الاتحاد

دنيا

«إمام» يهدي إلى الرشد والصراط المستقيم

القرآن منهج حياة كامل

القرآن منهج حياة كامل

«الإمام» هو من يقتدى بقوله أو فعله أو الطريق الواضح، وقال ابن منظور في لسان العرب، الإمام كل من يؤم به قوم وهو المصلح القيّم لكل شيء والامام هو الكتاب المنزل، والقرآن إمام المسلمين وقائدهم إلى الجنة، وقد اطلق ربنا سبحانه وتعالى اسم «الإمام» على القرآن الكريم كما في قوله تعالى «يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون فتيلا» سورة الاسراء - الآية 71 ويقول سبحانه «ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين» سورة الاحقاف - الآية 12.

يذكر أصحاب المنتخب في التفسير حول المعنى في هاتين الآيتين الكريمتين: أذكر أيها النبي لقومك يوم ندعو كل جماعة بشعارهم الذي يعرفون به أوزعيمهم من رئيس اتبعوه أو نبي او كتاب، فيقال يا أهل القرآن ليتسلموا كتب أعمالهم، فمن أعطى كتاب أعماله بيمينه وهم السعداء فأولئك يقرأون كتابهم مبتهجين ولا ينقص من أجورهم أدنى شيء، ومن قبل القرآن أنزل الله التوراة قدوة ورحمة للعاملين بها، وهذا القرآن الذي يكذبونه مصدق لما قبله من الكتب، أنزله الله بلسان عربي ليكون إنذارا متجدداً للذين ظلموا وبشرى للذين استقاموا على الطريقة، أفمن كان يسير في حياته على بصيرة وهداية من ربه ويطلب الحق مخلصاً، معه شاهد بالصدق من الله وهو القرآن، وشاهد من قبله وهو كتاب موسى الذي انزله الله قدوة يتبع ما جاء به، ورحمة لمتبعيه، كمن يسير في حياته على ضلال؟ فلا تكن في شك من هذا القرآن، إنه الحق النازل من عند ربك لا يأتيه الباطل ولكن اكثر الناس تضلهم الشهوات فلا يؤمنون بما يجب الإيمان به.
وقال الفضيل بن عياض: ينبغي لحامل القرآن ألا يكون له الى أحد حاجة ولا الى الخلفاء فمن دونهم، فينبغي أن تكون حوائج الخلق اليه، وحامل القرآن حامل راية الاسلام فلا ينبغي ان يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن، وقال الحسن: والله ما دون القرآن من غنى ولا بعده من فاقة.

أهل الفصاحة واللسن
ويشير عميد الادب العربي الراحل الدكتور طه حسين في هذا السياق الى إمامة القرآن فيقول إن من أخص مزايا القرآن أثره الباقي الذي يتركه في قلوب الناس وعقولهم وأذواقهم بعد قراءته، على تتابع القرون واختلاف الأجيال، فالعربي القديم من أهل الفصاحة واللسن والبراعة في تصريف القول قد سمع القرآن فراعه منه ما راعه، واستجاب له هذه الاستجابة التي يعرفها التاريخ، وجاءت بعد أولئك أجيال اخرى لا تحكم ولا تصرف القول ولا تذوق روعة البيان فسمعت القرآن وقرأته فاذا هو يستأثر بعقولها وبقلوبها، واستيقنت انه كلام لا كالكلام بل له شأن اخر يختلف اشد الاختلاف عما يكتبه الناشرون وينظمه الشعراء ويقوله الخطباء، وأغرب من ذلك ان أمما اخرى ليس بينها وبين العرب سبب قد قرأت القرآن وسمعته في القرون المتطاولة والأجيال المتعاقبة فدانت له وآمنت به واستحبت قراءته على كل شيء آخر غيره، فهو إذن يحتفظ بروعته على اختلاف الأزمنة والأمكنة وأجيال الناس.
وقد كان للقرآن الكريم اثره في تغيير التاريخ وتحويل أمة جاهلة غافلة امية شديدة التنافر والتدابر، يضرب بعضها رقاب بعض وينهب بعضها أموال بعض، فإذا هي أمة قد خلقت خلقا جديدا فألفت النظام والأمن والعدل وطمحت الى الرقي وظفرت منه بحظ موفور ونشرت هذه الخصال كلها في أمم كثيرة في الارض، ثم مزجتها وجعلت منها امة واحدة تتعاون على البر والخير وترقية الحضارة، والقرآن وحده هو مصدر هذا كله وجملة القول ان القرآن هو قوام حياة المسلمين.

كتاب الله الخالد
وليس في التراث الإنساني كله شيء يشبه القرآن في تقويم الألسنة العربية حيث تلتوي باللهجات العامية المختلفة والأجنبية حين تتلوى بلغاتها المتباينة، فالذين يحفظون القرآن في الصبا ويكثرون قراءته أصح الناس نطقا بالعربية وأقلهم تخليطا فيها وهو أروع روعة وأبهر جمالا من ان يستنفد فيه القول أو تقال فيه الكلمة الأخيرة.
والقرآن هو كتاب الله الخالد الجامع المجموع فيه امور كلية وله منهاج تتبعه العقول والقلوب لادراك معانيه ومراميه واجراء ما لا يتناهى من الحوادث على قواعده التي تهدي للتي هي اقوم وتبشر المؤمنين بغد افضل يصلون اليه بالتفكير الحر والابتكار المستمر والعمل الصالح لعمارة الارض التي استخلف الله فيها عباده فقد جمع بين الدين والشريعة، يأسر النفس بمعانيه الراقية رقي السماء والفاظه التي تسطع كالنجوم واسلوبه الذي لم يستطع اصحاب الاساليب احصاء اسراره وآثاره على العالم والامي أو الامام في اللسان العربي.

كضياء الشمس
ومنذ ان جاء القرآن استقر منهج الحق واتضح ساطعا على الدنيا كلها، كضياء الشمس الذي لا يخفى على أحد «قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا» (سورة الإسراء الاية 81). فلم يعد الباطل إلا مماحكة أمام الحق الواضح الحاسم الجازم ومهما يقع من غلبة مادية للباطل في بعض الاحوال والظروف إلا انها ليست غلبة على الحق انما هي غلبة على المنتمين الى الحق وهذه موقوتة زائلة اما الحق فواضح وصريح وبين، وهناك عداوة قائمة بين الحق والأهواء والشهوات وحب الدنيا وبغض الآخر والحق لا يمكن ان يدور مع الهوى لأن به تستقيم الامور وتجري السنن في هذا الكون لأن الحق ثابت لا تستغني عنه جماعة المسلمين ولا تبتغي شريعة تخالفه ففيه الحياة الحقيقية ويقظة القلوب التي لا موات بعد حياة، وما يفعل هذا كله إلا القرآن إمام الناس الى خير الدنيا والآخرة.


السر المعجز
يبقى وراء ذلك السر المعجز في هذا الكتاب الفريد سلطانه على الفطرة فالقرآن منهج حياة كامل، ملحوظ فيه نواميس الفطرة التي تصرف الجماعات والنفس البشرية في كل أطوارها وأحوالها فيعالج النفس والجماعة بما يناسبه، فلا يغيب فيه احتمال من الاحتمالات الكثيرة ولا ملابسة من الملابسات المتعارضة في أي منها وفيه شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزعات الشيطان، وهي آفات تصيب القلب بالمرض والضعف وتدفع به إلى الانهيار ويعصم العقل من الشطط والاتجاهات المختلفة في الشعور والتفكير، ويطلق له الحرية ويأخذه بمنهج سليم مضبوط.

اقرأ أيضا