الاتحاد

تقارير

«غاز المتوسط».. هل يتجاوز مرحلة الصراعات؟

بينما تبتعد طائرة هيليكوبتر عن شاطئ قريب من تل أبيب، تظهر نقطتان سوداوان وسط رقعة مياه زرقاء لا معالم لها. ومع الاقتراب منهما، تظهر منصتان عملاقتان لاستخراج الغاز من باطن البحر المتوسط.
ويقول «يوسي آبو» الرئيس التنفيذي لشركة «ديليك دريلينج» من المقعد الأمامي في الطائرة: «قبل أعوام قليلة، لم يكن هناك أي شيء يمكن أن نراه في هذه المنطقة»، وأشار إلى الشمال قائلاً: «سنبني هناك منصة جديدة، لاستخراج الغاز لصالح مصر وتركيا».
ويبدو الأمر سهلاً من حديث «آبو»، لكنه لن يكون كذلك، إذ إن مدّ مئات الأميال من خطوط الأنابيب تحت البحر المتوسط سيكلف مليارات الدولارات، ويشكل تحدياً تقنياً لكثير من مصمميها، بيد أن هذه المهمة تتضاءل أمام «الهندسة السياسية» المطلوبة لبناء خطوط نفط مستقرة عبر منطقة تنوء بالصراعات.

إمكانات ضخمة
والمنطقة بأسرها من قبرص إلى مصر ولبنان ربما تقبع على أكبر حقول غاز. وتقدر دورية «جيولوجيكال سيرفي» الأميركية أنه من الممكن أن يوجد بها أكثر من 340 تريليون قدم مكعبة من الغاز، وهي كميات يمكن أن تتجاوز الاحتياطات الأميركية المؤكدة، وإن كانت جهات كثيرة في القطاع تعتقد أن حجم الغاز الفعلي ربما يكون أقل بكثير.
وثمة سوق نموذجي قريب لهذه الاكتشافات، موجود في أوروبا الغنية التي تفتقر إلى إمدادات الوقود بشكل كبير، وتستميت من أجل النأي بنفسها بعيداً عن الاعتماد على الغاز الروسي. غير أنه كي تحصل على الغاز فسيتطلب الأمر تعاوناً بين دول لديها تاريخ حافل بالعداء والقتال.
وقال «آموس هوكستين»، الذي عمل مبعوثاً خاصاً لشؤون الطاقة لوزير الخارجية الأميركية السابق «جون كيري»: «إن هذا النوع من الفرص إما أن يستفيد منه الجميع وإما أن يفشل فيه الجميع». وفي حين أقرّ «هوكستين» بما وصفه بـ«العلاقات المعقدة» التي ينطوي عليها الأمر، أكد أنه يمكن التغلب عليها. وقال: «في الماضي كنا ندعو إلى الاستفادة من هذه الفرص الكامنة دون آذان تسمع، وأما في الوقت الراهن، فهناك عدد كافٍ من الناس يدرك الجدوى».

اهتمام متزايد
وبالطبع، يدركون ذلك في مصر، حيث يعتبر حقل «ظهر» اكتشفته شركة «إيني» الأكبر في المنطقة حتى الآن، وهي نقطة تحول أقنعت شركات كبرى أخرى بأخذ الفرص الكامنة شرق البحر المتوسط على محمل الجد. واشترت شركة «بي بي»، التي يوجد لها تاريخ يمتد إلى 50 عاماً من التنقيب عن الغاز وإنتاجه في مصر، حصة 10 في المئة من حقل «إيني» في نوفمبر الماضي.
وبالنسبة إلى الاقتصاد المصري، الذي يعاني بشدة منذ اضطرابات عام 2011 بسبب ضعف الإيرادات من العملات الأجنبية، يمكن أن يكون الغاز منقذاً. فقد اعتادت الدولة أن تكون مصدراً، لكنها اضطرت إلى التضحية بتلك المبيعات لتلبي الاحتياجات الداخلية. وبفضل حقل «ظهر»، تعتزم تخفيض الواردات العام المقبل وبدء التصدير مرة أخرى في 2019.

