الاتحاد

الملحق الثقافي

كويتي ويهودية قبل الصراع.. وقلبه

“أما بعد..” رواية وليد الرجيب مأخوذة عن قصة حقيقية، أشخاصها وأحداثها من صنع الخيال، وهي أول رواية كويتية تحكي عن يهود الكويت، وعن يعقوب بطل الرواية الذي أحب سارة اليهودية منذ الطفولة. ولكن نظراً لإضطرار عائلتيهما للهجرة من الكويت، افترقا وظل يعقوب يبحث عنها في العراق واسرائيل لسنوات طويلة.
يستنبش مناحيم ليفي المخرج السينمائي ذاكرة يعقوب التي عاشها في الكويت، بعد ان لاحظ عليه يتحدث بشكل عشوائي. فأراده ان يبدأ من البداية، لا ان يخمن ويسترسل ويخطئ كما يفعلون في هوليوود، يصورون العرب كما يرونهم في مخيلتهم، أو حسب انطباعهم، او موقفهم منهم.
يبدأ بالتعريف عن نفسه، اسمه يعقوب داود عزرا ولد في الكويت عام 1923م، وكذلك ولد أبوه في الكويت في نهايات القرن التاسع عشر، بعد ان هاجر جده عزار من العراق مع عمه اسحاق الى الكويت عام 1889م، واصبح حينها عدد العائلات اليهودية قرابة الخمسين، في عهد الشيخ عبدالله بن صباح الثاني.
لقد سمع يعقوب من الحاخام وهو يتحدث في الكنيس، عن السبب الذي أجبر الناس على الهجرة من العراق بأعداد كبيرة، وقليل من ايران. فمن بعد أن أصيب العراق بأزمة اقتصادية حادة، كانت وجهتهم الكويت لإزدهارها واستقرارها وأمانها، ولأنها غير خاضعة للعثمانيين الذين يكرهون اليهود. عمل معظمهم بالتجارة، وأصبح لهم حي خاص سمي فريج اليهود، وسوق خاص اسمه سوق اليهود، كما كان لهم كنيس خاص معروف، يمارسون فيه العبادة بحرية، وظلوا يعيشون بسلام في الكويت، حتى عام 1948م. اما عائلته فورثت تجارة القماش اباً عن جد، جده تاجر أقمشة ووالده كذلك، ثم والد يعقوب وعمه، ثم اخوه سليمان. اما هو فكان يهوى العلم والمعرفة، وبعدها السياسة والفكر الفلسفي. كان صديقه المفضل موسى والده إمام مسجد ورجل دين، وكان موسى ليعقوب معلمه في الكتابة والقراءة العربية، وأساس ثقافته.
يشعر المخرج ان يعقوب يحمل كنوزاً من الحكايات، رغم سنواته الست والثمانين، وفي هيئته وملامحه جاذبية كبار السن، وفيه شيء مميز لا يوجد الا عند المبدعين. لقد شدته طريقة سرده للحكايات بتقطيع سينمائي ومن خلال سيناريو وحوار تلقائيين، وأراد أن يتكلم بلغة عربية ذات لهجة كويتية، أو عراقية أقرب الى الكويتية، كان هذا شرطه لإجراء المقابلة، لإعتباره ان العربية او الإنجليزية أفضل من العبرية، وبالنسبة لمناحيم لا بأس من ذلك، خاصة ان اصوله جزائرية، وهو يساري، كلفه الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، إعداد فيلم عن حياة المناضل يعقوب داود عزار، بمناسبة عيد ميلاده السادس والثمانين. لقد تعمّد المخرج مقابلة يعقوب في مقهى دجلة الذي يملكه ساسون العراقي اليهودي، ويرتاده بشكل دائم، والتي كانت له فسحة لقضاء وقت عابر، بعد ان هاجر اخوه وامه بصحبة اخته ديزي وزوجها الى الولايات المتحدة الأميركية. منذ ذلك الوقت يعيش وحيداً، بين البيت والمقهى وكانت القراءة والكتب مصدر متعته الحقيقية.
في منزل يعقوب، تلفت مناحيم واستكشف منزله، ليرى في إحدى زواياه جلسة عربية، وعلى الحائط صور فوتوغرافية قديمة بالأبيض والأسود، تتوسطها فتاة تشبه في شكلها وملابسها الممثلات في اربعينيات القرن العشرين، ومكتبة تحتوي في معظمها على كتب ماركسية، وبعض دواوين الشعر، أغلبها باللغة العربية، وبعضها بالإنجليزية والعبرية، وروايات لنجيب محفوظ ولعرب آخرين. سأل مناحيم يعقوب ما هذه الصور على الحائط؟ رد يعقوب وقال: هذه صور الكويت القديمة، وبعض صور من العراق، وهذه صورة المراكب الشراعية راسية على الشاطئ الكويتي، وهذه لبعض الأحياء القديمة، وتلك صورتي مع أخي سليمان وابي، أخذت في البصرة، وهذه صورة سارة التي وعدتني بإيجادها. وهذا صديق طفولتي موسى وانا. هل كنت تلبس الملابس العربية؟ كيف كانت ملابس اليهود في الكويت؟ وكيف كانت معاملة المسلمين لكم؟ ارتبك يعقوب من الأسئلة المركبة، وعاد وقال مناحيم ما رأيك ان تكمل ذكراتك؟
استوقف مناحيم يعقوب يسأله: لماذا تبدأ حديثك دائماً بأما بعد؟ رد يعقوب عندما علمني موسى الكتابة، علمني كذلك اصول كتابة الرسائل، قال لي: بعد السلام والتحية، تكتب اما بعد قبل الدخول في تفاصيل الموضوع، ومن يومها أبدأ حديثي أو كتابتي بـ”أما بعد”، حتى أصبحت لازمة. وكان عمي اسحاق مشتركاً ببعض الصحف العربية، التي كانت مصرية وسورية وعراقية، مثل الأهرام والمقطم وصدى الدستور والبصرة، كان يعطيها لأبي بعد أن ينتهي من قراءتها، وأعود وأقرأها من بعده. واصبحت أكتب رسائل يومية لسارة الى حب حياتي.
