الاتحاد

الاقتصادي

متانة القطاع المالي تشكل قاعدة صلبة لاستدامة النمو الاقتصادي

مبنى مصرف الإمارات المركزي

مبنى مصرف الإمارات المركزي

شكلت المتانة التي يتمتع بها القطاع المالي لدولة الإمارات العربية المتحدة خلال ما يناهز أربعة عقود، الضمانة الرئيسية والقاعدة الصلبة لاستدامة النمو الاقتصادي للدولة والوصول بمعدلاته الى مستويات مرتفعة، حتى خلال الأزمات المالية العالمية التي ضربت الاقتصادات العالمية المتقدمة.
وتمكن القطاع المالي في دولة الإمارات الذي يشكل حاليا ما يصل الى 6% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة، خلال الأعوام الماضية وخاصة خلال العقد الأول من الألفية الثانية، من ترسيخ قواعده ليصبح بمثابة الشراع الذي يوجه سفينة الاقتصاد الوطني الى شواطئ الأمان ويحميها من تقلبات الأمواج العاتية للأزمات المالية والاقتصادية، وهذا ما تجلى بوضوح خلال الأزمة المالية الأخيرة التي عصفت بالعالم منذ أواخر العام 2008، حيث مكنت الصلابة التي يتمتع بها هذا القطاع وسمته القوية الإمارات من عبور الأزمة العالمية بسلام، دون ان تتعرض بنيتها الاقتصادية والمالية الى اي اختلالات مماثلة لما حدث وما زال يحدث في العديد من الاقتصادات الغربية.
وساهمت الإدارة الحكيمة لاقتصاد الإمارات خلال السنوات الماضية، والتي أدت إلى تقوية فوائضها المالية، وفوائض حسابها الجاري، بالإضافة إلى تحقيق صاف ضخم في أصولها الخارجية، في تحصين اقتصادها ضد التأثيرات الضارة للأزمة الاقتصادية العالمية، والتراجع الحاد في أسعار النفط، وذلك ومن خلال وضعها المالي القوي.
ويسجل للقطاع المالي في الإمارات بفروعه المتنوعة بين القطاعات المصرفية وأسواق المال والمؤسسات والمراكز المالية المختلفة، قدرته على اجتياز الأزمة من جهة وتحويلها الى فرص من جهة اخرى وذلك من خلال معالجة الاختلالات التي أفرزتها تلك الأزمة في الأنظمة المالية والنقدية، والتعرف على مواطن الخلل التى لم تكن لتظهر الا في أوج الأزمات، الأمر الذي يسهم في ترسيخ متانة القطاع مستقبلا وتطويره لمواجهة التحديات العالمية.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن للقطاع المصرفي والمالي دور أساسي وحاسم في تأمين النجاح لتدابير الإصلاح الاقتصادي لأي دولة، فتحسين أداء المصارف يؤدي إلى تحسين تخصيص وتوزيع الموارد، وهذا أمر له آثار إيجابية في النمو الاقتصادي على المدى الطويل، كما أن تجارب الكثير من البلدان التي تم تحليل اقتصادها خلال السنوات الثلاثين الأخيرة في إطار التغيرات العالمية، تدل على أن قوة القطاع المصرفي والمالي عنصر أساسي في عملية النمو الاقتصادي، وذلك من خلال أثرها في نمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج وفي التغير التكنولوجي، بالإضافة إلى علاقتها الوثيقة والعضوية بتطور القطاع الخاص، بالإضافة الى أن جودة القطاع المالي تخفف من قابلية تأثر الاقتصاد بالعوامل السلبية والمخاطر وبالصدمات الاقتصادية وغير الاقتصادية.
وبرز ذلك بقوة من خلال المرونة البالغة التي أبدتها الإمارات في التعامل مع الأزمة المالية العالمية بهدف المحافظة على الاستقرار المالي، والتخفيف من الأضرار الجانبية للأزمة، وتعزيز النشاط الاقتصادي لاسيما وان الوضع المالي للدولة آخذٌ في التوسع، مع تركيز خاص على الإنفاق الرأسمالي على البنية التحتية، بالإضافة إلى اقراض الشركات الحكومية.
