الاتحاد

دنيا

نهاية نارية لشهر عسل

اشتعلت النيران في شقة «فتحي» السائق بالطابق الثالث بمنطقة متوسطة المستوى، وأمسكت بكل شيء فيها، وأتت على جميع محتوياتها من أجهزة كهربائية وأدوات وأثاث ومفروشات وملابس، حتى الجدران لم تسلم من النيران التي أضاءت سماء المكان كله، وهرع الجيران مذعورين وتعالت الصرخات خشية امتداد الحريق إلى المنازل المجاورة وأسرع الرجال إلى مصادر المياه في محاولة لمحاصرة النيران إلى أن يأتي رجال الدفاع المدني بمعداتهم، ألسنة اللهب خرجت من النوافذ والأبواب بعد أن أكلت الأخضر واليابس بالداخل، وتريد أن تحرق كل هؤلاء المجتمعين حولها، غير قادرين على المواجهة الصعبة، لأنها أخذتهم على حين غرة من دون أن يكونوا مستعدين، ولم تمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس، بل كانت أسبق منهم وأقوى.
الكبار والصغار يضربون الأكف وتتواصل الصرخات والنداءات للإسراع بإحضار المياه خوفاً على أرواح السكان الذين حاصرتهم النيران والمؤكد أنها إصابتهم بمكروه، كل واحد من الحضور يتخيل لو أنه هو الذي كان مكانهم في هذه اللحظة المرعبة التي لا توصف، فيزداد الفزع والخوف.
دقائق معدودة سبقت مجيء رجال الإطفاء لكنها كانت كالدهر الطويل، مرت ثقيلة بطيئة وما لأحد حيلة كي يتدخل بأكثر من ذلك، إلى أن دوت صافرات الإنذار وأجراس عربات الإطفاء، فافسح الجميع الطريق، وفي ثوانٍ كانت خراطيم المياه تنطلق نحو النيران تخمدها، وامتدت السلالم المتحركة بارتفاع العمارة من كل اتجاه وعليها الرجال المدربون الذين يعرفون كيف يتعاملون مع هذه الأحداث وغيرها، اندفعوا يلقون بأنفسهم وسط هذا الجحيم بحثاً عن السكان لإنقاذهم، ارتفعت أصوات محركات المعدات التي تدفقت منها مواد الإطفاء، بدأت النيران تخبو وتتحول ألسنة اللهب إلى دخان كثيف تصاعد وحجب الرؤية، إلى أن خرج الرجال الشجعان يحملون رجلاً وامرأة يسكنان هذه الشقة، وقد أصيبا بحروق جسيمة وتلقفهما رجال الإسعاف لنقلهما إلى المستشفى فاقدي الوعي، وانتهت عمليات الإطفاء تماما ولم يتبق إلا الرماد.
انتهى دور رجال الدفاع المدني وبدأت مهمة رجال الأدلة الجنائية، وهذا إجراء طبيعي معتاد بعد كل حريق مهما كان مكانه حتى لو في القمامة، لمعرفة سببه وما إذا كانت النيران شبت بفعل فاعل أو بسبب كهرباء أو غاز أو إهمال وفي الغالب ينتقل خبراء الأدلة الجنائية فور تلقي أي بلاغ حريق، ويستطيعون بخبرتهم من مجرد النظرة الأولى إلى اللهب والدخان وطريقة تصاعده أن يحددوا مبدئياً سببه والمواد التي تلتهمها النيران، لكن بعد إتمام الإطفاء يتم الحسم بالدليل العلمي الجازم. وعلى الرغم من أن مالك الشقة رجل بسيط يقيم مع زوجته وحيدين منذ أقل من شهر، فقد تزوجا حديثاً وما زالا في شهر العسل، اعتقد كثيرون أن السبب قد يكون ماساً كهربائياً أو تسرب غاز، أو عقب سيجارة ألقاه العريس من دون اكتراث لكن كل ذلك لم يكن صحيحاً وتأكد الخبراء من أن الحريق متعمد، وأن النيران تم إشعالها بفعل فاعل، وبطريقة انتقامية، يهدف من ورائها إلى قتل العروسين، فقد قام بسكب كميات كبيرة من البنزين لتؤدي إلى سرعة الاشتعال حتى لا يتمكنا من الفرار، والمسألة إذن ليست مجرد حريق في شقة وإنما هي جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار.