حل الخلافات
ولتسريع عمليات التنقيب، يقول مصدر دبلوماسي مصري: «إن القاهرة تخلت عن جمودها في التفاعل مع مطالب يونانية بترسيم الحدود المائية في ضوء وجود خلاف يوناني تركي حول نقطتين متمثلتين في جزيرتين في مياه المتوسط».
وأضاف المصدر: «إن القاهرة لم تعد متمسكة بالضرورة بتعليق علاقاتها مع اليونان لحين تسوية الخلافات التركية اليونانية، والأمر هنا لا يتعلق فقط بالعلاقات السيئة بين مصر وتركيا، لكنه يتعلق أيضاً بالمصلحة الاقتصادية لمصر التي تمر بأزمة اقتصادية وتحتاج للسعي نحو الاستفادة من أي آفاق محتملة للثروات الطبيعية خاصة ما يتعلق بالطاقة التي تعاني مصر عدم قدرتها على تلبية احتياجاتها المتزايدة».
وعلاوة على ذلك، بعد أن قضى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي سنوات من الخلاف، تم التوصل إلى مصالحة في 2016 دفعتها بصورة جزئية العلاقات المحتملة في مجال الطاقة. وتستورد تركيا الغاز من روسيا وإيران، لكن تذبذبت علاقاتها مؤخراً مع كلتا الدولتين. وكونها في طرف الجانب المتلقي لأنابيب شرق البحر المتوسط سيساعد أردوغان على الترويج لدولته كمحور للمنطقة.
وعيّن أردوغان صهره «بيرات البيرق» وزيراً للطاقة، وأكد مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى أنه يتحدث إلى «البيرق» يومياً عبر تطبيق «واتس آب». ويعمل الدبلوماسي الأميركي السابق «ماثيو بريزا» الآن مديراً لشركة «تيركاس بترول» التركية، التي أجرت محادثات لشراء الغاز الإسرائيلي. ويقول «بريزا»: «إن الاكتشافات في البحر المتوسط يمكن أن تساعد على إنهاء النزاعات طويلة الأمد لا سيما انقسام قبرص».

أزمة قبرص
ومنذ عام 1974، سيطرت على شمال قبرص حكومة معلنة من جانبها فقط تدعمها تركيا. وباءت عدة محاولات لإعادة توحيد الجزيرة بالفشل، لكن محادثات العام الجاري في سويسرا أعادت بث الأمل، ومن الممكن أن يكون الغاز أحد الأسباب.
ومن بين الشركات الحريصة على استكشاف الغاز قبالة سواحل قبرص، الذي سيصبح أسهل بكثير إذا أزيلت العقبات السياسية، «إيني» و«إكسون موبيل» و«توتال».
وتصر تركيا على أن حكومة «قبرص اليونانية» ليس لديها الحق في التصرف في موارد الطاقة بنفسها، بل وأرسلت سفناً حربية صوب الجزيرة لمنع ذلك.
وفي حين أن هناك مشكلات أكبر ينبغي حلها، مثلما يقول «بريزا»، فإنه إذا كان هناك اتفاق في الأفق بشأن توحيد قبرص، فأعتقد أن امتيازات الطاقة المحتملة هي ما يمكن أن يدفع الجانبين إلى التسوية.
ويرى كثير من المحللين أن خط أنابيب تركياً إسرائيلياً يمر عبر قبرص هو الطريقة المثلى لنقل الغاز إلى القارة الأوروبية، ومن الممكن أيضاً أن يتم مده إلى محطات الغاز الطبيعي المسال في مصر، ومن ثم نقله من هناك. وعقد مسؤولون إسرائيليون وآخرون في الاتحاد الأوروبي محادثات بشأن مسار خط الأنابيب الطموح عبر الطريق إلى اليونان.