استقرار النظام المالي
كما مضت حكومة الإمارات قدماً في وضع عدد من الخطوات التي تضمن استقرار النظام المالي، تتضمن وضع حدود على إقراض الشركات التابعة للحكومة، وتقنين وتعزيز تصنيفات الإقراض، وقواعد المخصصات مع التشديد على تطبيق هذه القوانين،الى جانب المبادرة إلى وضع مسودات قوانين وتشريعات لتعزيز سوق الدين المحلي، وتمديد متوسط فترة استحقاق الدين، الأمر الذي سينعكس على تمويل المشروعات والاستثمارات الكبرى.
وتصدر الأداء القوي للقطاع المالي في دولة الإمارات العربية المتحدة اهتمامات المؤسسات المالية الدولية خلال السنوات الأخيرة وذلك بعد ان اثبت قدرة فائقة على مواجهة التحديات المالية العالمية، الأمر الذي مكنه من تبوؤ مراتب متقدمة في التقارير العالمية حيث حافظت الدولة على ترتيبها المتصدر لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر التنمية المالية لعام 2010 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي والذي صنفها في المرتبة 21 على الصعيد العالمي.
وحصلت الإمارات في المؤشر الذي تصدرته الولايات المتحدة الأميركية على 4,03 نقطة من اصل 7 نقاط، حيث يتم احتساب الترتيب العام للمؤشر بناء على مجموع النقاط السبع، وعلى اساس المعايير الفرعية التي يتكون منها المؤشر.
وتبوأت الإمارات هذا التصنيف المتقدم بعد ان حلت في المرتبة السادسة عالميا في معيار الاستقرار المالي والمرتبة 23 عالميا في معيار البيئة المؤسساتية والمرتبة الثانية والعشرين في معيار بيئة الأعمال والمرتبة العشرين في معيار الخدمات المالية.
كما تصدرت الدولة كذلك بلدان المنطقة في معيار الخدمات المالية غير المصرفية الذي حلت فيه في المرتبة 28 عالميا، فيما جاءت في المرتبة ذاتها في معيار الأسواق المالية بعد الكويت التي جاءت في المرتبة التاسعة عالميا، وكذلك حصولها على المركز الخامس عشر في معيار النفاذ المالي.
وحصدت دولة الإمارات العديد من المراتب المتقدمة في المؤشرات الرئيسية الأخرى مثل مؤشر حوكمة الشركات، حيث حلت في المرتبة الحادية والعشرين عالميا، ومؤشر البنية التحتية عند المرتبة 25 ومؤشر انظمة الضرائب في المرتبة السادسة عالميا.
وذكر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره إن دولة الإمارات العربية المتحدة حظيت بتقديرات مرتفعة في كافة مجالات التقييم المالي.
كما رجحت التوقعات الحديثة لمعهد التمويل الدولي بشأن آفاق النمو في اقتصاد الإمارات، مشيرا الى ان المعهد يرجح ان يتواصل نمو الناتج المحلي الإجمالي للدولة هذا العام ليتجاوز معدل 2% قبل ان يقفز الى اكثر من 3.3% العام المقبل 2011.
واكد المعهد مدى استفادة دولة الإمارات من خطط التنويع الاقتصادي التي اعتمدتها منذ سنوات، مع سعيها إلى التقليل من الاعتماد على النفط، لاسيما في امارة أبوظبي التي بدأت الاتجاه نحو قطاعات الطاقة البديلة والتركيز على قطاعات مهمة أبرزها السياحة والخدمات المالية اللوجستية وغيرها من المجالات الأخرى.