الآن يبدأ دور رجال المباحث الجنائية لكشف غموض الحادث، والخيط الأول يبدأ من أقوال المجني عليهما العروسين، اللذين كانا في حالة صحية سيئة، وحالة نفسية متردية بعد أن شوهتهما النيران وغيرت معالم وجهيهما وجسديهما تماما، وقد يسفر الأمر عن عاهات مستديمة يعجز الأطباء واختصاصيو التجميل عن علاجها، وما أن استطاع العريس الكلام حتى اتهم شقيقة زوجته بارتكاب الحادث لوجود خلافات بينهما وأنها منذ أيام هددته بالانتقام، لكنه لم يأخذ كلامها مأخذ الجد، واعتبره مجرد تعبير عن ثورتها وغضبها، وقد فوجئ بعد منتصف الليل وهو يغط في نوم عميق هو وعروسه بالنيران تحيط بهما وتمسك بكل شيء وأعجزتهما المفاجأة عن أي تصرف فلم يعرفا طريقاً للخروج ولم يستطيعا التوجه إلى صنابير المياه وحدث ما حدث.
وألقي القبض على «شيماء» شقيقة العروس وكانت متجمدة القسمات، متحجرة المشاعر والمفاجأة الأكبر أنها لم تحاول الإنكار بل اعترفت من دون سؤال وقالت: أنا لست مجرمة بل أنا المجني عليها ولو عاد زوج أختي وأختي إلى الحياة لقتلتهما ألف مرة ولن أكون نادمة على ذلك ابدأ فهذان جرثومتان لابد من استئصالهما انهما لا ينتميان إلى جنس البشر فاقت أفعالهما أفعال الشياطين وتصرفات الحيوانات فما لا تعرفونه أن هذا «الكائن» قد تقدم لخطبتي منذ عشر سنوات ولم يكن بيننا وبينه سابق معرفة، وتفصل بين بلدنا وبلده مئات الكيلومترات وتزوجته وبدأت اكتشف المجهول إنه بلا مبادئ ولا أخلاق يتعاطى المخدرات وينفق عليها كل دخله من عمله كسائق اعتاد أن يتخلص من كل أمواله يوما بيوم، وملذاته في مقدمة اهتماماته أو لا اهتمام له بغيرها ويختلق المشاكل بلا سبب ويضربني ويهينني صباحا ومساء إذا عاتبته على أفعاله فآثرت الصمت على الرغم من إهماله وتقصيره وعدم الإنفاق على أهم الاحتياجات والضروريات، بما فيها المأكل والمشرب والملبس ومع هذا يطردني كأنه يتخلص مني فأعود إلى بيت أبي وتمضي الأسابيع ويأتي ليعيدني.
تحملت ولا أدري لماذا تحملت ولا أعرف إن كنت على خطأ أم على صواب فالحسابات صعبة ومتداخلة لكن في العامين الأخيرين طفح الكيل وازدادت الأمور سوءاً، عصبيته تضاعفت حتى السكوت استحق عليه العقاب طردني شر طردة وعدت إلى بيت أبي، لكن هذه المرة مرت أسابيع وشهور ولم يحضر لإعادتي وإن كنت لا أطيقه ولا أريده إلا أنني لا أجد أمامي خياراً آخر، ومع هذا جاءت المفاجأة التي لم أكن أتوقعها فقد طلقني غيابياً، وأرسل لي وثيقة الطلاق رسمياً ولا استطيع أن أصف حالي، فالنجاة والخلاص منه غنيمة كبيرة ومكسب وفوز، والطلاق نقيصة وكسر جناح، إنها خسارة في كل الأحوال.
أما الطامة الكبرى فقد حدث ما لم يحدث في الخيال والدراما فقد تزوج طليقي أختي الصغرى في اليوم الأول لانتهاء العدة، وجن جنوني بالفعل، وفقدت عقلي، وشعرت بالنيران تأكل صدري، وتلتهم جسدي من هذه الخيانة المزدوجة من هذا الذي كان زوجي، ومن تلك التي يقول النسب أنها أختي، لم أصدق، ولكن لم لا أصدق وقد حدث ذلك بالفعل، وإن كان العرس قد تم من دون مشاركة احد من أسرتي مراعاة لمشاعري وأين هي مشاعري؟ لقد توقف عقلي عن التفكير ولم يكن أمامي إلا أن يذوقا بعض النيران التي تأكلني، إنهما ينعمان بشهر عسل وهما منفردان في فراشي في المكان الذي كنت صاحبته.
والآن فقط فهمت لماذا يهش ويبش لرؤيتها ويبثها أمام عيني كلمات الغزل ويغدق على ضيافتها عندما تزورنا وقد كانت تزورنا كثيراً لكن أبدا لم يدر بخلدي أن تكون تلك هي النهاية وأن يدبرا لطعني في قلبي وظهري وعقدت العزم وحسمت أمري وجئت بالبنزين وسكبته وأشعلت النيران وسعدت لأول مرة منذ عرفته وأنا أراها تلتهم كل شيء.
لم تنته من أقوالها إلا وجاءت الإشارة من المستشفى بوفاة الزوجين العروسين متأثرين بإصاباتهما، وقد علمت «شيماء» بهذا الخبر الذي أسعدها فأطلقت ضحكة مدوية كأنها مجنونة على الرغم من صدور قرار بحبسها وعندما علم الأهل والجيران هنا وهناك قال بعضهم لقد كان انتقامها بشعاً، ضيعت نفسها بينما قال آخرون معها حق.

اقرأ أيضا