شرح المؤلف كيف كان اصدقاء ورفاق يعقوب يمزحون معه، بالقاء التحية وهم يقولون: أما بعد.. رغم ان البعض لا يعرف اسمه ينادونه بالعم أما بعد.. اوصاحبنا اما بعد.. ولما اعتقل آخر مرة، اكتشفته المخابرات من اسمه أما بعد.. ويقول ان لديه ملفا بالاستخبارات مكتوب عليه، يعقوب عزرا الاسم السري اما بعد، وكانت المنشورات تنادي بإطلاق سراح المناضل اما بعد، وبالإنجليزية ايضاً.
اكتفى مناحيم في تصويره وتركه لكي يستريح، لقد ظل جالساً مستنداً بيديه الى عصاه، يستمع الى الفراغ والصمت في منزله، تناول جهاز التحكم، وشغل التلفزيون، اختار محطة اسرائيلية، وجد لقطة تصور الناس فرحين بالقصف الإسرائيلي على غزة، وكان احد الإسرائيليين المتشددين يقول للمذيعة: هذا اقل جزاء للإرهابيين العرب، الذين يروعون أبناءنا بصواريخهم، ويشكلون خطراً على أمن اسرائيل.
حول القناة الى محطة فلسطينية، فوجد الناس ينتشلون الجثث من تحت انقاض البيوت التي دمرتها صواريخ الغارات الإسرائيلية على غزة، واحد الفلسطينيين الملتحين يصرح: سنرد على إرهاب العدو الإسرائيلي الصاع صاعين، وسيكون الإنتقام بحجم الجريمة، كل اسرائيلي مستهدف بحياته من المقاومة الفلسطينية. عاد وحول الى محطة اخرى، فإذا بالقوات الأميركية والقوات العراقية يتفقدون مكاناً مدمراً، في احدى المدن العراقية والمذيع يقول: عن عملية انتحارية قامت بها فتاة في الخامسة عشرة من عمرها ذهب ضحيتها مئتا طفل إضافة الى عدد من النساء ورجال كبار السن.
وفي خبر آخر، جموع من المتظاهرين في بغداد، مساندة لشعب غزة وتنديداً بالغارات الإسرائيلية. عاد ايضاً ونقل المحطة الى تلفزيون الكويت، الذي ما زال يتابعه بين وقت وآخر، كان ينقل مهرجاناً خطابياً ضد اسرائيل، لقد اصبح العالم اكثر تعقيداً من ذي قبل. فلا يريد العيش في هذا العالم بمهانة وضعف، ولا شيء يدفعه للاستمرار في هذه الحياة غير سارة، الحلم الذي انتظره طويلاً. لقد عاد الضجيج في المنزل بعودة مناحيم وفريق عمله، ويريد من يعقوب ان يكمل ذكرياته مع سارة واسرته وموسى واي شيء يجده مهماً في حياته.
كان من ضمن فريق التصوير فتاة اسمها ساشا، التي دققت بكل ما رأته، والتفتت اليه، ففي طفولتها كان لديها تصور عن حب العرب، وسخونة مشاعرهم، ورمانسيتهم، معتبرة انها قابلت احد ابطال الف ليلة وليلة في الغموض والحب اللامحدود، والقليل من كل شيء، لقد ذكرته ساشا بتانيا التي التقاها قبل اكثر من عشرين عاماً، بينما كانت ذاكرته حاضرة للمتابعة. يذكر ان النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي، كان الزمن الحد، لأشياء كثيرة، في تلك السنوات بدأ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وبدأت معه العمليات الإرهابية لعصابات “الهاغانا” و”البالماخ”، وانتشرت المجازر في القرى الفلسطينية، وهذا بالطبع أثار العرب في كل مكان، وازداد العداء لليهود، وتعرضت العلائلات الكويتية اليهودية، الى مضايقات وتهديدات. فجأة اراد ان يتوقف قائلاً الى مناحيم: ما رأيك ان نتوقف عند هذا الحد؟ سأله المخرج مناحيم: هل انت متعب؟ رد عليه بلا ولكني ارغب في الخروج من المنزل، وعند خروجه من البيت عرف حجم افتقاده للطبيعة والأجواء الخارجية، وعرف حجم عزلته وشعوره بالوحدة، بينما كان يمد نظره الى البعيد، وكأنه ينظر الى الماضي برفقة ساشا.
في الصفحات الأخيرة من الرواية، يعرض المؤلف النهاية، بإخبار يعقوب بموت سارة، والذي ظل صامتاً يحدق في الفراغ، بينما تركاه مناحيم وساشا، لإحترام رغبته في البقاء وحده، جالساً في مكانه يفكر في لا شيء. رواية تعيش معها اللحظة، وتختلف مواضيعها بإختلاف المشاهد، وتكاد تقطع القراءة لتقول رأياً، لتظهر أسفاً وعطفاً... يتقاطع سرد الوقائع ليصل حدود الوجدنيات، دون أن تسقط في اسفاف المشاعر او تعاني الإحباط الصادم... يورد المؤلف الوقائع، بسرد مشوّق ممتع، بعيد عن الإطالة وبواعث السأم... إذا كان المكتوب يقرأ من عنوانه، فإن مجرد الإطلاع على عناوين المقاطع للرواية، يدل على زبدة المضمون.

اقرأ أيضا