذا الموقف العبرة والعظة ليبث لهم خلاصة تجربته قائلاً :
كونوا جميعاً يا بنى إذا اعترى ... خطب ولا تتفرقوا آحادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً ... وإذا افترقن تكسرت أفرادا
وتأتي نصوص الشريعة لتؤيد هذه المعاني الداعية إلى الاتحاد والترابط والتآلف، فالإنسان إذا ما قام بين يدى الله سبحانه ملبياً نداءه بالصلاة نراه يقرأ بأم الكتاب قائلاً بصيغة الجمع الممنبئ عن الاتساق والترابط» إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» الفاتحة 5 . ولا يقول بصيغة المفرد المنبئ عن الشذوذ والانعزالية ( إياك أعبد وإياك استعين ). ثم نراه يتوج ذلك الإعلان بالخضوع والعبودية لله تعالى بالدعاء لنفسه ولجماعة المسلمين من حوله فيقول «اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ»الفاتحة 6 . فدلل بذلك على ذوبان الأنا في الجماعة، ومن ثم كانت صيغة الجمع في الدعاء، وفوق ذلك نرى العمل الواحد في التصور الإسلامي في حقيقته وصورته يختلف أجره اختلافاً بيناً حين يؤديه الإنسان وحيداً، وحين يأتي به مع آخرين ، فركعات الظهر مثلاً، لم تزد شيئاً عندما يأتيها الإنسان في جماعة، أو يأتيها في عزلته منفرداً. ومع ذلك نرى الإسلام وقد ضاعف الأجر إلى بضع وعشرين مرة أو يزيد عندما يقف الإنسان متحداً مع الجماعة بين يدى الله رب العالمين. ولعل ذلك يحمل إغراءً شديداً بالانضواء تحت لواء الجماعة ونبذ العزلة والفردانية، وحث الإنسان إلى الانسلاخ من وحدته والاندماج في أمته، وما ذلك إلا لكراهية الإسلام أن يتقوقع أحد أفراده في نطاق نفسه، وينحصر في بوتقة إحساسه وفكره، وينأى بمصلحته عن مصلحة الجماعة وحياتها.
ولكى يتحد المسلم مع مجتمعه الذي يعيش فيه نجد الحق سبحانه وتعالى وقد شرع الجماعة للصلوات اليومية، ورغَب في حضورها وتكثير الخطى إليها، ثم ألزم أهل القرية الصغيرة أن يلتفوا كل أسبوع في حشد واحد وذلك في صلاة الجمعة، ثم دعاهم إلى وحدة كبرى وذلك من خلال صلاة العيدين ليجعلوا من ذلك مظهراً لاتحاد القلوب فوق اتحاد الأجساد، ثم أذن لهم إلى موقف أعظم يتحد فيه كل مسلم مع اختلاف لونه ولسانه وجنسه ففرض الله تعالى عليهم الحج ووحد لهم الزمان والمكان فيه، فجعل بذلك وحدة المسلمين في هذه الشعيرة قدراً محتوماً، وأمرا مفروضا، وفوق ذلك يجد المتتبع لآيات القرآن الكريم ونصوص السنة المطهرة أن الاتحاد هو مفتاح الانتصارات والمنجزات العظيمة في حياة الأمة الإسلامية إذ أكد الإسلام أن التنازع والاختلاف يضعف الأمم القوية، وفي الوقت ذاته يميت الأمم الضعيفة.
ومن ثم كان الدرس الأول الذي بثه القرآن الكريم لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الانتصار في يوم بدر «وجوب الحرص على توحيد الصف والاجتماع على الرأي والأمر «فقال مخاطباً إياهم عندما تطلعت النفوس متنازعة على اقتسام الغنائم «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ»الأنفال 1 . ثم يبين لهم الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك أن الاتحاد في العمل هو سبيل هذه الأمة إلى النصر في المعارك ، ووسيلة التغلب على العقبات والمكاره فقال الحق سبحانه «وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ» الأنفال 46 .
وفوق ذلك وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم وقد شدد في التحذير من الاختلاف والفرقة والتنازع موصياً في الوقت ذاته بالاتحاد والألفة، فقد أخرج الإمام مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم» ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في سفره قافلة تفرق أهلها في وقت راحتهم وكأنهم غرباء لا رابط يجمع بينهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «إن تفرقكم هذا من الشيطان» فلم ينزلوا بعد إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال «لو بسط عليهم ثوب لعمهم».
وبعد فالاتحاد أمر أوجبه القرآن الكريم، وحث عليه في كثير من آياته، فقال الحق سبحانه مبيناً الأصل الذي ينبغى أن تكون عليه هذه الأمة «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» الأنبياء 92. وقال سبحانه «وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ» آل عمران 103 .
ومن ثم ينبغي أن يعي كل مسلم أن الناس إن لم يجمعهم الحق شعَبهم الباطل، ومن ثم كان التطاحن والفرقة والتنازع خاصية من خصائص الجاهلية، وفى الوقت ذاته انحراف عن طريق الإيمان. لأجل هذا كان تحذير النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي «لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».
ومن ثم كان الاتحاد والألفة هو مطلب الحق سبحانه وتعالى من الخلق وما يأمله النبي صلى الله عليه وسلم من أمته من بعده.

محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون جامعة الإمارات

اقرأ أيضا