واستبعد معهد التمويل الدولي تأثر الاقتصاد الوطني في دولة الإمارات بشكل مباشر نتيجة التقلبات الحادة في أسعار صرف العملات العالمية وما يصحبها من هبوط للدولار الذي يرتبط به الدرهم الإماراتي وارتفاع عملات اخرى مثل اليورو والين الياباني، لافتا الى ان ضعف الدولار ينعكس في بعض الجوانب إيجابيا على اقتصاد الإمارات الذي يتسم بقدر جيد من التنوع خاصة فيما يتعلق بتعزيز الجاذبية السياحية للدولة واستقطاب المزيد من السياح، بالإضافة الى دوره في تنشيط الطلب على العقارات التي تواجه ضعفا في الطلب محليا في الوقت الراهن بسبب تحفظ البنوك في عمليات التمويل. وعلى صعيد القطاع المصرفي اوضح معهد التمويل الدولي ان الائتمان المصرفي في الإمارات بدأ يتحرك بشكل طفيف للغاية مسجلا نموا بنسبة 1% هذا العام، ويتوقع ان يرتفع الى 3% العام المقبل، موضحا بأن البنوك العاملة في إمارة أبوظبي تسجل نموا قويا يزيد عن 5% هذا العام، وذلك قبل ان ترتفع الى 7% العام المقبل الذي سيشهد ايضا عودة النمو للائتمان في بنوك دبي بنسبة قد تصل الى 3%.
وشدد المعهد على أهمية استئناف الأقراض في بنوك دول المنطقة لضمان ترسيخ التعافي الاقتصادي، مشيرا الى انه في حين تشهد اقتصادات هذه الدول نموا متدرجا، فإنه من الضروري تحسن مستويات أقراض البنوك للقطاع الخاص في المدى المتوسط.
وأشار الى ان البنوك الإماراتية نجحت في تغطية 85% من القروض المتعثرة العام الماضي، ويتوقع ان تصل التغطية الى 90% هذا العام، وذلك من خلال المخصصات التي جنبتها لتطهير ميزانياتها من هذه القروض التي شكلت 4.8% من اجمالي القروض في 2009 ويتوقع ان تشكل 8.2% من الإجمالي هذا العام.
وأوضح كذلك ان نسبة القروض الى الودائع لدى القطاع المصرفي في طريقها للتوازن مجددا بعد ان بلغت بنهاية شهر سبتمبر الماضي 102% مقارنة مع 104% العام الماضي و108% في العام 2008.
ولفت معهد التمويل الدولي، الى أن مؤشرات السلامة المالية داخل موازنات البنوك المجمعة على مستوى المنطقة والإمارات تحديداً، تشير إلى أن البنوك المحلية لا تزال تتمتع برسملة جيدة ومربحة، وتعد الأقوى داخل دول مجلس التعاون الخليجي، معللاً ذلك بالأداء الاقتصادي القوي بين سنوات 2003 و2008، التي ساعدت على تعزيز الموازنة العمومية.
ملاءة مالية
وأضاف أنه رغم الوضع المالي المضطرب الذي يمر به النظام المالي العالمي بقيادة القطاع المصرفي، فإن مؤشرات السلامة داخل البنوك في الإمارات استطاعت أن تحافظ على قدر كبير من الاستقرار، وذلك بفضل الإجراءات التي قامت الحكومة الإماراتية باتخاذها الى جانب المصرف المركزي، مما رفع مستوى الملاءة المالية التي باتت تعتبر الأعلى في المنطقة بعد ان وصلت الى 20.3% بنهاية شهر مارس 2010 مقارنة مع 13% في العام 2008.
ولفت المعهد الى ان الرقابة القوية وتحسن عمليات السوق من قبل البنوك ساعدا على تعزيز ادارة المخاطر وتجنيب المصارف تكبد خسائر تتعلق بالمنتجات المعقدة والأنشطة ذات المخاطر العالية. وتقدر الأصول الخارجية الإجمالية للدولة حاليا بنحو 535 مليار دولار “1,6 تريليون درهم” هذا العام، مقابل 490 مليار دولار “1,8 تريليون درهم” في العام 2009، حيث تشكل الأصول الخارجية لجهاز أبوظبي للاستثمار (آديا) النسبة الأكبر منها.
ورجح المعهد أن تصل قيمة الأصول الخارجية للبنوك التجارية إلى 57 مليار دولار، وأن تصل قيمة الأصول للمؤسسات غير المصرفية إلى 37 مليار دولار هذا العام، وأن تبلغ قيمة الأصول الخارجية للمصرف المركزي 51 مليار دولار مقابل 39 مليار دولار في 2009.
بدوره واصل صندوق النقد الدولي تأكيداته على التحسن المتواصل في أداء الاقتصاد الإماراتي بعد الانكماش الذي سجله خلال فترة الأزمة المالية العالمية، وذلك من خلال رفع تقديراته لنمو الناتج الاسمي للدولة بنسبة 7% هذا العام ليصل الى 239.6 مليار دولار”879.3 مليار درهم” مقابل 223.9 مليار دولار”821.7 مليار درهم” في العام 2009، مرجحا ارتفاع هذا الناتج الى اعلى مستوى له على الاطلاق خلال العام المقبل عند 255.1 مليار دولار”936.2 مليار درهم”.
أداء قوي
وعدل الصندوق في احدث تقرير له حول آفاق الاقتصاد الإقليمي العديد من المؤشرات الاقتصادية للإمارات، مدفوعا بالأداء القوي الذي سجلته مختلف القطاعات الاقتصادية خلال الأشهر الماضية من العام الحالي، حيث واصل القطاع غير النفطي نموه بشكل جيد متجها لتسجيل نمو قدره 2.1% العام الحالي والى 3.1% العام المقبل، مقابل نمو قدره 1.8% في 2009.
وتوقع الصندوق كذلك ان يسجل القطاع النفطي نموا قده 3% بنهاية 2010 وان يرتفع الى 3.4% العام المقبل، الأمر الذي من شأنه ان يعزز توقعات ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للدولة في 2011 الى 3.2%.
وأظهرت بيانات الصندوق في تقريره لشهر أكتوبر حول آفاق اقتصاد الشرق الأوسط وشمال افريقيا وباكستان، توقعات بارتفاع مستوى التضخم في الدولة من 1.2% العام الماضي الى نحو 2% هذا العام والى 2.5% العام المقبل، وذلك مقابل 12.3% في 2008.
وبنى الصندوق توقعاته المرتفعة لنمو اقتصاد الإمارات على تحسن بيانات النمو المركب لاقتصاد إماراتي أبوظبي ودبي، وكذلك بالنسبة لتوقعات أسعار النفط، حيث رفع الصندوق معدل الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي لأبوظبي هذا العام الى 4% مقارنة مع توقعات سابقة بحدود 3.7%، وذلك بالتزامن مع تسجيل اقتصاد دبي نموا إيجابيا يزيد عن 1.5% مقارنة مع التوقعات السابقة التي قدرته بنحو نصف في المئة فقط، وذلك نتيجة استفادة اقتصاد الإمارة من ارتفاع مؤشرات قطاعات التجارة والخدمات اللوجستية والسياحة وعودة الثقة العالمية باقتصاد الإمارة بعد التوصل لاتفاق بين مجموعة دبي العالمية والبنوك الدائنة حول إعادة هيكلة ديون تزيد قيمتها عن 24.9 مليار دولار.
ووفقاً لتقديرات الصندوق وصلت عائدات الحكومة الإجمالية الى 25.8% من الناتج المحلي في العام الماضي، متوقعا أن ترتفع النسبة الى 29.9% العام الجاري والى 31.0% العام المقبل.
كما توقع الصندوق ان تصل حصة عائدات الدولة من القطاعات غير الهيدروكربونية في العام الحالي الى 14.5% من الناتج المحلي، متوقعا أن ترتفع الى 16.0% في 2011، كما توقع ان يشكل إجمالي الإنفاق الحكومي وصافي الإقراض في العام 2010 ما نسبته 32.6% من الناتج المحلي مقارنة مع 38.2% في 2009، كما توقع أن تصل الى 27.1% من الناتج المحلي في العام المقبل.
ورجح صندوق النقد الدولي أن يصل مستوى نمو المعروض النقدي في الإمارات الى 6% هذا العام والى 6.3% العام المقبل، مقارنة مع 9.8%، في 2009 و19.2% في 2008، مرجحا في الوقت ذاته ارتفاع احتياطات الدولة الرسمية هذا العام إلى 35.3 مليار دولار “129.5 مليار درهم” والى 39.7 مليار دولار العام المقبل مقابل 29.9 مليار دولار في 2009. كما رجحت البيانات المحدثة للصندوق تسجيل الدولة نموا في حساباتها الجارية هذا العام يصل الى 5.4% من الناتج الإجمالي ليبلغ 12.9 مليار دولار (47.3 مليار درهم) والى 14.3 مليار دولار”52.4 مليار درهم” في العام المقبل، بنمو 5.6%، مقارنة مع فائض بلغ 9 مليارات دولار في العام 2009.

اقرأ أيضا

حريق محدود في مصفاة بالكويت دون تأثير على الإنتاج