الاتحاد

تقارير

جنوب أفريقيا: فشل برنامج توزيع الأراضي

يدفع مايكل زولو عربته اليدوية بجهد على الطريق إلى منزله في المزرعة، حيث تنقر دجاجاته الحب، فيما القطط الهزيلة تنام متكومة وسط فضلات الطيور. إنه صاحب المزرعة الآن، وليس مجرد سائق جرار لدى مُزارع أبيض يدعى "إينجلبريخت"، مثلما كان حاله في الماضي. ولكن قميصه اليوم مخرق أيضاً ومملوء بالثقوب، ومبنى حظيرته بدون سقف، وإنتاج أرضه الوحيد اليوم هو سماد البقر، الذي وُضع في أكياس صف بعضها فوق بعض إلى جانب الجدار كبديل للحطب. وطبعاً لا توجد كهرباء في مزرعته التي لا تبعد سوى حوالي ساعة بالسيارة عن جنوب شرق مدينة جوهانسبرج؛ أما الأسيجة وخطوط الهاتف فقد سُرقت، وكذلك الحال بالنسبة لسقف حظيرته وتجهيزاتها الأخرى.
وبالنسبة لزولو، الأمر كله مرده إلى منعطف خاطئ في حياته حين تقدم بطلب للحصول على مزرعة في إطار برنامج إعادة توزيع الأراضي في جنوب أفريقيا وعن ذلك يقول: "لقد ظننتُ أنني سأكون أحسن حالاً؛ ولكنني أعتقد أن الأمور كانت أفضل عندما كنت أعمل لدى السيد إينجلبريخت. فقد كنا نعيش عيشة طيبة معه، حيث كنا نحصل على المال منه وكنا نستطيع الاعتناء بأطفالنا".
والواقع أن هدف برنامج الإصلاح الزراعي نبيل، من حيث المبدأ، وهو رد مظالم واختلالات عهد التمييز العنصري، عندما كان السود محرومين من امتلاك الأراضي الزراعية، وكان الهدف انتشال سكان الأرياف السود من الفقر المدقع عبر شراء مزارع من الملاك البيض الراغبين في ذلك ومنحها للسود. غير أن البرنامج لم يحقق أيّاً من أهدافه تلك. ولكن، أين مكمن الخلل؟ إذا سألتَ مزارعيْن متجاورَين، فإن الجواب سيعتمد على عرقيهما على الأرجح. ذلك أن هناك مرارة كبيرة تحت الروايات المتنافسة، ومن الصعب تمييز ما هو حقيقي عما هو مغلوط، وما هو مجرد رفض مترسخ لرؤية وجهة النظر الأخرى. غير أنه لا خلاف على أن الحكومة أنفقت حوالي 4 مليارات دولار على هذه العملية وأن معظم المزارع قد فشلت، مما يزيد شبح انهيار زراعي كارثي على غرار ذلك الذي عرفته زيمبابوي بعد الاستيلاء على المزارع الكبرى المملوكة للبيض وتسليمها للمقربين السياسيين.
يشار هنا إلى أن هدف جنوب أفريقيا، المتمثل في منح 30 في المئة من الأراضي الزراعية التجارية للسود بحلول 2014، قد تم تمديده لعقد من الزمن، ومن المتوقع أن يكلف 10 مليارات دولار إضافية.
وهذه السياسة شابتها مظاهر الفساد وانعدام الكفاءة البيروقراطية؛ غير أن المشكلة الرئيسية هي أن الأراضي، على غرار برنامج زيمبابوي، كانت تعطى لأشخاص لا دراية لهم بكيفية زراعة الأرض واستغلالها. وفي هذا الإطار، قال وزير إصلاح الأراضي "جوجيل نكوينتي" مؤخراً: "إن الحكومة لم تكن لديها استراتيجية لضمان أن الأرض منتجة".
