الاتحاد

الملحق الثقافي

تصفية حسابات مع الرئيس

أثار كتاب “صدى الذّكريات” لعلي الشّابي (77 عاما) وزيرالشؤون الدينية الأسبق في تونس (1992 ـ 1999) جدلا في بعض الصّحف التونسيّة وفي الوسط الفكري والثقافي بسبب موقف المؤلف المعادي للرئيس التونسي السابق الراحل الحبيب بورقيبة، بل يظهر جليّا أنّ الكاتب يصفّي حسابات قديمة مع الزعيم التونسي وقد اتخذ من مسألة إلغاء التعليم في “جامع الزيتونة” ذريعة لهجوم حاد وعنيف على الرئيس الراحل.
تتعدد أسباب موقف المؤلف من الحبيب بورقيبة وكرهه الشديد لشخصه ومعارضته لاختياراته، وهو يريد أن يظهر في مذكراته في مظهر الضحية، وقد ذكر مثلا إنه لما عاد إلى تونس في أواخر أغسطس 1961 بعد غيبة دامت نحو ثلاث سنوات للدراسة في مصر، وفي مطار تونس قادته ـ حسب روايته ـ الشّرطة إلى المركز الملحق بالمطار، وكانت تريد إبقاءه هناك إلى أن تتولاّه في الغد الفرقة الخاصّة بسلامة أمن الدّولة إلاّ أن تدخل قريب له من فرقة أمن الدولة وهو علي بالحاج الشابي قد جنبه هذا العناء، وفي اليوم التالي رافقه في الذهاب إلى إدارة الأمن، فتم سؤاله لمدة ساعة تقريباً أدرك فيها ـ كما يقول ـ مدى حذر المسؤولين ممن يدرسون في الشرق عامة وفي مصر خاصة.
ويتعمد المؤلف الإساءة الى مواقف الزعيم الحبيب بورقيبة وتفسيرها التفسير الذي يريده وهو راكب مطية مسألة الخلاف بين الحبيب بورقيبة والزعيم صالح بن يوسف، وهو الخلاف الذي كاد أن يمزق تونس عام 1955 إبان حصول تونس على استقلالها الداخلي، وهو يقول: “لقد انحصر تفكير كل من بورقيبة وابن يوسف في القضاء على الآخر بأية وسيلة، وتعددت المحاولات من قبل ابن يوسف المقيم في القاهرة للقضاء على بورقيبة، وازداد عسف بورقيبة باليوسفيين حيث تم اغتيال الكثيرين منهم ومحاكمة نحو 2000 من بينهم بن يوسف، وقد حكم عليه بالإعدام مرّتين”.

المذيعة اليمنية وبورقيبة
ويكثر المؤلف من سرد روايات لشخصيات فكرية وسياسية توفيت كلها مما يضع هذه الروايات موضع التساؤل عن مدى مصداقيتها، والكاتب يوظف هذه القصص والروايات للإساءة الى بورقيبة وتشويه مواقفه، وقد أطال الحديث عن مسألة إلغاء الرئيس التونسي السابق التعليم الزيتوني سنة 1958، (بعد عامين من استقلال تونس). ووفق رواية المؤلف فإن بورقيبة اعتبر هذا الإلغاء هو من أعظم ما أنجز في حياته، وتوهّم البعض ـ وفق تحليل الكاتب ـ أن إلغاء التعليم الزيتوني إنما كان بسبب انضمام الشيوخ والطلبة إلى صالح بن يوسف في صراعه ضد الحبيب بورقيبة، وهو وهم لا طائل من ورائه، ومما لا شك فيه أن غالبية الشيوخ والطلبة كانت منحازة إلى بورقيبة إلا أن انحيازها إليه لم يفدها في شيء.
ويعتمد المؤلف في الكثير من رواياته عن بورقيبة عما قيل له أو روي له، ويتعمد سرد بعض القصص لاستمالة القارئ الى مواقفه وسعيا الى إقناعه بطرحه، وفي هذا السباق أورد المؤلف الحادثة التالية: “سنة 1966 حدثني الأستاذ الأمين الشّابي (شقيق الشاعر ابو القاسم الشابي) وزير التربية في مطلع الاستقلال بما مفاده أن بورقيبة قال له عقب انعقاد أحد المجالس الوزارية: (رد بالك من هاك السقّاط = إحذر من أولئك الأراذل). فقال له الوزير: من تقصد سيادة الرئيس؟ فأجابه لا يوجد غيرهم، إنهم الزيتونيون. فذهل الوزير ـ حسب رواية المؤلف ـ لهذه الإجابة لأنّه لم يكن يتصور أن رئيساً ما يمكن أن يحرض على مواطنيه”. كما يورد المؤلف حادثة ثانية حيث يقول: “أفادني الأستاذ محمد العروسي المطوي المناضل الدستوري أن أديبة يمنية من عدن زارت تونس في مطلع السبعينات، فأجرت معها الإذاعة حديثاً عن وضعية المرأة العربية فاستمع بورقيبة لحديثها فأعجب به فأشار بدعوتها إلى لقائه في المنستير (مسقط رأس بورقيبة)، وصحبها في هذا اللقاء محمد العروسي المطوي، وكان، قبل، سفيرا لتونس في المملكة العربية السعودية وفي العراق، فما كان من بورقيبة إلا أن أزرى به أمام هذه الأديبة بسبب ثقافته الزّيتونيّة”.