رهان الشركات
وهناك عدد كبير من الشركات الكبرى التي تراهن على إمكانات الغاز في شرق البحر المتوسط، لكن لم تجد سبيلاً سهلاً للعمل هناك حتى الآن.
و«إيني» و«إكسون» من بين الشركات التي سجلت اهتمامها بالتنقيب قبالة لبنان، وتم تأجيل مزاد على حقوق التنقيب منذ عام 2013، نتيجة الجمود السياسي في الدولة والنزاعات على الحقوق مع إسرائيل، ورغم ذلك، وعدت الحكومة بمحاولة جديدة خلال الشهر الجاري. وفي مصر، ظلت شركة «رويال دويتشه شل» معلقة لسنوات. وأما «نوبل إنرجي»، الشركة الأجنبية الوحيدة التي حاولت مد يدها في إسرائيل، فحققت أموالاً من المبيعات الداخلية، لكن مشاريعها الخاصة بالتصدير قوبلت بشبكة من العقبات القانونية والتنظيمية على مدار أعوام.
وأما الطبيعة الجيولوجية في المنطقة، خصوصاً الخندق الضخم الممتد على طول قاع البحر من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى تركيا، فستجعل إنشاء خط الأنابيب صعباً، بحسب «سيمون هيندرسون»، مدير برنامج السياسات النفطية لدى «معهد واشنطن». وأشار إلى وجود مخاوف بشأن الأسعار، إذ تؤثر تخمة المعروض العالمي على شهية القطاع تجاه المشاريع باهظة التكلفة.
وعلى الرغم من ذلك، يزداد زخم التفاؤل. وفي ضوء حماستها بسبب حقل «ظهر»، ترى شركة «إيني» أن مصر ستكون مركزاً لمحور يشمل قبرص وليبيا وإسرائيل، ويمكن أن يقدم حلولاً لأمن الطاقة الأوروبي، بحسب الرئيس التنفيذي «كلاوديو دسكالزي».

تحفيز ضروري
ولدفع الشركات والحكومات الإقليمية إلى ذلك المسار ربما يحتاج الأمر إلى تحفيز من قبل قوى كبرى، لا سيما الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وأوضحت «ربيندا شافير»، الباحثة رفيعة المستوى لدى مركز «الطاقة العالمي»، التابع لمعهد أبحاث «المجلس الأطلسي»، في واشنطن، أن هناك بالتأكيد حاجة إلى حشد إرادة سياسية وتجارية. وأضافت: «إن الاتحاد الأوروبي يرى بالفعل أن الغاز في البحر المتوسط (مشروع له أولوية كبرى)، على الرغم من أنه يفتقر إلى الأدوات المالية اللازمة لدفعه قدماً».
ويرى «بريزا» أن الإمكانات يمكن أن تسطر قصة نجاح أخرى في شرق البحر المتوسط، تحاكي نجاح المشروع الذي راقبه من كثب عندما كان سفيراً للولايات المتحدة الأميركية لدى أذربيجان، إذ يمتد خط أنابيب النفط «باكو- جيهان» الذي أنشأته شركة «بي بي» من العاصمة الأذرية عبر جورجيا إلى شاطئ البحر المتوسط في تركيا. وحظي الخط النفطي بدعم أميركي قوي. وكانت النتيجة «نماذج جديدة من التعاون» بين الدول الثلاث، بحسب «بريزا».
وتدفع الولايات المتحدة منذ وقت طويل إلى إعادة توحيد شقي الجزيرة القبرصية، والمصالحة بين إسرائيل وتركيا، التي ساعد «هوكستين» على التوسط فيها. لكن يبقى مستوى اهتمامها في ظل إدارة الرئيس الجديد دونالد ترامب موضع ترقب.
وعندما ساندت الولايات المتحدة خطوط الطاقة في تلك المنطقة، كانت تحاول في كثير من الأحيان تهميش روسيا. بيد أن الرئيس ترامب أكد أنه سيسعى إلى تحسين العلاقات مع موسكو، وبصورة عامة، لن يكترث كثيراً بالعالم الخارجي عندما لا تكون المصالح الأميركية على المحك بصورة مباشرة. غير أن وزير الخارجية الأميركي «ريكس تيليرسون»، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «إكسون موبيل»، ليس غريباً على سياسات خطوط أنابيب النفط، مثلما ترى «شافير»، التي تعتقد أن «السيطرة على الطاقة ستكون أولوية له، حتى في عقله الباطن».

*صحفي أميركي متخصص في شؤون الشرق الأوسط
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا