الاتحاد

الملحق الثقافي

خيانة الذاكرة

تعود مشكلة السرقات الشعرية لتطل برأسها مرة أخرى هذه الأيام في عصر الشبكة الرقمية.. فأخذ شباب الشعراء يتبادلون التهم، ويتسقطون الأخطاء ويتربصون ببعض، خاصة لأن الكثيرين منهم لم يخضعوا بعد لتجارب الزمن، ولم يثبتوا وجودهم الحقيقي في ذاكرة الإبداع. وفي تقديري أن هذه الحركية العارمة لابد أن تتمخض عن إرساء تقاليد جديدة لمنظومة الملكية الفكرية، يتضح فيها بصفاء الفرق بين التواصل الخلاق والتقاطع المدمر. وأذكر أنني منذ عقدين من الزمان تقريبا تعرضت لمأزق نقدي عسير، عندما اتصل بي أحد محرري الصفحات الأدبية في جريدة عربية، وطلب مني الرأي في “سرقة” نزار قباني لقصيدة كاملة من شاعر فرنسي لعله “جاك بريفير”، فطلبت منه أن يوافيني بنص القصيدتين، فإذا بهما متطابقتين تقريبا، فنزار يقول:
“أخرج من معطفه الجريدة/ وعلبة الثقاب
ودون أن يلاحظ اضطرابي
ودونما اهتمام
تناول السكر من أمامي
ذوّب في الفنجان قطعتين
ذوبني.. ذوب قطعتين
وبعد لحظتين، ودون أن يراني
ويعرف الشوق الذي اعتراني
تناول المعطف من أمامي
وغاب في الزحام
مخلفا وراءه الجريدة
وحيدة/ مثلي أنا وحيدة”.
ومن الواضح أن اللقطة فرنسية لعوب، تصور امرأة تذوب في الطرقات، ويتناثر شبقها على رواد المقاهي، في الفترة الوجودية خلال ستينات القرن الماضي التي كتب فيها النص من هذا المنظور الذي يروق لنزار قباني ويحسن دائما توظيفه. لكني من ناحية أخرى شديد الثقة بشعرية نزار وقدرته على التدفق والكتابة، وعدم حاجته لانتحال قطعة صغيرة يستطيع أن يكتب الآلاف مثلها. عندئذ خطر في بالي لحل الإشكالية افتراض اطمأن له ضميري النقدي، وهو أن شاعرنا قد قرأ القصيدة الفرنسية بالفعل، واختزنها في لاوعيه، ونسى أمرها تماما بعد ذلك، وعندما جلس لكتابة الشعر طفرت على سطح وعيه صورتها السردية الشائقة، فكتبها وهو يحسب أنه يبدعها بينما كان في حقيقة الأمر يتذكرها، فرحت بهذه الفرضية، وأسميتها “خيانة الذاكرة” وهي أهون من خيانة الشعراء لمواهبهم، ورحت أفسر بها كثيرا من حوادث السرقات، وأمليت الإجابة على الصحفي، ولكنني لم ألبث أن راجعت بعض الطبقات الأخرى لدواوين نزار، ففوجئت به يهدي هذه المقطوعة إلى الشاعر الفرنسي صراحة، ففطنت لحقيقة الأمر، فهو قد قرأها، ومنحها روحا عربيا بالترجمة وأهداها لصاحبها في لفتة شعرية كريمة، ذكرتني بطريقة شوقي في معالجة أشد الأمور حساسية بذوق رفيع، عندما تأمل مسجد “آيا صوفيا” الذي كان أصله كنيسة مسيحية فقال: “كنيسة صارت إلى مسجد/ هدية السيد للسيد”.
بلباقة شديدة، وحس حضاري مرهف أهدى السيد المسيح دار عبادة للسيد الرسول عليهما السلام، كما أهدى نزار قباني قصيدته العربية لصاحبها الفرنسي في حوارية إنسانية رشيقة.

اقرأ أيضا