انتقاء القصص
وهكذا فالمؤلف ينتقي من القصص والحكايات الشفوية ما يدعم به موقفه من بورقيبة، ويروي أحداثاً في حاجة الى من يؤكد صدقيتها فمحمد العروسي المطوي توفي وهو معروف بولائه وإخلاصه لبورقيبة وقد تولى مناصب سامية كثيرة آخرها رئيس اتحاد الكتاب التونسيين ويكن احتراماً كبيراً لبورقيبة.
والمؤلف أكثر من استخدام عبارة “أفادني فلان” و”حدثني فلان”، وكلهم من الأموات وكل ما حدثوه به وأفادوه به يصب في الإساءة الى بورقيبة، ولم يكتف بذلك بل ذهب الى حد الجزم بأن بورقيبة كان مستخفاً بالدين والإيحاء بأنه كان غير مؤمن. يقول المؤلف: “إن بورقيبة زعم أن القرآن متناقض، وأنه يشتمل على أساطير ملفقة، وجاء في إحدى خطبه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: إن جبريل يأتيه بالوحي أما أنا فإني أعتمد في أعمالي على عقلي. وكان يردّد ما قاله باسكال (أنا أومن بالله، فإذا كان موجودا كنت الرابح، وإذا كان غير موجود فأنا لم أخسر شيئا). وقال بشأن البعث: (أي حساب هذا الذي سيتم في الآخرة بالسجلات للمقارنة بين الحسنات والسيئات؟) وخاطب الجمهور: إذا كانت الجنة موجودة فأنا سأدخلكم فيها، ودعا في فبراير 1960 إلى إبطال صوم شهر رمضان تحت ستار إقدام المجتمع على تنمية الاقتصاد، وفي الخطاب الذي ألقاه بمدينة صفاقس في 29 أبريل 1964 لم يعتبر الحج ركنا، وأفتى بصفته إمام المسلمين بإمكانية الاكتفاء بزيارة قبر أحد الصحابة ممن تضم رفاتهم تربة البلاد التونسيّة كأبي زمعة البلوي دفين القيروان، وكان قد دعا عقب الإعلان عن الاستقلال الداخلي سنة 1955 إلى اللائكية أي إلى فصل الدين عن الدولة”.
ويواصل المؤلف سرد القصص والروايات تحت غطاء: “أفادني فلان” وأورد في كتابه الحادثة التالية: “في سنة 1987 زرت المناضل موسى الرويسي في منزله بحيّ التوفيق، فأفادني بأنه أثناء وجوده على رأس السفارة التونسية بالمملكة العربية السعودية زار بورقيبة المملكة، وعندما هبطت الطائرة في مطار جدة صعد إليه لمرافقته فبادره بقوله: لماذا انتهت بي الرحلة في جدة بينما مقصدي الرياض؟ فأجابه بأن الملك فيصل في انتظارك في المطار، وأن التقليد المتبع هو أداء العمرة قبل الانتقال إلى الرياض فرد عليه مغاضباً يقول فيه نبو كبير، ولم يستطع إقناعه بأداء العمرة إلا بعد جهد بالغ”.
وهكذا تحول الكتاب الذي أراده مؤلفه كتاب مذكرات الى كتاب لتصفية حسابات مع الزعيم الراحل والإساءة إليه، ومعروف عن بورقيبة إعجابه بالغرب عموما، وهذا ليس سرا وكان طيلة حياته ينفر شديد النفور من الشيوعية والكتلة الشرقية باستثناء يوغسلافيا سابقا التي كان يجمعه برئيسها تيتو مودة وثقة واتفاقا مبدئيا على عدم الانحياز. ولكن أن يذهب المؤلف الى حد تقديم بورقيبة كرجل غير مؤمن فان في ذلك موقف ينم عن سعي واضح لتشويه الرجل والإساءة لتاريخه.
والكاتب يؤكد أن “صدى الذكريات” كتاب يفيد المؤرخ ودارس الاجتماع. مضيفا: “هو كتاب في سيرتي الذاتية يتآلف فيه الذاتي والموضوعي، ويختلط فيه الوصف والتحليل. لم أسلك فيه مسلك الكثيرين من كتاب السيرة الذاتية الذين استعاروا من أسلوب الرواية ضمير الغائب لاعتقادهم أن ضمير الغائب يتيح لهم الانطلاق على سجيتهم في رواية سيرهم حتى لكأنهم يروون قصصا لأشخاص آخرين، وإنما سلكت فيه مسلكا آخر، إذ آثرت أن لا أتخفى ولا أتوارى ولا أركن بأيّة حال إلى الإيهام، عارضا في وضوح ما اكتنف حياتي. وهي في بعض جوانبها أنموذج لحياة جيل من الزّيتونيين عاش في فترة فاصلة من تاريخ تونس مزدحمة بالأحداث، حافلة بالمواقف”.
ولكن وراء هذا التنظير فإن القارئ يكتشف بسرعة أن هدف المؤلف في جزء كبير من كتابه ـ الذي جاء في طبعة رديئة ـ هو مهاجمة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة والإساءة الى تاريخه وتشويه صورته من منطلق العداء لشخصه والمعارضة لتفكيره فلم نعثر في الكتاب على قول ينصف زعيم قضى أطول فترة من عمره في الكفاح ثم في إرساء أركان الدولة العصرية.

اقرأ أيضا