والواقع أن نحو 90 في المئة من المزارع التي أعيد توزيعها قد فشلت، حيث تركت ما يقارب 15 مليون فدان من الأراضي الزراعية ذات المردودية الجيدة غير مستغَلة، وهو ما يعادل حوالي 6 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة في جنوب أفريقيا. وفي هذا السياق، يقول "جون كاين برمان" من معهد العلاقات بين الأعراق في جنوب أفريقيا: "إن السياسة برمتها فاشلة"، مضيفاً "إن الزراعة في هذا البلد صعبة أصلاً؛ وأكثر من ذلك، فإنك تراهن على أشخاص يفتقرون إلى الخبرة والتجربة، ويعوزهم التفاني في العمل والالتزام تجاه الزراعة؛ وبالتالي، فلا غرو أن يفشلوا".
وقريباً من المزارع السابق المسمى "مايكل زولو" نرى "جوان فان ديك" وهو مزارع أبيض يقود مركبته الكبيرة على الطريق، ويمر بمحاذاة مزرعة "زولو" ومنزل ريفي آخر حيث كانت تعيش عائلة بيضاء ويقول: "لقد قُتل الزميل الذي كان يعيش هناك". ويعد "فان ديك" واحداً من أغنى سكان المنطقة التي توجد فيها مزرعة "زولو"؛ ويواصل قيادة مركبته بجوار المزارع التي يديرها سود اليوم، مشيراً إلى البنايات المخربة، والأسطح القصديرية المفقودة، والجدران الآيلة للسقوط. ويقول مشيراً بإصبعه إلى إحداها: "تلك مزرعة يملكها أبيض... لأن كل الأسقف موجودة". إنها منطقة ريفية جميلة أكسبتها أمطار الصيف خضرة ونضارة، ولكن الاستياء والصور النمطية ما زالا موجودين تحت السطح. والواقع أن هناك مرارة على الجانبين، بل إن العنف حاضر أيضاً بأشكال مختلفة: تسميم كلاب المزارعين البيض، اقتحام المنازل، تحطيم صور العائلة، ذبح المزارعين... إلخ.
والأخطر أن رجالاً مثل فان ديك، 56 عاماً، يفضلون إطلاق النار على لص وإرداءه قتيلًا بدلاً من أن يطلقوا النار على ساقه؛ ولذا فهو يعتبر ابنه "راميّاً فاشلًا" لأن ذلك بالضبط هو ما فعله ابنه بلص اقتحم منزله مؤخراً، وكان مسلحاً بمدية. يذكر هنا أن "فان ديك" يحمل هو أيضاً معه مدية، وكذلك زوجته. والعمال الزراعيون الذي يشتغلون لديه لا يتخطون عتبة منزله أبداً. غير أن جيران "فان ديك" السود الجدد يقولون إنهم منزعجون بسبب ما يسمونه عادة حمل سلاح ناري يلازمه أينما حل وارتحل "كما لو كنا أعداء"؛ ويعتقدون أن معظم المزارعين البيض ينتظرون فشلهم، حتى يهبوا لشراء المزارع واستعادتها بثمن بخس.
وقبل ثماني سنوات، انضم "مايكل زولو" إلى منظمة تضم حوالي 206 رجال سود أطلقوا على أنفسهم اسم "شركة سيزاناني للزراعة"؛ بعضهم كانوا عمالاً زراعيين، أما البقية فكانوا من سكان أحياء السود الفقيرة في جنوب أفريقيا ولا دراية لهم بالزراعة. وبفضل منح حكومية، اشتروا سبع مزارع وانتخبوا لجنة وزرعوا المحاصيل. ولكن "زولو" لا يعرف أي شيء عن مالية "سيزاناني"، عدا أن المال نفد بعد بضعة مواسم محاصيل سيئة. وبعدها، باع عجلات الجرار وجهاز "الرادياتور". ثم باع الدجاجات. وتخلى عن محاولة زراعة أرضه، وبدأ يعمل لدى مزارعين آخرين يرعى ماشيتهم أو يعمل كبستاني في أقرب بلدة. ولذا يقول الآن: "أعتقد أن علينا أن نذهب إلى الحكومة مرة أخرى، من أجل مزيد من المال".

ر
وبين ديكسون - جنوب أفريقيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا