الاتحاد

الملحق الثقافي

«حب إلكتروني» في الهامش والمتن

مجموعة القاصة السعودية باشا مباركي والتي صدرت مؤخرا تحت عنوان “حب إلكتروني” تحقق انسجامها الفني والموضوعي، من خلال تلك الأمكنة التي سبق أن اختبرتها واقتربت منها بما يخول لها أن تستل منها ما يلتصق في الذاكرة وما سيكون له أثر في القارئ المتعطش لمثل هذه الأجواء والعوالم، خصوصا وإن باشا مباركي ترصد عن كثب عوالم وملامح وأمكنة ربما لم يطرقها الكثير من تلك الجهات في جنوب السعودية، مع أنها تتشارك كثيرا مع غيرها من الكتابات في سماتها العامة. وسنقرأ ذلك من خلال أجواء (المدرسة) التي لاتكاد تخلو منها سوى قصص قليلة في المجموعة، ومن خلال حوارات الأشخاص وهمومهم حيث تلتقط باشا مباركي لحظات من هذا العالم بحسها الإنساني الذي تعضده معرفتها وقربها. سنقرأ المكان/ المدرسة في نصوص: حقائب، وورقة من دفتر طالبة، وللجدران أحلام أخرى، والباب الثقيل، وثلاث، وورقة منسية، وقاعة التاريخ، وربما في قصص أخرى من المجموعة، وهذا ليس بغريب إذا عرفنا من خلال المقدمة التعريفية أن باشا مباركي لها علاقة كبيرة بجو المدرسة والتعليم من خلال عملها.
كما سنقرأ أمكنة أخرى كالسوق الشعبي ومحطة سيارات الأجرة وشوارع الحي في نص “ورقة منسية” حيث باشا اختارت هذه الأمكنة أيضا التي عايشتها واختزلتها في نص يعد ذاكرتها بالكثير مما قد يقال. ومما يمنحنا ملمحا جميلا عن خصوصية العمل حتى في لغته وحوار شخوصه فالقاصة تسمي الأشياء بأسمائها التي عرفت عليها هناك. فنقرأ الغطوة، وهو غطاء الوجه للمرأة الجنوبية، والصنادق التي هي بيوت من الزنك، وحزبة الفل وسيارة الشاص والكثير من المقولات والأمثلة وملامح الجنوبي وعطر الجنوبيات.
مجموعة قصصية منسجمة في فنيتها حيث النصوص بمستويات متقاربة في أفقها الخاص وفي تقنية كتابتها ومتباينة في مباشرتها وفيما تطرحه من أسئلة، خصوصا مع النصوص التي تحتاج إلى قارئ خاص أيضا ويلتقط مع القاصة تلك الحاسة التي كتبت القصة في سبيلها مثل: الباب الثقيل وتهيؤ وتمرد، تلك النصوص التي يمكن معها أن نفتح التأويل على أكثر من وجه، وأن نتخيل أيضا ماخلف الكلمات لتبقى مخرجات النص فضفاضة تمارس إيحاءها بهدوء، وتحتاج لمن يكترث لكل لقطة فيها، خصوصا وهي تتكئ فيها على تراكيب لغوية يتقاطبها الغامض والواضح.. إنها تقنية بحاجة إلى قارئ متمرس ليصبح المعنى المألوف له حاضرا، لكنه بحاجة إلى اكتشاف، وهو اكتشاف الدهشة أو ما لا يتوقع، وهذا بعكس بعض القصص في المجموعة إذ لايحتاج النص إلى الكثير من إعادة القراءة أو التأمل العميق فيها. فهناك قصص مثل حب إلكتروني، وعجز، ومن ذاكرة السوق، تذهب بنا القاصة فيها إلى متعة السرد المجردة وإلى متعة القص بحد ذاته، وهي تلك النصوص التي تعتني بعلاقة الرجل بالمرأة وبالاجتماعي بمفارقاته ومقارباته وشيء من أجواء الجنوب وثقافته.
هذه النصوص حافظت على كثافتها اللغوية وتركت فراغات ضيقة للمتلقي، ومنها ماترك شعرية واضحة خصوصا عندما يتطلب النص توصيفا شعوريا أو حدثا عاطفيا مثل نصوص بلوتوث، وعجز، وحب إلكتروني، وهذا سنلحظه أيضا في بدايات النصوص تلك البدايات الوامضة حيث نقرأ مفتتحا يضع مناخ القصة وأجواءها العامة بين يدي القارئ، وتساهم العناوين إلى حد في بعض القصص بينما تبدو بعض العناوين مجرد إضافة للنص أكثر من كونه مجرد شارح أو يحمل توصيفا.

اقرأ أيضا