الاتحاد

الملحق الثقافي

رد الاعتبار لطه حسين

يبدو أن للكتب حظوظاً متباينة مثل الافراد، وذلك حال كتاب د. طه حسين “في الشعر الجاهلي” الذي صدر أول مرة عام 1926 وأثار الدنيا على صاحبه، واتهم بسببه بالكفر، ونوقش الأمر في البرلمان المصري وقت أن كان رئيسه سعد زغلول واندلعت المظاهرات تطالب بفصل المارق الكافر طه حسين من الجامعة، بل وأن ترفع الحكومة المصرية يدها نهائياً عن الجامعة ولا تدعمها، كانت الجامعة المصرية قد بدأت أهلية وفي عام 1926 عام صدور الكتاب اشترتها الحكومة وصارت جامعة حكومية. وانتهى الأمر بتقديم طه حسين الى النيابة العمومية وانتهى محمد بك نور من التحقيق مع طه حسين الى انه لا يوجد لديه قصد جنائي بالإساءة الى الدين الاسلامي. وحفظ التحقيق، ولتهدئة الموقف سحبت الجامعة المصرية كل نسخ الكتاب واحتفظت به في مخازنها.
د. طه حسين من جانبه اسقط الكتاب نهائيا من مؤلفاته، وأعاد في العام التالي إصداره بعنوان “في الادب الجاهلي” حيث حذف منه الصفحات التي أثارت عليه الخصوم والمحافظين وأضاف اليه فصولا جديدة فظهر كتاباً مستقلاً ومتميزاً تماماً عن الكتاب الأول.

طبعات ومعارك
من الناحية الإسلامية كان يمكن النظر إلى طه حسين من زاويتين الاولى أنه مسلم حاول الاجتهاد، وإن كان أخطأ فله أجر. والثانية انه قد يكون اخطأ بإلغاء الكتاب ويمكن ان يعد ذلك حالة من حالات التوبة، وكما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ “كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون” وبذلك فإن موقفه من الناحية الإسلامية والعقائدية جيد. ولا غبار عليه، لكن خصوم طه حسين لم يكفوا عن اتهام الرجل في عقيدته الدينية واعتباره معادياً للإسلام. وكأنه لم يصدر غير هذا الكتاب، وكأنه لم يعد النظر فيه وراحت الكتب والدراسات تصدر خاصة بعد وفاته تتهمه. من جهة أخرى فإن محبي طه حسين لم يتوقفوا وقبلوا التحدي لذا راحوا يصدرون الكتاب من جديد “في الشعر الجاهلي” بنصه الأول، دون حذف كلمة واحدة، بل كانت المطابع تقوم بتصوير الطبعة الاولى بدلًا من إعادة طباعتها، ليتأكد القارئ من أن النسخة التي بين يديه هي صورة طبق الاصل من الكتاب الاول وهكذا وجدنا الناقد د. عبدالمنعم تليمة يعد مقدمة نقدية للكتاب وتصدر منه عدة طبعات، ثم يقوم د. غالي شكري بإعادة اصداره في عدد خاص من مجلة “القاهرة” التي كانت تصدرها وزارة الثقافة وترأس هو تحريرها مع مقدمات ودراسات كتبها عدد من النقاد، واخذ الناشرون في القاهرة يتنافسون في إعادة اصدار الكتاب وحده دون بقية اعمال طه حسين التي تتباطأ دور النشر في إعادة اصدارها رغم احتياج القارئ لها وإلحاح الباحثين عليها.
ومؤخرا أصدرت الدار المصرية اللبنانية طبعة جديدة من كتاب “في الشعر الجاهلي” مصورة عن الطبعة الاولى وتحمل أرقام الصفحات نفسها مع مقدمة ودراسة وتحليل الناقد والمحرر الثقافي لصحيفة “الأهرام” سامح كريم، وهذه المقدمة والدراسة تفوق في حجمها صفحات الكتاب الاصلي مع إضافة وثيقتين مهمتين، إحداهما هي المقالة التي نشرها مرجليوث عن الشعر الجاهلي في نفس السنة التي صدر فيها الكتاب واتهم طه حسين في أمانته العلمية بسبب هذه الدراسة إذ قال خصومه إنه نقل عن مرجليوث.
وخصوم طه حسين لم يكونوا منشغلين كثيرا بالامانة العلمية، بل بأنه كاتب مسلم نقل عن مستشرق كاره للاسلام ومعاد له. ونقل سامح كريم كذلك مقالا كتبه مرجليوث بعد ذلك يبرئ فيه العميد من تلك الفرية ـ النقل عنه ـ وذكر انهما معا وصلا الى نفس النتيجة تقريباً في توقيت متقارب.
يفاجئنا سامح في الصفحات الاولى من تقديمه بأن إقدامه على إصدار هذا الكتاب إنما هو تنفيذ رغبة على جانب كبير من الاهمية سمعها من الدكتور طه حسين أكثر من مرة في كل لقاء كان يتيحه له مؤداها أن يتاح نشر كتاب “في الشعر الجاهلي” مع بيان مقاصده الحقيقية للقارئ بصورة موضوعية لتعطيه حقه وتأخذ منه ما يزيد على حقه. ولم يذكر أحد من قبل أن لدى طه حسين تلك الرغبة، لكني سمعت من الراحل د. سيد ابوالنجا انه حين كان رئيسا لمجلس إدارة دار المعارف وكان يتعاقد مع طه حسين على نشر كتبه كلها، سمع منه كلمات مليئة بالألم بسبب ما تعرض له حين صدر كتاب “في الشعر الجاهلي” وما يذكره سامح كريم يؤكد حقيقة آمن بها طه حسين وهي أن كتابه لم يتعرض لمناقشة علمية بل كانت ضده هوجة انفعالية، افتقدت التعقل، ولم يكن هدفها إسلامياً بل كان المستهدف هو شخص د. طه حسين نفسه.
هجمات وانتقادات
الانتقام من طه حسين كان واضحاً في كتابات مصطفى صادق الرافعي حول الكتاب، ففي كتابه “تحت راية القرآن” يثبت سامح كريم أن الرافعي ربما لم يقرأ كتاب طه حسين اذ يستشهد منه بعدة جمل هي التي نشرتها بعض الصحف للتنديد بالكتاب، لكن لا نجد لدى الرافعي مناقشة علمية لأفكار طه حسين وكانت المشكلة خاصة به فقد أصدر عدة كتب وبعث بها الى طه حسين ليقرأها ويكتب عنها، خاصة كتابه عن تاريخ الادب العربي، لكن طه حسين لم يكتب ولم يحتفل بالكتب ولا بصاحبها، واكتفى بالقول إنه لم يفهمها، وهناك بعد آخر هو أن الرافعي كما يتضح من سطوره كان يريد ويتوقع ان تختاره الجامعة حين صارت حكومية استاذاً بها لمادة الأدب العربي بحكم مؤلفاته واعماله، لكنها فضلت طه حسين عليه.
لم يدر الرافعي أن طه حسين كان يحمل درجتين للدكتوراه احداهما من القاهرة والأخرى من فرنسا بينما الرافعي لم يتجاوز تعليمه النظامي المرحلة الابتدائية نحن إذن بإزاء رغبة في الانتقام والحسد من شخص تجاه آخر، لذا نجده في كتابه وردوده على طه حسين يكثر من كلمة سمعت أو حدثني، لكنه لم يقرأ الكتاب بنص. إنها حالة بين بعض المثقفين اطلق عليها الخبير الاجتماعي الراحل علي فهمي “المثقف بالسماع”، يتحدث الرافعي ويكتب عن نقل طه حسين عن مرجليوث بينما الرافعي لم يكن يقرأ بالانجليزية ولكن صاحب “المقتطف” قال له إن مرجليوث كتب هذا الكلام من قبل.
ويتوقف سامح كريم امام الجهد العلمي الذي قام به د. عبدالرحمن بدوي عام 1979 حين اثبت أن لا طه حسين ولا مرجليوث اول من قالا بانتحال الشعر الجاهلي ولكن قال به عدد من الباحثين العرب والمسلمين، مثل ابن سلام الجمحي الذي تحدث باستفاضة عن الانتحال والمنتحلين في الشعر الجاهلي. الغريب في كتاب د. طه حسين ولم يتوقف أمامه كثير من الدارسين انه أراد ان يجعل القرآن الكريم هو المصدر الاساسي لدراسة حياة العرب قبل الاسلام وليس الشعر الجاهلي “اذا أردت أن ادرس الحياة الجاهلية فلست اسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير، لأني لا أثق بما ينسب اليهم، وإني أسلك إليها طريقا أخرى وأدرسها في نص لا سبيل الى الشك في صحته، أدرسها في القرآن. فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي، ونص القرآن ثابت لا سبيل الى الشك فيه. ادرسها في القرآن، وادرسها في شعر هؤلاء الذين عاصروا النبي وجادلوه”. ويبذل طه حسين جهداً علمياً ويستشهد بالكثير من آيات القرآن الكريم ليثبت ان كتاب الله يقدم صورة واقعية لحياة العرب قبل الاسلام بما كانوا عليه من ثقافة واعتقاد وتقاليد اما الشعر الجاهلي فلا يبين شيئاً من ذلك بل قد يقدم صورة غير حقيقية، الشعر الجاهلي يمثل العرب امة منعزلة عمن حولها، لا يدركون شيئا من امور العالم لكن القرآن الكريم يحدثنا عن رحلة الشتاء والصيف ويحدثنا في سورة الروم بما بين الروم والفرس من صراع وقتال “ألم غلبت الروم في ادنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين” وهذا يعني أن العرب كانوا يتابعون وعلى علم بما بين القوتين العظميين آنذاك.
بعد وفاة طه حسين كتب الشيخ محمود شاكر خصم طه حسين اللدود مقالا في مجلة “الكتاب” عدد مارس 1975 قال فيه عن كتاب طه حسين “لقد لقي طه حسين يومئذ ما لقي، ونسب إليه ما اقطع أنه بريء منه والدليل على براءته عندي هو انه منذ عرفته في عام 1924 الى ان توفى في 26 اكتوبر 1973 كان محباً للسان العربي أشد الحب حريصاً على سلامته أشد الحرص”.

اقرأ أيضا